الصورة غير متاحة

 حلمي القاعود

غريب أمر هؤلاء النائحات النادبات من كُتَّاب السلطة، حين يرون "حماس" أخطر على مصر من الغزاةِ النازيين اليهود، الذين أذلونا وقهرونا واستباحونا.. لا أدري مَن الذي يُلقّنهم هذا السخف، أو هذا الهذر، أو هذا السفه الذي لا مسوّغ له، ولا ضرورة منه. صحافة التعري والسيراميك والخردة، رأت أن صواريخ "حماس" تهدد المدن المصرية! وصحافة لاظوغلي حمَّلت حماس كل خطايا البشر، ورأت في صواريخها التي يلعب بها الأطفال(!) سبب المجازر التي مارستها العصابة النازية اليهودية ضد الشعب الفلسطيني الأسير، أما صحافة اليسار المتأمرك، فقد أكدت أن "حماس" لا تفهم الفرق بين منطق الدولة وسلوك الجمعية الخيرية.

 

وأثبتت صحافة الارتزاق- دون دليل- أنه لولا التحالف الشيطاني بين حماس والإخوان المسلمين ما حدث الاقتحام التآمري على مصر، وفتح المعابر، ورفع العلم الفلسطيني في مدينة الشيخ زويد، ثم ألقت هذه بتبعية ما يمكن أن يحدث لمصر على حماس؛ لأن الدبّابات اليهودية تستطيع أن تصل إلى شاطئ قناة السويس، بعد ثلاث ساعات!.

 

في مقابل هذا النواح والتحريض، كان بعض كتّاب العدو ينصف الشعب الفلسطيني المظلوم، ويُلقي باللوم على قادة جيش الدفاع، والسلطة النازية اليهودية، ولعل فيما قاله "ناحوم برنباغ" المحلل الرئيسي في "يديعوت أحرونوت" (28/1/2008م)، خير مثال على ذلك، فقد أشار إلى أن حماس كسبت من الحصار بتعزيز مكانتها، وتأييد العالم العربي لها، كما ذكر أن ضباطًا قاتلوا في غزة في السنوات الأخيرة، ويعارضون بكل كيانهم طريق منظمات الإرهاب (يقصد المقاومة الفلسطينية)، ويصلّون للاستقرار والحياة العادية، لم يستمع أولمرت وباراك لنصائحهم بعدم حصار غزة. ثم قال ناحوم برنباغ: "بدل تجويع هؤلاء الناس، اسمحوا لهم بالعيش، بالعمل، بالنمو، بالتسويق، بالتصدير.. ليس الجوع هو الذي سيهزم حماس كما يقولون، بل العيش بكرامة".

 

برنباغ لا يقول هذا لوجه الله، وبسبب إنسانيته المفرطة، ولكنه يقوله من أجل هزيمة حماس، واستقرار الغزاة وتثبيت الاحتلال الآمن!.

 

ولكن أين هذا من كتابنا الأشاوس والنشامى، الذين يؤلبون الرأي العام ضد حماس، وأن صواريخها ستطال المدن المصرية؟!.

 

لقد نسى هؤلاء أن حماس لم تحارب أبدًا خارج فلسطين، ولم تؤذِ أحدًا خارج فلسطين، ولم تخطف طائرات، ولم تقم باغتيالاتٍ خارج حدود فلسطين، ولم تعمل لحساب أحدٍ من الأنظمة العربية المغوارة، ولم تتورط قيادتها الخارجية في سياسة أي بلدٍ عربي، لقد حافظت على استقلالها ومنهجها؛ مما دفع الشعب الفلسطيني إلى منحها الشرعية في انتخابات عام 2006م؛ حيث فازت بالأغلبية الكبيرة، وصارت لسان الشعب المظلوم، والمعبِّر عن رأيه، ولكن الشيطان الأكبر، والشيطان الأصغر، والحلفاء الصغار في العالم العربي، فضلاً عن قبيلة أبي مازن، رأوا أنه لا بد من القضاء على "حماس"، وتفريق دمها بين القبائل؛ لأنها ستقف حجر عثرة في طريق الاستسلام، والتفريط في القدس، وحق العودة للاجئين.. ومع أن "حماس" جاءت عن طريق الاختيار الشعبي الحر النزيه الذي لم تزوَّر فيه الانتخابات، أو يمارس فيه الموتى حق التصويت، فقد رفض "الديمقراطيون" في واشنطن وتل أبيب، وتبعهم غير الديمقراطيين في العواصم العربية، أن يكون لحماس وجود دولي أو إداري، وأخذ القوم في تحريك الدمى التي تأتمر بأوامرهم وتخضع لتوجيهاتهم، وراحت دولة "دحلانستان" تمارس التحرش، ثم العنف، ثم القتل، ثم تحريك آية الله "محمود رضا عباس ميرزا" رئيس سلطة الحكم الذاتي المحدود، ليقيل حكومة "حماس"، ويبدأ عملية الحصار، بمنع المرتبات عن الموظفين في غزة، والتابعين لحماس في الضفة، ثم يقبل بما فرضه العدو من عدم تحويل مستحقات الفلسطينيين، ورفض التعامل مع البنوك المحلية والدولية، وتشكيل حكومة انقلابية في رام الله موالية للعدوِّ، ثم يبارك الحصار النازي اليهودي لغزة، على النحو الذي انتهى بالإظلام والجوع في ظل القتل والذبح اليومي لأفراد حماس والشعب الفلسطيني؛ قصفًا بالطائرات أو الدبابات أو المدافع، أو عن طريق العملاء.

 

ثم نقض الاتفاقات التي وقعت في القاهرة ومكة المكرمة بين فتح وحماس، إمعانًا في الولاء للعدو النازي اليهودي، وإصرارًا على تدمير المقاومة قربانًا للصهاينة القتلة.

 

"حماس" ليست شيطانًا، وليست ملاكًا، ولكنهم بشر، صدقوا مع أنفسهم، وضحوا بأرواحهم في سبيل وطنهم السليب، وكان قادتهم: أحمد ياسين، الرنتيسي، الشقاقي، وولدا محمود الزهار، وغيرهم في مقدمة الشهداء الذين لقوا ربهم بعد أن ذبحهم الغزاة النازيون اليهود بالقصف الجوي والقنابل والرصاص، ووصل الأمر بمحمود الزهار، ألا يجد لولده الشهيد الأخير حفنة أسمنت يغلق بها قبره!.

 

حماس رأت أن طريق الشهادة هو الطريق الأوحد لتحرير فلسطين، وأن المفاوضات عبثٌ لا طائلَ من ورائه، وأقرب الأمثلة ما حدث عقب عودة المفاوضين الأشاوس من "أنابوليس"، فقد راح العدوّ يصبّ الهلاك على رجال "فتح" و"حماس" معًا، في الضفة، ويجتاح نابلس ورام الله، ويواصل الاستيطان في القدس العتيقة وغيرها، ولم يعطف الغزاة على السلطة المحدودة، ورئيسها المدلّه بحبهم، ولو بإزالة حاجز واحد من عشرات الحواجز التي تفصل كل قرية عن أختها، وكل مدينة عن نظيرتها.

 

بينما استطاعت حماس على مدى خمسة عشر عامًا أو يزيد قليلاً، أن تُصلي العدوَّ نارًا بعملياتها الاستشهادية، وقتالها المستمر، وأن ترغمه على الجلاء عن غزّة، وإخلاء المستوطنات وتدميرها، وينسحب خلف خط الحدود، ولو أن العرب- سامحهم الله- عاونوا "حماس" بعدها، لكانت الحال غير الحال؛ ولكنهم للأسف شاركوا في إيذاء حماس، والموافقة الضمنية على حصار شعب غزة وتجويعه!

 

وحين فعل التجويع فعله في الشعب المظلوم، لم يجد أمامه غير الشقيق الأكبر لينجده، ويغنيه من جوع، وكان الخروج العفوي الذي أطاح بالخرافة النازية اليهودية، وقدرتها الخارقة، وأثبت أصالة الشعب المصري التي أكدها رئيس الدولة بأنه لن يسمح بتجويع الشعب الفلسطيني، ومع ذلك فإن الأبواق المأجورة أهالت التراب على هذه الأصالة، وعلى تأكيدها معًا! وأساءت إلى الرئيس والشعب المصري وحماس، والشعب الفلسطيني جميعًا.
إن حماس بشر يصيبون ويخطئون، ومعالجة أخطائهم أمر هين وبسيط، ولكن تحويلهم إلى العدو الأكبر، والشيطان الأعظم، وتجاهل العدو الحقيقي وأتباعه، هو الجرم الكبير بكل المقاييس!.

 

يبقى بعدئذٍ أن نشير إلى أن فتح الحدود بين غزة ومصر، أثبت حقيقتين:

الأولى: هشاشة اتفاقية الصلح مع العدوّ النازي اليهودي، وأن الحدود المصرية يصعب تأمينها في ظل هذه الاتفاقية بوضعها الحالي؛ وأن سيناء معرضة للاجتياح النازي اليهودي- وليس صواريخ حماس- في أية لحظة يُقرّرها العدوّ مما يعني أن الأمن القومي في خطر!.

 

الأخرى: أن سيناء لما تزل بعيدةً عن دائرة الاهتمام الحكومي المصري، وبعد مرور ما يقرب من ثلاثين عامًا على الانسحاب النازي اليهودي، فما زال سكان سيناء أقل من مليون شخص، مع أن الوادي يكتظ بما يقرب من ثمانين مليونًا من البشر، يمكن- لو كانت هناك بعض الحوافز، مع شيء من التخطيط العلمي- تعميرها بعشرة ملايين مواطن يعملون وينتجون ويُعمّرون، وقد كتب كثير من الناس أفكارًا تصلح للتنفيذ، من أجل تأمين سيناء بالسكان، ولكن بلادنا حريصة على دعم وزارة الدعاية، والكرة، والثقافة السطحية والنشاطات الهامشية والأمن المركزي!.

 

ترى كيف سنحمي معبر رفح من احتلال اليهود والصليبيين الغزاة؟ وإذا كان الغزاة النازيون اليهود يحاصرون غزة، والشعب الفلسطيني كله، فمتى نحاصر الكيان الصهيوني القاتل؟ لعلنا نجد فرصة- إن شاء الله- في الأسبوع القادم!

----------------------

* drhelmyalqaud@yahoo.com