م. أسامه سليمان

هالني ما سمعته من تعليق راديو القاهرة على أخبار المحادثات مع الرئيس الفلسطيني ووفد حماس بعد حصار غزة لتتضح للأسف الصورة.. الجميع يغضُّ الطرف عن شرعية حماس وحقوقها، وتجاوزات سلطة عباس وأكاذيبها، وممارسات الاحتلال الصهيوني وخروقاته، في نفس الوقت الذي يستجيب فيه للضغوط الدولية بقيادة الولايات الأمريكية لصالح الكيان الصهيوني ويؤكده الفشل الدولي الذريع في مجرد إدانة الحصار على غزة.
تجمَّعت لديَّ معالم الصورة في الحديث النبوي الشريف من تجمُّع اللئام مع الذئاب على قصعة واحدة يلتهمونها.. لكن الذي أكذِّب نفسي فيه ولا أطاوعها أن يكون من بين الأكلة عربي واحد، سواءٌ كان مسلمًا أو مسيحيًّا، وإن كانت فلسطين هي ما في القصعة فإن اللئام يتكاتفون في أن تمتلئ القصعة بكل من يساند فلسطين، وعلى رأسهم حماس ومن يتبنَّى خيار المقاومة وحق الدفاع عن الأرض والعرض ويرفض الابتزاز.
كيف يتحول الذئب الجاني إلى الشاة المجني عليها؟!
أعلم من الحديث النبوي أن من علامات الساعة أن ترى الحفاة العراة العالة رعاء الشاء يتطاولون في البنيان، وأن تلد الأمة ربَّتَها؛ أي "تلد الجارية سيدتها" وهذا ما يُفهم منه أن يوسَّد الأمرُ إلى غير أهله كما هو الحال في أوطاننا.
لكن ما لا أعلمه تحوُّل المقتول "المجني عليه" إلى قاتل "جانٍ"، في مشهد مسرحي حزين من صمت المجتمع الدولي عن ذلك؛ مما يعني القبول والرضا بكونهم شهودًا على انحطاط الفكر وهدم موازين العدل في تشويه خطير للفطرة الإنسانية السليمة، التي أودعها الله في خلقه حين خلقهم، ولن يكون ذلك طبيعيًّا إلا عندما ترعى الذئاب الغنم.
هل يخفى عن العارفين ببواطن الأمور من أهل السياسة في أوطاننا أنه لا سلام مع الكيان الصهيوني في أي زمن من أزمان الدنيا ولا بأي حال من الأحوال؟!، طالما أن جينات الجنس البشري اليهودي لم تتغير أو تتبدل، وهذا ليس تطرُّفًا من العرب أو تعطُّشًا لقتل وسفك دماء كما يدَّعون، ولكن لأن الصهاينة والأمريكان لا يؤمنون بقيام دولة فلسطينية مرةً أخرى، وما كان لهم أن يعطوا الكيان الصهيوني أرضًا يقيم عليها دولته ثم يعيدوها مرةً أخرى فلسطينية عربية.
وليس هذا من عندي- حاشا لله- لكنها خططهم التي أفصحوا عنها وما اقترفته أيديهم طوال العقود الماضية؛ من قتلٍ ونهبٍ وتخريبٍ، دون أي مراعاة لحرمة طفل أو امرأة؛ حتى يزرعوا هذا الكيان في القلب الإستراتيجي من ثلاث قارات، ومن ثم هيمنته على الثروات والثقافات، إنهم يهدِّدون السلام العالمي وليس العربي فحسب!.
ولا يفوتنا ما قاله "هنري كيسنجر"- صاحب إستراتيجية "خطوة.. خطوة" عن الإستراتيجية المستقبلية لإسرائيل-: "الأرض مقابل كسب الوقت"؛ في إشارةٍ لاستثمار الفرص المتاحة دون التورُّط في اتفاقيات سلام نهائي، ونص مقالته: "أليس التسويف مما يلبِّي مصالح إسرائيل على النحو الأفضل، ولو لمجرد أن العرب سوف يقبلون غدًا ما يرفضونه اليوم، ثم تكون مفاوضات جديدة..، وهكذا، فليس هناك ما يروِّع إسرائيل كي تردَّ الحق لأصحابه".
كيف لنا أن نتهكَّم من صواريخ القسام ونجعلها سببًا في شقاء الفلسطينيين برغم ما أحدثته من فزع للكيان الصهيوني، ونحن العرب لم نحمِهم من العدوان المتكرر عليهم أو نمدّهم بالمؤن والسلاح، ونتناسى مَن الذي أخرج الصهاينة مدحورين من قطاع غزة؟! أليست المقاومة المسلَّحة؟! أم مفاوضات قمم المنتجعات؟! بل كيف نتدخَّل لصالح الجاني في تقويضه لشرعية حماس المجني عليها، رغم تنازلاتها بتشكيل حكومة وطنية تشارك فيها فتح، ونعتبر ما حدث في غزة انقلابًا على الشرعية، والكل يعلم حقائق الأمور، وخصوصًا القاهرة، وتعالت حماس عن نشر الفضائح والجرائم بحقِّها والشعب الفلسطيني من أجل المصلحة الوطنية والعربية.
هل يرضى العرب أن تتخلَّى حماس عن خيار المقاومة أم تتنازل عن الثوابت الوطنية في عودة كامل الأرض المحتلة وعودة اللاجئين والمقدسات؟! كيف نطالب حماس أن تحترم الاتفاقيات الدولية من طرفها فقط ولا نطالب- عفوًا.. لا نستطيع أن نطالب- الطرف الآخر باحترامها؟! أين العزة والكرامة؟! أين القومية والوطنية؟ أين أنتم يا عرب؟!!
إنه لا سبيل للخروج من هذا الوضع المتأزِّم إلا بعدم الرضوخ للضغوط الدولية ومن والاهم، وتعبئة كل الجهود من أجل تحرير فلسطين، وعلى العرب- وفي مقدمتهم مصر- أن يدركوا أن خيار المقاومة، وفي القلب منه حماس، هو السبيل لأمننا القومي، وأن خير من يحمي المعابر على الحدود المصرية القويّ الأمين وليس الخائن الضعيف.
وأخيرًا.. يجب أن تعيَ الأنظمة العربية مسئوليتها التاريخية أمام شعوبها، التي لن ترضى بجزءٍ محتلٍّ، ولن تُبقِيَ شبرًا للذلّ وإن طال الزمان.
------------