يُحكى أن أستاذ اللغة العربية دخل الفصل وقال: "عَشِقَ المسلمُ أرضَ فلسطين"، أعرب يا ولدي.
فقال الطالب: إعراب "نَسِيَ المسلمُ أرضَ فلسطين" هو:
![]() |
|
د. علي الحمادي |
والمسلم: مفعول، بل مكبول في محكمة التفتيش!!.
وأرض فلسطين: ظرف مكان مجرور قسرًا، مذبوح منذ سنين!!.
قال المدرس: يا ولدي، مالك غيَّرت فنون النحو وقانون اللغة، يا ولدي، إليك محاولة أخرى: أعرب: "صَحَتْ الأمةُ من غفلتها".
فقال التلميذ:
صحت: الفعل ماضٍ ولَّى، والمستقبل مأمول، والتاء ضمير تخاذلٍ وذلٍّ وهوانٍ!!.
الأمة: اسمٌ كان رمز النصر على أعداء الإسلام، وبات اليوم ضمير الصمت في مملكة الأقزام!!.
وحرف جر الغفلة، غطَّى قلوب الفرسان، فباتوا للدنيا عطشى، شَرَوْها بأغلى الأثمان!!.
الهاء: نداءُ رضيعٍ مات أسير الحرمان!!.
قال المدرس: يا ولدي، نسيت اللغة وحرَّفت معاني التبيان.
فقال التلميذ: أستاذي، بل إيمان قلَّ، وقلبٌ هجر القرآن، نسينا العزةَ والتاريخ والأمجاد، صمتنا باسم السلم وقد عاهدنا بالاستسلام، دفنَّا الرأس في قبر الغرب، وخنَّا عهد الفرقان!!.
معذرةً حقًّا أستاذي؛ فسؤالك حرَّك أشجاني، ألهب وجداني.
معذرةً فسؤالك نارٌ تبعث أحزاني، وتحطم صمتي، وتهدُّ كياني.
عفوًا أستاذي، نطق فؤادي قبل لساني.
هذا الحوار بين الطالب وأستاذه لخَّص المأساةَ الحقيقيةَ التي تحياها الأمة، مأساة الإرادة والقوة والعزة!!.
وها نحن نرى ونسمع كل يوم وسائل الإعلام، وهي تطالعنا بأصنافٍ من العذاب وألوانٍ من المجازر تُصب على إخواننا في غزة صبًّا؛ قصف وقتل، سجن وأسر، تجويع وترويع، حصار ودمار، كل ذلك وغيره كثيرٌ، ويوميًّا وبلا توقف يُصيب إخواننا الفلسطينيين بأيدي اليهود الصهاينة المعتدين، وبمباركة وتأييد وأسلحة أمريكية، وبصمت عربي وإسلامي ودولي قلَّ أن تجد له مثيلاً في تاريخ البشرية!!.
أقول من التعتب: ليت شعري *** أأيـقاظ أمـيـة أم نيـام
فإن كانـوا لحينهم نيـامًا *** فقل: قـوموا؛ فقد حان القيام
هل يُعقل أن تبقى غزة محاصرةً من قِبل العدو الصهيوني ومن بعض الدول العربية (للأسف)، ثم يبقى المسلمون والعرب يتفرَّجون على هذه الجريمة العظمى وكأنَّ الأمرَ لا يعنيهم؟!
هل يُعقل أن تستمر المجازر يوميًّا في غزة في حين أن الأنظمةَ العربيةَ والإسلاميةَ تقف مكتوفةَ اليدين، وتمارس حياة الترف، وكأنَّ الذين في غزة ليسو عربًا ولا مسلمين ولا بشرًا؟!
هل يُعقل أن يصل الحال في غزة إلى أن يطلبوا من الأنظمة العربية أن ترسل لهم أكفانًا ليدفنوا شهداءهم؛ إذْ نفدت الأكفان بعد أن نفَدَ الطعام والشراب، والدواء والكهرباء، والوقود وكل شيء؟!
هل يُعقل أن تستقبل العديد من الدول العربية الرئيس الأمريكي بحفاوةٍ منقطعة النظير، وهو الشريك الأكبر والفاعل المُؤثِّر في المجازر التي تُرتكب في غزة وفلسطين والعراق وغيرها؟!
كيف طابت النفوس أن تُضاحك وتُسامر بل وتُراقص من كان سببًا في سفكِ دمائنا وحصار إخواننا، وتدمير بلادنا ونهب ثرواتنا؟!
كأني بالشيخ أحمد ياسين- رحمه الله- وهو يخاطب هذه الأمة بعد محاولةٍ فاشلةٍ لاغتياله عام 2003م، ويستثير عزتها وكرامتها، وشرفها وإباءها ونجدتها، فيقول:
"أحقًّا هكذا أنتم أيها العرب؛ صامتون عاجزون، أو أموات هالكون؟!
ألم تعد تنتفض قلوبكم لمرأى المأساة الوجيعة التي تحل بنا؟!
فلا قومَ يتظاهرون غضبًا لله وأعراض الأمة، ولا قوم يحملون على أعداء الله الذين شنوا حربًا دوليةً علينا، بل وحولونا من مناضلين شرفاء مظلومين إلى قتلةٍ مجرمين إرهابيين، وتعاهدوا على تدميرنا والقضاء علينا!!.
ألا تستحي هذه الأمة من نفسها وهي تطعن في طليعة الشرف لديها؟!
ألا تستحي دول هذه الأمة وهي تغضُّ الطرف عن المجرمين الصهاينة والحلفاء الدوليين دون أن يعطفوا علينا بنظرة تمسح عنَّا دمعتنا وتربت على أكتافنا؟!
ألا تغضب منظمات الأمة وقواها وأحزابها وهيئاتها وأشخاصها لله غضبة حقَّة، فيخرجوا جميعًا في حشود هاتفة ليقولوا: يا الله، اجبر كسرنا، وارحم ضعفنا، وانصر عبادك المؤمنين؟!
أَوَمَا تملكون هذا، أن تدعوا لنا؟!
قريبًا ستسمعون عن مَقاتل عظيمة بيننا؛ لأننا لن نكون حينها إلا واقفين مكتوبًا على جبيننا أننا متنا واقفين، مقبلين غير مدبرين، ومات معنا أطفالنا ونساؤنا، وشيوخنا وشبابنا؛ جعلنا منهم وقودًا لهذه الأمة الساكنة البليدة!!.
لا تنتظروا منَّا أن نستسلم أو أن نرفع الراية البيضاء؛ لأننا تعلمنا أننا سنموت أيضًا إن فعلنا ذلك، فاتركونا نمت بشرف المجاهد.
إن شئتم كونوا معنا بما تستطيعون؛ فثأرنا يتقلَّده كل واحد منكم في عنقه، ولكم أيضًا أن تشاهدوا موتنا وتترحموا علينا!!.
وعزاؤنا أن الله سيقتص من كل من فرَّط في أمانته التي أعطيها.
ونرجوكم ألا تكونوا علينا، بالله عليكم لا تكونوا علينا يا قادة أمتنا ويا شعوب أمتنا.
اللهم نشكو إليك، نشكو إليك، نشكو إليك، نشكو إليك ضعف قوتنا، وقلة حيلتنا، وهواننا على الناس، أنت رب المستضعفين وأنت ربنا، إلى من تكلنا؟، إلى بعيد يتجهَّمنا؟! أم إلى عدو ملكته أمرنا؟!
اللهم نشكو إليك دماءً سُفكت، وأعراضًا هُتكت، وحرماتٍ انتُهكت، وأطفالاً يتِّمت، ونساءً رُمَّلت، وأمهاتٍ ثُكِّلت، وبيوتًا خُرِّبت، ومزارع أُتلفَت.
نشكو إليك تشتُّتَ شملنا، وتشرذمَ جمعنا، وتفرُّق سبلنا، ودوام الخُلف بيننا، نشكو إليك ضعفَ قومنا، وعجزَ الأمة حولنا، وغلبةَ أعدائنا".
إن الذي يحدث في غزة عارٌ حقيقي في جبين أمتنا، والتاريخ لا يرحم، والأنظمة العربية مسئولة أمام الله- تعالى- كما أن الشعوب مسئولة أيضًا.
وإننا إذ نستنكر ونستقبح ونجرِّم ما يحدث لإخواننا في فلسطين عمومًا وفي غزة خصوصًا؛ فإننا نطالب الأنظمة العربية والإسلامية ومؤسسات المجتمع المدني وجميع الشعوب بالتالي:
1- رفض الحصار على غزة، بل وكسره وعدم الانصياع وراء مثل هذه القرارات الظالمة المهينة.
2- قطع جميع العلاقات ورفض التطبيع مع العدو الصهيوني.
3- إيقاف المفاوضات مع العدو "الإسرائيلي" المعتدي.
4- مطالبة الرئيس الفلسطيني بمدِّ يده للحكومة الفلسطينية المنتخبة، والحوار الجدي غير المشروط معها، وإيقاف تعاونه الأمني ومفاوضاته مع عدوه وعدو شعبه.
5- نصرة الشعب الفلسطيني المحاصر في غزة بالدعاء والمال، والدواء والطعام والكهرباء.
6- قيام وسائل الإعلام ومؤسسات المجتمع المدني، وخطباء المساجد وعلماء المسلمين بدورهم في نصرة المحاصرين في غزة، وتخصيص أيام وأسابيع لإثارة هذا الموضوع وإعانة الشعب المحاصر المظلوم.
وكذلك نخصُّ الأفراد بالمطالب والنصائح التالية:
1- إصلاح النفس ومجاهدتها، وحملها على الاستقامة ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ (الرعد: من الآية 11).
2- التبرع بجزء من الراتب أو المكافأة أو الحوافز أو الأرباح لصالح فلسطين.
3- مراسلة جميع وسائل الإعلام؛ لصناعة مناخ سياسي ورأي عام دولي يدعم أهلنا في فلسطين.
4- القنوت في كل صلاة والدعاء لإخواننا في فلسطين ولأمتنا الإسلامية.
5- صيام يوم كل شهر، مع قيام ليلة والدعاء بالنصر على الأعداء.
6- متابعة أخبار المحاصرين أولاً بأول، وإنشاء روابط على الإنترنت وإرسالها لكل من تعرف؛ لنشر التوعية بين صفوف المسلمين.
7- تربية أنفسنا على الخشونة في المأكل والمشرب والملبس والنوم.
8- مقاطعة جميع البضائع الأمريكية والصهيونية على وجه الخصوص، والمقاطعة أصبحت الآن- كما أفتى بذلك عدد من العلماء- واجبةً.
9- مخاطبة الأطباء ليجعلوا- مثلاً- قيمةَ كشف واحد أسبوعيًّا لصالح فلسطين، والمدرسين ليجعلوا قيمةَ حصة واحدة أسبوعيًّا لصالح فلسطين، والتجار ليجعلوا قيمة مكسب يوم في الشهر لصالح فلسطين، وهكذا بقية المهنيين.
وأخيرًا نقول ما قاله القائل:
أتُسبى المسلمات بكل ثغرٍ *** وعيش المسلمين لـهم يطيـبُ
أما لله والإسلام حق *** يدافع عنه شبَّانٌ وشيـبُ
فقل لذوي البصائر حيث كانوا *** أجيبوا الله ويحكمُ أجيبوا
--------------------------
* المشرف العام على الموقع الإلكتروني "إسلام تايم".
