لا شك أن ما حدث من حصار ظالم لغزة لم يكن الأول من نوعه، من حصارات تمت ضد العرب والمسلمين؛ تطبيقًا للظلم الدولي أحيانًا؛ اعتمادًا على الباب السابع الذي لم يطبَّق إلا علينا نحن أبناء هذه الأمة المقاومة، والتي تم سرقة إرادتها عن طريق حكامها، أقول: سبق حصار ليبيا أكثر من عشر سنوات، ولم يتجرَّأ زعيم عربي على كسر الحصار الدولي الظالم من منطلق إنساني بحت، حتى كفر أحدهم- وهو القذافي- بالقومية العربية التي شكَّلت مرجعية وشرعية استيلائه على السلطة منذ أكثر من 40 عامًا!!.
وتم حصار العراق، ومات أكثر من 200 ألف طفل ورجل وامرأة، ولم يفتح أحد هؤلاء الرؤساء والملوك العرب فمه مستنكرًا أو مادًّا يده لدعم أبناء العروبة والإسلام، وهم يتضوَّرون جوعًا أو يموتون مرضًا!!.
لم يكن هناك وقتها غير الشعوب المقهورة في بلادها!! وجاء الدور على فلسطين وغزة، ومورست نفس الوسائل الرخيصة من كل القادة العرب، إما صمتًا أو خزيًا، ورغم ذلك كان التفاؤل يغمر قلبي بأن فرج الله قريب، والفارق في كل هذه الحصارات هو نوعية القيادة التي تُدير أزمة غزة؛ فلا شك في وطنيتها وتضحياتها ومهارتها في السير بالقضية الفلسطينية بحنكة، مع الحفاظ على الثوابت التي لن يقبل أيُّ عاقل التنازل عنها.
وفعلاً بدأ الانفراج، وظهر معدن الشعب المصري والشعوب العربية كلها بالتفاعل مع احتياجات الشعب الفلسطيني الأساسية؛ تبرعًا ومناشدةً ودعاءً وقنوتًا وتظاهرًا؛ حتى وصل عدد المعتقلين من أبناء الشعب المصري فقط إلى أكثر من ألف مواطن، وهو دليل الإصرار والتحدي، الذي يمكن أن يفرضه إصرار الشعوب على المطالبة بحقها في حياة كريمة عزيزة.
والعجيب في هذا الأمر هو رد فعل النظام المصري الذي تفهَّم أو رضَخَ أو تفاعَل مع مطالب الشعب الفلسطيني المحصور والمحاصر من كافة القوى المحيطة به؛ يهودًا كانوا أو عربًا، وقبل دخول الأهالي رفح المصرية!!.
لماذا يَحرم أبناء شعبه من التعبير عن رأيهم ورغباتهم في شكل منظَّم كريم؟!! لماذا لا يستفيد من هذه الضغوط الشعبية في محاولةٍ لإيجاد حلول حاسمة لقضايا فشل في مواجهتها بوطنية؟!! لماذا لا يُفصح عن استجابته لرغبات شعبه بدلاً من العناد والغباء والاستعلاء الذي يتمسك به في مواجهة مطالب الأمة كلها لمناصرة الشعب الفلسطيني المجاهد؟!!
وندائي الأهم هنا ليس هو مطالبة النظام بالكف عن ممارسة غبائه في تعقُّب الشرفاء من بني الوطن، ولا الكفّ عن اعتقال الشباب الذي هبَّ لنجدة أبناء فلسطين، فالاعتقال قدرٌ لا بد منه في ظل هذا النظام، بل هو شرفٌ لأي مصري اليوم يحيا في مصر وهو معتزٌّ بكرامته وقيمه ومبادئه، حتى لو لم يخرج في مظاهرات!!.
بل أناشد أبناء مصر من تجَّار في العريش ورفح أن يرحموا ضعْفَ وفقرَ أبناء فلسطين الذين لجأوا إليهم واقتحموا جدارًا عازلاً بقوة وجسارة، فلا يتاجروا باحتياجاتهم، ولا يرفعوا الأسعار عليهم، بل نتسابق جميعًا إلى التخفيف عنهم، ونحثُّ كلَّ منظمات المجتمع المدني ولجان الإغاثة على تقديم كل ما يستطيعون الحصول عليه من شعب مصر البطل الكريم الفقير فيما يملك الغنى بإبائه وعزة نفسه.
أناشدكم يا كل من يملك جهدًا أو وقتًا أو مالاً أو كلمةً أو دعاءً يقدمه لأبطال وأسر شهداء العزة في غزة، ولتحيا مصر عزيزةً أبيَّةً كريمةً صامدةً صابرةً مقاوِمةً لكل من أراد بها سوءًا، والله أكبر ولله الحمد.
-----------