![]() |
|
م. أسامة سليمان |
الوضع في فلسطين مُعقَّد، وعلى وجه الخصوص قطاع غزة، من حيث تعدد الأطراف ذات المصلحة، سواءٌ أكانت أطرافًا داخليةً أو خارجيةً.
داخليًّا يبرز اتجاهان:
الاتجاه الأول: يعتبِر السلام خيارًا فرضه كلٌّ من "الواقع العربي الهزيل، وطول زمن الصراع، واليأس من خيار المقاومة المسلحة"، وبالتالي فلا بديلَ عنه أيًّا كانت التنازلات، وتبريرهم مرحلي لحين ميسرة، ويقوِّيه وينفخ فيه عملاء للأطراف الخارجية اتفقت مصالحهم الشخصية مع المصالح القومية للأطراف الخارجية!!.
وللأسف هؤلاء الدخلاء على أصحاب ما يُسمَّى "خيار السلام" اشتد عودهم، وتبوءوا مناصب قيادية طغت على إستراتيجية الحركة من المخلصين لخيار السلام، وأسماء هؤلاء معروفة لكل متابع للقضية الفلسطينية.
أما أصحاب الاتجاه الثاني: فهم "أصحاب خيار المقاومة"، ويعوق هذا الاتجاه- إضافةً إلى الفروض السابقة- تعدد فصائل المقاومة، ولكل فصيل أجندته الخاصة، يليه تكالب معظم- إن لم يكن كل- الأطراف الخارجية ضده وبلا هوادة أو مهادنة؛ لتعارُض مصالحهم؛ مما جعل الورقة الفلسطينية كريشةٍ تلعب بها رياح المصالح المتعارضة صعودًا وهبوطًا!!.
وللخروج من هذا المأزق الداخلي يجب الحوار؛ فالاتفاق سريعًا على أجندة جديدة مشتركة ما يمهد لحوارٍ بنَّاء يفرض أجندةً تتسع أرضيتها للمخلصين من أصحاب خيار السلام، وهذا المجموع يستطيع أن يكون قيادةً مقنعةً واعيةً ومؤثرةً في الشعب الفلسطيني، ومن ثَمَّ قدرته على التخلص من سموم عملاء أصحاب "خيار السلام وفقط"!!.
أما عن الأطراف الخارجية، فاتفاق الطرف الصهيوني مع الطرف الأمريكي، ولكلٍّ مصلحته في القضاء على خيارَيْ السلام والمقاومة معًا، مثلما حدث مع السكان الأصليين "الهنود الحمر" في أمريكا من قتلٍ وتشريدٍ حتى الانقراض، فغدوا أثرًا بعد عين؛ لذا كانت أفعالهم وقراراتهم هي استخدام العالم بدوله (كأوروبا وغيرها) ومؤسساته (كالأمم المتحدة وغيرها) كأتباع عمي؛ في ظاهره تحقيق مصالح متبادلة دونما النظر لحقوق الإنسان وحقوق الشعوب، وفي باطنه تحقيق نبوءات توراتية وإنجيلية محرَّفة وأسانيد ثبت افتراءاتها، وقاد كلا الطرفين الأساليبُ المنحطةُ في تركيع وإذلال الشعب الفلسطيني على مدار عقود عديدة دونما حل، ولكن مزيد من المعاناة والمآسي والكيل بأكثر من مكيال!!.
أما الطرف الخارجي الثالث فهم العرب (شعوبًا وحكامًا) وهم رُمَّانة الميزان- إذا أرادوا- في التعامل مع الطرف الداخلي والخارجي لمصلحتهم وأمنهم جميعًا، بما يملكون من أدوات القوة المتمثلة في ثرواتهم البشرية والطبيعية، تتقدَّمها قوة معتقداتهم الدينية.
لكن تفرُّقهم وتعدُّد مصالحهم الخاصة على حساب المصلحة العربية المشتركة، وارتباطهم بأجندات خارجية أخرى اتباعًا لموازين القوى، أفقدهم الكثير مما يخاف منه الطرفان الأساسيان في العقدة الفلسطينية.
ولا ننسى الدور القوي والمتماسك لعملاء الداخل مع بعض الدول العربية ذات الأجندات الخاصة بقيادة أمريكا والصهاينة، بالإضافة إلى معضلة عدم توحد الداخل؛ في تدهور الأوضاع داخليًّا، وعلى رأسها حصار غزة!!.
فالمعادلة صعبةٌ للغاية، وحلُّها يحتاج تضحياتٍ وتنازلاتٍ لصالح القضية، ولن يكون ذلك إلا برجالٍ مخلصين راشدين من كلِّ الأطراف؛ يملكون الجرأة والقدرة في اتخاذ قرارات خطيرة ومؤثرة.
إن حصار غزة وما أفرزته من دروسٍ يجب استيعابها والاستفادة منها قبل فوات الأوان، وأولها ضعف الكيان الصهيوني ومن والاه في التعامل مع الملف الفلسطيني إذا ما اتَّحدت الأطراف الداخلية أولاً، ثم مع الطرف العربي الخارجي ثانيًّا، ويظهر ذلك في فشل زيارة بوش في تحقيق نتائجها، وفشل الصهاينة في عزل حركة حماس أو حتى إحراجهم، ويكفينا أنَّ كسر الحصار المفروض على غزة كان صفعةً قويةً على قفا وفود الكونجرس الأمريكية المكوكية للحدود المصرية الفلسطينية، وكان الرد المناسب لمزاعمهم حول الأنفاق بفتح كل الحدود بين البلدين؛ ليكون الاتصال بين الأشقِّاء فوق الأرض علانيةً وليس تحتها كما يزعمون!!.
أما ثاني الدروس: فعلى كل الأطراف أن تعلم أن حصار الشعوب لا يكسره إلا حركة الشعوب؛ نصرةً لبعضها البعض.
وثالثها أن الفلسطينيين ليسوا كالهنود الحمر، وتشهد لهم بذلك "فلسطين" أرض الصراعات على مرِّ التاريخ في صدام النبوءات، ولن تزول المقاومة بأي حالٍ مهما اشتدت مؤامرات كل الأطراف الداخلية والخارجية للتخلص من حركة المقاومة حماس "صاحبة الشرعية"، التي استطاعت أن تكون رمزًا للصمود ومثالاً راقيًا في الثبات على المبدأ، فرسخت في الضمير الإنساني، وأخذت مكانتها في قلب كل فلسطيني بل وعربي أو غربي حر.
ومن الدروس المستفادة: أهمية مراعاة أولوية الأمن القومي العربي- وبالأخص المصري- مما عداه من مصالح أخرى؛ فبه تتحقق المصالح وبدونه تضيع كل المصالح.
لذا تبرز لنا من خلال الدروس السابقة عدة أمور يجب العمل على تحقيقها، منها:
* أهمية الحوار الفلسطيني- الفلسطيني بمساعدة عربية قوية تغلِّب مصلحة فلسطين على المصالح الأخرى، يعقبها وضع حلول منطقية للمعابر، وخصوصًا على الحدود العربية المشتركة مع مصر والأردن.
* العمل على تنمية الاستثمار العربي داخل غزة في خلق قطاع يستطيع الاعتماد على نفسه مستقبلاً، دون الحاجة للكيان الصهيوني، وخصوصًا البنية الأساسية، ونقض أي اتفاقية تحول دون تحقيق ذلك.
* العمل على تشكيل لجنةٍ عربيةٍ وإسلاميةٍ منتقاةٍ؛ يشترك فيها ممثلون عن الفصائل الفلسطينية تخرج لنا بخطةٍ متَّفق عليها لكيفية قيام دولة فلسطينية مستقلة.
--------------
