أيام تمر وأعوام تكر وأرحام تدفع وقبور تبلع، هكذا الدنيا وها هي الأيام والأعوام تغلق صفحاتها بحلوها ومرها، وجدها وهزلها، وجراحها وأفراحها، غير مهتمة بجراح، ولا متأثرة بأفراح، كم منا فقد حبيبًا أو غاليًا، أو فشل وانهدمت أحلامه، وارتفع صوته بالأنين، باكيًا على ما أحدثته فيه السنين.

 

وكم منا نجح وأنجز، وتمتع بالجانب المشرق، واستخدم قدراته وحمد ربه على توفيقه والنجاح في استخدام إمكاناته، مهما كانت الأحوال فآخر يوم في العام، سعيد كان أو حزين، يليه أول يوم في العام الجديد، وبوقفةٍ مع النفس بين عامين، وكلنا شوق للعام الهجري الجديد نخطط لأنفسنا كمسلمين مقتدين بنهج الصالحين.

 

د. أكرم رضا- خبير التنمية البشرية- يُفرِّق  بين نوعين من الناس الأول له خطة وأهداف يسير عليها ويسعى لتحقيقها، وبالتالي يسهل عليه محاسبة نفسه بسهولة مهما كان دوره في الأسرة (أب- أم- ذكر- أنثى) يضع يده على نقاط الإنجاز فيدعمها والتقصير فيقومها.

 

أما الآخر فأول حسابٍ لنفسه يكون على عشوائيته وعدم تخطيطه وعدم وجود هدفٍ يسعى إلى تحقيقه، يسير متخبطًا تؤدي به الظروف إلى كل الطرق، وهو إما يائس أو مستسلم، ولكي يرسم خطة لنفسه لا بد أن يحدد إمكانياته وقدراته ويحدد طموحاته وأحلامه بحيث يوظف هذه القدرات لتحقيق الأحلام والأهداف مع التركيز على تنمية هذه القدرات وإثقالها بالتعليم واكتساب الخبرات، والمحاسبة ليست شكلاً من أشكال البكاء على اللبن المسكوب، ولكنها وقفةٌ مع النفس لتعديل مسارها أو استكماله.

 

ورغم أن هناك أدوارًا ثابتةً في الحياة يشترك فيها كل الناس أهمها العبادة وما يدخل تحتها من (صلاة- صوم- حج...)، ويجب محاسبة النفس عليها لتجنب التقصير فيها، إلا أن المحاسبةَ على الأموال الحياتية تختلف من شخصٍ لآخر حسب طبيعة الدور الذي يؤديه في الحياة سواء داخل الأسرة أو خارجها، فهناك إنسان (رب لأسرة) له أدوار محدودة مكلف بإنجازها ويحاسب نفسه على التقصير فيها وهناك آخر له أدوار أخرى فتكون محاسبته على أداء هذه الأدوار ونسبة نجاحه فيها.

 

دنيا ودين

ويستكمل د. أكرم رضا كلامه عن اقتصار مفهوم محاسبة النفس على الجانب الديني فقط أو الدنيوي فقط، مرجعًا ذلك إلى فكرة الثنائيات التي انتشرت، فمثلاً إما الغنى أو الفقر، أو الصحة ويقابلها المرض، والدنيا لا تجتمع مع الآخرة فتناسى بعض الناس أن الله سبحانه وتعالى ما خلق الدنيا إلا من أجل الدين (الدنيا مزرعة الآخرة)، ورغم ما سبق إلا أن هناك مسلمين هم نماذج متوازنة في الدنيا والدين ونجحوا في التوفيق بينهما.

 

وأشار د. أكرم إلى أن هناك جانبًا سلبيًّا وآخر إيجابيًّا للمحاسبة تتوقف على طبيعة الشخصية؛ فالشخص المنظم يسعد بتخطيطه وإنجازه، ولكن النوع الآخر فشله قد يُصيبه بصدمةٍ إذا كان قاصر التفكير، أما إذا كان حاذقًا يستفيد من أخطائه فلا بد أن يُدرك أن آخر يوم في السنة التي فشل فيها يليه أول يوم في السنة الجديدة مليئة بكل فرص النجاح؛ إذن لا مجالَ أمامه للإحباط، وإلا سيضع نفسه داخل دائرةٍ مغلقةٍ ليس لها أول من آخر، وهذه قيم ومعانٍ لا بد من غرسها داخل أطفالنا الصغار، وعبارة (اسأل نفسك) تكون منهجًا في تربيتهم، فإن أخطأ الطفل في حق زميله أضعه في موقف المحاسبة، وهل يرضى لنفسه أن يُخطئ أحدٌ في حقه؟ وهكذا وبهذا أغرس فيه بذور المحاسبة على كل صغيرة وكبيرة، ولو تعود على ذلك في صغره سهُل عليه التخطيط لنفسه ولمحاسبة لها في كبره.

 

سمات المجتمع الحديث

قد يكون التخطيط وتحديد الأهداف ومحاسبة النفس من سمات المجتمع الحديث الذي يتواكب مع ظروف العصر بحثنا لها عن أصول في الشرع فقال د. محمد عبد رب النبي- أستاذ أصول الفقه بمعهد إعداد الدعاة- أمرنا الشرع بمحاسبة أنفسنا فتجلى ذلك في الكثير من آيات القرآن في قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (281)﴾ (سورة البقرة).

 

وكذلك قوله تعالى ﴿وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ (الحشر: من الآية 18) وفي قوله تعالى أيضًا: ﴿وَقُلْ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ (التوبة: من الآية 105)، وهناك أدلة كثيرة من السنة النبوية تؤكد اهتمام الصحابة بمحاسبة أنفسهم فها هو سيدنا حنظلة الأسيدي عندما ذهب للنبي (صلى الله عليه وسلم) وهو يحاسب نفسه عن علو همته واشتياقه للجنة في مجالس النبي (صلى الله عليه وسلم) ثم ينشغل بأمور الدنيا والنساء والأولاد فاتهم نفسه بالنفاق وذهب ليحتكم إلى النبي (صلى الله عليه وسلم) بينه وبني نفسه فرد النبي قائلاً: "يا حنظلة! ساعة وساعة" (الحديث في صحيح مسلم ).

 

النتيجة قبل العمل

وورد في قصة إسلام عمرو بن العاص عندما عزم على مبايعة النبي- صلى الله عليه وسلم- قبض يده وسأله أولاً: عن نتيجة إسلامه فأخبره النبي- صلى الله عليه وسلم- "أن الإسلام يمحو ما قبله من ذنوب" (الحديث في صحيح مسلم ) الشاهد من الحديث أن عمرو بن العاص في نتيجة عمله قبل أن يقدم عليه (الإسلام)- وهذا ما فطن إليه سيدنا عمر بن الخطاب فقال: (حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا)، وكان رضي الله عنه يأمر ولاته بمحاسبة أنفسهم على حقوق الرعية فيكتب إليهم قائلاً: (حاسب نفسك في الرخاء قبل حساب الآخرة فمَن ألهته حياته عاد أمره إلى الحسرة والندامة..).

 

ويقول الحسن البصري: (إن العبد لا يزال بخير ما كان له واعظ من نفسه وكانت المحاسبة من همته) وتنقسم المحاسبة إلى 3 أنواع:

1- محاسبة قبل العمل: تكون بقياس العمل بميزان الشرع فإن كان مباح أمضاه وإن كان حرامًا تركه، ويقول الحسن البصري: "رحم الله عبدًا وقفه عند همه (أمره) فإن كان لله مضى".

2- المحاسبة مع العمل: بالاهتمام بإتقانه وتقدميه في أحسن صورة (عمل ديني أو دنيوي).

3- وتنقسم المحاسبة بعد العمل إلى 3 أنواع:

أ- محاسبتها على الطاعة: هل قصرت في طاعة الله أم أدتها كما يجب؟ وحق الله في الطاعة ستة:

1- إخلاص العمل لله

2- النصيحة لله

3- متابعة منهج النبي صلى الله عليه وسلم في هذا العمل

4- مراقبة الله في عمله

5- شهود نعمة الله عليه

6- استشعار نعمة الله أمام تقصيره في هذا العمل

 

ب – محاسبتها على كل عمل مباح (كل الأمور الحياتية المباحة)

 

ج- أي عمل قام به هل كان فعله خير أم تركه أفضل؟!

 

وعن السبب في فصل محاسبة النفس للأمور الدينية فقط أو الدنيوية فقط أرجع ذلك إلى: انفصام الشخصية المسلمة الغير واعية واجتماعهم مقبول؛ لأنهم ليسوا نقيضين.

 

اسأل نفسك

(اعرف حقيقة نفسك تنجح في التعامل معها) هكذا قالت الداعية سمية رمضان- والتي توصلت إلى مجموعة من الحقائق عن النفس من خلال مجموعة من أبحاث قامت من خلالها بحصر هذه الحقائق من مصادرها (الكتاب- السنة) وطرحت هذا التساؤل: ماذا تقدم لنا أنفسنا؟.

 

فوجدت للإجابة كالتالي: النفس قد تكون ظالمة- قد تكون كاذبة- قد تكون فاتنة، وتتسبب في مقت الله وهي أمارة بالسوء وقال تعالى: ﴿فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (8) قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (9) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا (10)﴾ (سورة الشمس).

 

ورسول الله صلى الله عليه وسلم كان دائم الدعاء: "يا حي يا قيوم برحمتك استغيث، أصلح لي شأني كله، ولا تكلني إلى نفسي طرفة عين".

 

من هنا نبدأ

فعندما يعرف الإنسان حقيقة نفسه ويرصد مميزاتها وعيوبها عليه أن يأتي بكتاب الله ويستخرج منه كل الآيات التي تتحدث عن هذه العيوب وتعالجها، ثم يلجأ إلى السنة فيعرف كيف تعامل معها النبي صلى الله عليه وسلم.

 

وكل يوم يسأل نفسه: هل هزمت عيوبي اليوم أم عيوبي هي التي هزمتني؟ ويستمر في التقويم فبهذه الوقفة والمحاسبة لا بد أن نبدأ.