محمد السروجي

 

رصيد ومخزون هائل من الخصومة والشقاق بين الإخوة الفرقاء حماس وفتح؛ بسبب اختلاف الأجندات على مستوى الفكر والممارسة، بدأ منذ ديسمبر 1987 مع الانتفاضة الأولى والإعلان الرسمي لحركة حماس؛ حيث استشعر الفتحويون أنهم يزاحَمون في الساحة بالفصيل الجديد الناشئ (ثقافة حكام العرب)، وظهرت الألغام الفتحوية تنمو تدريجيًّا ولكن أكثرها ضراوةً وشراسةً هي التي زرعتها صقور فتح في طريق الحكومة الحمساوية قبل أن تُولَد!!.

 

ألغام فتح في طريق حكومة حماس

وهي كثيرة، منها:

* القرارات الاستباقية التي أقرها المجلس التشريعي المنتهية مدتُه بعد انتخابات التشريعي في يناير 2006، وهي قرارات سياسية واقتصادية وأمنية، والتنازع المتعمَّد بين سلطة عباس وحكومة هنية.

 

* التصريحات الفتحوية التي تحمل الشماتة والعداوة, وكذا الفلتان الأمني المتعمَّد.

 

* الإضرابات المسيَّسة مدفوعة الأجر، من نقابات غير منتخبة أو مرخَّصة؛ حيث صرَّح السفير حسن عيسي المتخصص في شئون الشرق الأوسط، في ندوة مركز سعد زغلول بالقاهرة، بأن محمود عباس وصقور فتح يزرعون العراقيل في طريق الحكومة حتى تظهر عاجزةً!!

 

ثم طرحت وثيقة الأسرى (الوفاق الوطني)، ورغم الصعوبات المطروحة والمتوقَّعة، وافقت حماس عليها، ولكن سرعان ما انقلبت السلطة وراحت تطالب حماس بالمستحيل الذي يخالف ثوابتها؛ حيث الاعتراف بـ"إسرائيل"، ونبذ العنف (التخلي عن المقاومة)، والالتزام بكل الاتفاقيات مع "إسرائيل"، وبذلك عاد الجميع إلى المربع رقم واحد، ثم تدخَّلت أطرافٌ عربيةٌ (السعودية) لجمع شمل الإخوة الفرقاء، وكان اتفاق مكة وحكومة الوحدة الوطنية التي لم تَدُم طويلاً، بل وُلِدَت ميتةً ولاعتبارات كثيرة (محلية وإقليمية ودولية)، ثم كانت الأزمة الجديدة بالحسم العسكري الذي تمَّ في 14/6/2007م وما تبعه من حالات العداء المتبادلة والتي انحازت فيها صقور فتح للمربع الأمريكي، وولَّت ظهرَها للمربَّع العربي حتى بلغ الشقاق مبلغًا حين طالب رياض منصور- ممثل السلطة في الأمم المتحدة- باعتبار حماس ميليشياتٍ خارجةً على القانون!!.

 

أسباب الشقاق

* عدم استيعاب صقور فتح لما تمَّ من تفويض شعبي لحماس بنسبة 60%، وعلى فتح أن تنتقل من مربع الحكم إلى مربع المعارضة!!.

 

* غياب الإرادة الإيجابية لدى صقور فتح لقيام حكومة وحدة وطنية, وطلبهم إعلاميًّا لها هو من باب التعجيز وليس من باب التنفيذ.

 

* الرصيد السلبي بين الطرفين (حماس وفتح)؛ حيث ترى حماس إصرار فتح على إسقاطها, وترى فتح دور حماس في حرمانها (من الزبد والعسل).

 

* التباين الهائل بين منهج فتح القائم على التسوية والتفاوض والتنازل؛ بهدف إعاشة شعب فلسطين ومنهج حماس القائم على الإصلاح ومحاربة الفساد، ودعم المقاومة، وترتيب البيت الفلسطيني داخليًّا.

 

* حرص إدارة المشروع الصهيوأمريكي على استمرار النزاع المحقّق لأهداف "إسرائيل" وأمريكا.

 

تساؤلات مشروعة

وهنا تساءل الرأي العام العربي والعالمي المتعاطف والمؤيد لحق حماس في الوجود والحكم لأنها خيار الشعب: هل أخطأت حماس حين قرَّرت دخول حلبة السجال السياسي في هذه المرحلة (مرحلة أوسلو والاعتراف بإسرائيل والركوع أمام ما يسمَّى بالشرعية الدولية) أم أنها لم تتوقع أن يكون الحصار بهذه القسوة والألم? أم أنها تعلَم وأصرَّت على خوض غمار المعركة لرفع سقف التفاوض والمطالب وكسر الحواجز وتسجيل نقاط على أمريكا والمجتمع الدولي الذي يُظهِر الديمقراطية ويبطِن الاستبداد والتمييز?! هل ستواصل حماس السيرَ في النفق المظلم في ظلِّ تآمر داخلي وعجز عربي رسمي؟ أم أنها ستترك مقعدَ الحكم بلا عودة إلى أي مقعد بل للميدان والبندقية? وهل تريد فتح وإسرائيل والمجتمع الدولي الاعتراف بإسرائيل? أم أن الهدف هو إزاحة- بل القضاء على- تيار المقاومة السلمي والمسلَّح، بل والقضاء على الحركة الإسلامية المعوقة للطموحات الاستبدادية للأنظمة العربية والمشروعات الصهيونية؟!

 

عمومًا.. الفرص ما زالت متاحة, ومعظم الأوراق في صالح حماس وبرنامج المقاومة، وسيبقى الرهان الفائز هو رصيد حماس في الخدمات (الاجتماعية والتعليمية والصحية) ونظافة اليد والمقاومة, هذا الرصيد الذي عبَرت به حماس أنفاق الأرض الصُّلبة المظلمة ووصلت إلى كبد العدو في عملية معبر كرم أبو سالم، سيدفعها للمرور في أنفاق الحصار والتآمر للوصول بشعب فلسطين إلى برِّ الأمان ومواقع النصر، وإن تطلَّب الأمر العبور مراتٍ ومراتٍ- مع إخوة الوطن- من الشقاق إلى الوفاق؛ لأنه لا يوجد خيارات أخرى بديلة!!.