لا أعرف إن كانت الفرصة مواتيةً لكي نفكر في الشأن الفلسطيني ونقرأ أحداثه بطريقة أخرى أم لا‏,‏ لكني أعرف أن التفكير الانفعالي في السياسة يضر ولا ينفع.

‏(1)

‏عندي أربع كلمات في الموضوع‏:

الأولي أنني أستشعر غصَّةً كلما وجدت أن الصحف "الإسرائيلية" تحتفي بما حدث على الحدود المصرية‏,‏ وتحاول أن تعطي انطباعًا بأن مصر أصبحت تقف مع "إسرائيل" ضد الإرهاب الفلسطيني‏,‏ حتى بلغت بها البجاحة حدًّا دفعها إلى الإشادة بتصريحات وزير الخارجية أحمد أبو الغيط‏,‏ التي قال فيها إن مصر سوف تكسر رجل من يكسر حدودها‏,‏ معطيةً انطباعًا بأنه يقصد بذلك الفلسطينيين وحدهم‏,‏ ولا يشمل "الإسرائيليين"‏،  وهو انطباع يحتاج إلي بعض الجهد لتصحيحه‏,‏ من خلال قراءة تضع كل طرف في مكانه الطبيعي‏.‏

 

من أسف أن الانفعال الإعلامي الذي أطلق حالةً من الهرج تخلَّلتها مزايداتٌ عدة خلط الأوراق وضيَّع البوصلة‏؛ الأمر الذي كان صداه في إسرائيل على النحو الذي ذكرت.

 

لقد تعلمنا من دروس كثيرة أننا ينبغي أن نتوجَّس ونراجع أنفسنا حين نتلقى مديحًا من عدوٍّ لا يتمنَّى لنا خيرًا‏,‏ حتى شاعت عند جيلنا على الأقل مقولةٌ، خلاصتُها أنك تستطيع أن تطمئن وأن ترضى عن أدائك‏,‏ ما دام عدوُّك ينتقدك ويندِّد بك‏,‏ أما إذا رضي عنك فإن ذلك يعد إشارةً إلى أنك حِدتَّ عن الطريق المستقيم‏,‏ وأن ثمةَ شيئًا "غلط" يتطلب مراجعةً وتصويبًا.

 

من هذه الزاوية‏,‏ فإنني أزعم أن التعبئة الإعلامية الانفعالية في مصر بعثت بالرسالة الخطأ "للإسرائيليين"‏,‏ حتى تصوَّروا أن إغلاق الحدود هو بمثابة تعاون مصري معهم في فرض الحصار حول قطاع غزة‏,‏ في حين أن الموقف الذي أعلنه الرئيس مبارك واضح في أن مصر لن تسمح بتجويع الفلسطينيين.

 

بسبب من ذلك فإنني أزعم أن تصويب الانطباع الذي يحاول "الإسرائيليون" الترويج له- بل إنه واجب الوقت أيضًا- يكون بالتفكير الجادّ من جانب كلِّ مَن يعنيه الأمر في مصر في كيفية فكّ الحصار عن القطاع وإفشال عملية التجويع‏,‏ وللعلم فإن ذلك الحصار يعدُّ من الناحية القانونية جريمةَ حرب وإبادةً جماعية‏ً؛‏ لأن إسرائيل المحتلة للقطاع هي المسئولة عن سلامة أهله ورعايتهم غذائيًّا وصحيًّا وتعليميًّا‏,‏ حسب اتفاقية جنيف الرابعة، كما أن جريمة الإبادة حسب تعريف المادة السابقة‏ (فقرة ‏2)‏ من النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية تشمل تعمُّد فرض أحوال معيشية جائرة؛ من بينها الحرمان من الطعام والدواء.

 

‏(2)

‏الكلمة الثانية تدعو إلى تطهير الذاكرة مما جرى خلال الأيام العشرة التي أعقبت اقتحام الحدود في ‏23‏ يناير‏,‏ لم أتحدث عن نسيان أو غفران، ولكني تحدثت عن تطهير الذاكرة‏,‏ بمعنى تقصي حقيقة ما جرى بعيدًا عن التراشق والضجيج الإعلامي،‏ ذلك أنني تمنيت أن نتعامل مع ما حدث في ذلك اليوم بمنطق الأعذار وليس الإنكار‏، والاحتواء وليس الاستقواء‏,‏ وإذا كان الذين دخلوا عبر الحدود قد وصل عددهم إلى عدة مئات من الآلاف..‏ خمسة أو ستة أو سبعة‏.. فإن أي شخص سويّ لا بد أن يتصور أن بين هؤلاء أخيارًا وأشرارًا وصالحين وطالحين وعقلاء وحمقى‏,‏ ولا يخلو الأمر من اندساس عناصر لا تضمر خيرًا لمصر ولا للفلسطينيين.

 

لقد قيل كلام كثير عن مقاصد الذين عبَروا الحدود‏,‏ فتحدث وزير الخارجية المصري عن انفجار شعبي، وتحدثت بعض الأبواق الإعلامية عن مؤامرة‏,‏ كما قيل كلام آخر عن هوية الفلسطينيين الذين دخلوا‏,‏ وعن اعتداء أعداد منهم على قوات الأمن المصرية‏,‏ وتردَّدت أخبار أخرى عن تسلل بعض العناصر المسلحة.

 

ولوحظ في تلك الأخبار أنها أُذيعت عبر الصحف‏,‏ ولكن لم تصدر بها بيانات رسمية،‏ كما تحدثت تلك الأخبار الصحفية عن اتصالات هاتفية بين قيادات حماس في الخارج وقيادات الإخوان في الداخل‏,‏ ونسبت تصريحات إلى رموز قيادية في غزة، جرى بثها عبر بعض المواقع الإلكترونية‏,‏ وما أثار انتباهي أن قيادات حماس كذَّبت ما نُسِب إليها، ونفت مسئوليتَها عن التصرفات والممارسات السلبية التي وقعت على الحدود‏.

 

وبرغم أن تلك المرحلة تم تجاوزها الآن‏ إلا أنه لا ينبغي تجاهلها‏؛ ولذلك دعوت في أكثر من مقام ومناسبة إلى ضرورة تشكيل مجموعة عمل مستقلة من الطرفين لتقصِّي حقيقة ما حدث خلال تلك الفترة‏؛ بحيث يُدان أيُّ تصرف سلبي يثبت بحق حركة حماس‏,‏ ويحاسَب كلُّ مسئول عن خطئه‏,‏ وبغير التدقيق فيما جرى والتثبُّت من صحة الوقائع وهويّة المسئولين عنها‏,‏ فإننا سنظلُّ ندور في حلقة مفرغة‏,‏ ونتحدث عن شائعات وادعاءات ودسائس باعتبارها حقائق‏,‏ وتستفزُّنا تصرفات لا نعرف إن كانت عفويةً أو متعمَّدةً‏,‏ في هذه الحالة فإن الجرح لن يندمل‏؛‏ لأننا سنحاول إغلاقه على ما فيه من تقيُّحات ومرارات‏,‏ في حين أن استجلاء الحقائق وحده الذي يمكن أن يطهره أو يسمح له أن يندمل في أمان.

 

لقد تمنيت أن نتقصَّى حقيقة ما جرى في غزة في منتصف يونيو الماضي‏,‏ وهو ما وصفته رئاسة السلطة بأنه انقلاب‏,‏ وشاع ذلك الوصف في أغلب وسائل الإعلام‏,‏ في حين أن رئاسة الحكومة المنتخبة في غزة اعتبرته إجراءً حازمًا من جانبها لوقف تمرُّد الأجهزة الأمنية التي عملت طوال الوقت على شلِّ حركة الحكومة وإشاعة الفلتان الأمني في القطاع‏,‏ ولم يكن لا ضد رئاسة السلطة ولا ضد حركة فتح، لكن تلك الدعوة لم تجد أذنًا مصغيةً؛ الأمر الذي أوصل الأمور إلى ما وصلت إليه من شقاق.

 

‏(3)

‏الكلمة الثالثة تنصبُّ على الموقف العربي من الشقاق الفلسطيني؛‏ ذلك أننا لا نكاد نلمس جهدًا جادًّا لرأب ذلك الصدع الخطِر، صحيح أن ثمة دعواتٍ في ذلك الاتجاه أُطلقت من القاهرة والرياض‏,‏ واتصالات قامت بها القيادات اليمنية والقطرية والسودانية، لكن الأمر لم يتجاوز تلك الحدود‏,‏ وهو أمر مستغرَب؛ لأننا إذا قارنا ذلك الموقف العربي من هذه الأزمة بالجهد المضني الذي يبذله الأمين العام لجامعة الدول العربية للتوسط بين الفرقاء في بيروت‏،‏ فسنجد أن الأمر يمثِّل مفارقةً لافتةً للنظر ومثيرةً للدهشة‏؛ فالسيد عمرو موسى ذهب ثلاث مرات إلى هناك بتكليف من وزراء الخارجية العرب،‏ وفي كل مرة كان يمضي عدة أيام متنقلاً بين زعماء الطرفين آملاً في التوفيق بينهما‏,‏ مع ذلك فإننا لا نكاد نجد عُشْرَ معشار ذلك الجهد فيما يخص الشأن الفلسطيني، برغم التشابه الشديد بين الحالتين.

 

فالصراع هناك بين فريقين كل منهما له شرعيته؛‏ إذ له نوابه في المجلس التشريعي وتمثيله في الحكومة‏,‏ والتعارض بين الطرفين قائمٌ في الرؤية السياسية وفي المشروع الذي يتبنَّاه كل منهما‏,‏ وإذا كانت الأكثرية في البرلمان لفريق ‏14‏ آذار الذي يقوده سعد الحريري‏,‏ فالأكثرية في المجلس النيابي الفلسطيني لممثلي حركة حماس‏,‏ والقوى الدولية التي تتحرك في لبنان هي ذاتها التي تتحرك في فلسطين،‏ لكن الفرق الأساسي أن "إسرائيل" طرف مباشر في الملف الفلسطيني، في حين أنها طرف غير مباشر في الشأن اللبناني.

 

إن كوفي أنان الأمين العام السابق لأمم المتحدة يتوسط الآن في كينيا بين الرئيس كيباكي وزعيم المعارضة أو دينجا‏,‏ ويعرض تقاسم السلطة بينهما لإخراج البلد من أزمته‏,‏ وليبيا والكونجو تتوسطان الآن بين الرئيس التشادي المنتخب إدريس ديبي والجنرال محمد نوري زعيم حركة التمرد، وهناك من يتوسط بين حكومة الخرطوم وقادة التمرد في دارفور‏،‏ كما أن مبعوثًا دوليًّا أُرسل للتوسط بين حكومة العسكر في مينامار وبين زعيمة المعارضة هناك أوانج سو‏..‏ في كل هذه النزاعات والصراعات الداخلية لم يقف الجميع متفرِّجين‏,‏ وإنما تدخَّل الوسطاء وسعَوا إلى تقريب وجهات النظر للاتفاق على حلول وسط، باستثناء الأزمة بين حماس ورئاسة السلطة الفلسطينية،‏ التي تشبَّث فيها أبو مازن بموقفه الذي أراد أن يفرضه على الطرف الآخر‏,‏ بما يؤدي إلى إلغائه وطرده من الساحة السياسية‏,‏ من خلال شروط تعجيزية لا تصلح لإدارة أي حوار سياسي، وهو ما يطرح أكثر من سؤال حول دوافع ذلك الاستقواء‏، وأسباب الصمت العربي، والاكتفاء في المشهد الفلسطيني بموقف المتفرج والمراقب فقط.

 

‏(4)

‏الكلمة الرابعة والأخيرة تتعلق بالقراءة "الإسرائيلية" لما جرى في غزة‏,‏ التي عبَّرت عن درجة من القلق والذعر جديرة بالرصد والانتباه؛ ذلك أنهم أخذوا على محمل الجد الانفجار الشعبي في القطاع‏,‏ واعتبروه مقدمةً لتهديد إستراتيجي لهم‏؛ إذ كان السؤال الذي شغل دوائر التخطيط الإستراتيجي لديهم هو‏:‏ ماذا لو اتجه ذلك الطوفان من غزة شرقًا وشمالاً إلى شمال فلسطين‏,‏ خصوصًا أن‏80%‏ من سكان غزة البالغ عددهم مليونًا ونصف مليون نسمة هم من اللاجئين الذين طُردوا من جنوب فلسطين‏,‏ ولا يزالون يترقَّبون موعد العودة إلى ديارهم‏,‏ وهو ما يذكِّرنا بقول موشي ديان للمستوطنين في ناحال عوز على حدود القطاع‏,‏ حين زارهم في عام ‏1956:‏ إن بندقيتكم فقط هي التي تحميكم من أولئك اللاجئين الذين يتحيَّنون الفرصة الملائمة للقفز عبر الأسلاك الشائكة‏,‏ فلا تُسقطوا سلاحكم ولو للحظة، وهي ذات الملاحظة التي أبداها في عام ‏1967‏ ليفي أشكول رئيس الوزراء "الإسرائيلي" لإسحاق رابين رئيس الأركان آنذاك‏،‏ حين سأله ماذا تفعل إذا زحف علينا أولئك اللاجئون أفواجًا أفواجًا‏,‏ وكان رد رابين هو‏:‏ سنقتل مئات منهم وذلك كفيل برجوعهم.

 

هذه التساؤلات ردَّدتْها الكتابات "الإسرائيلية" أخيرًا‏,‏ فقد كتب إليكس فيشمان في يديعوت أحرنوت ‏(عدد‏1/27)‏ يقول‏:‏ ما حدث في غزة تطور تاريخي؛ إذ ما الذي يمنع حماس من أن تسيِّر آلاف الفلسطينيين نحو حدود "إسرائيل‏",‏ التي تحوَّلت إلي لاعب ثانوي في الوقت الراهن‏,‏ بعدما انفجر الدمَّل في رفح فجأة‏ً,‏ وخرج كل شيء عن السيطرة.

 

في نفس الوقت كتب زئيف تسحور في "يديعوت أحرنوت" قائلاً: الاقتحام التالي سيكون باتجاه "إسرائيل" في اليوم الذي ينفد فيه مخزون المياه بالقطاع ‏(لأنهم سرقوها‏)، وهم يعلمون أن مصادر المياه تقع خلف الجدار، وإذا ما حدث ذلك فإن كل مخزون السلاح لدي "إسرائيل" سيكون عديم القيمة أمام الكتلة الإنسانية التي تتحرك بتصميم من ينعدم لديه البديل.

 

تسيفي برئيل في هاآرتس ‏(1/27‏ أيضًا‏) كتب يقول: من اعتقد أنه يمكن توجيه الضربات حتى الثمالة لشعب بأكمله‏,‏ ومنع مقومات الحياة عنه بأمل إحداث عصيان مدني ضد حماس هو الذي فقد السيطرة على المعبر، لقد برهنت حماس على أن حكومة أولمرت وباراك مجرد أدوات خاوية..‏ وما حدث في غزة ليس مجرد اختراق للجدران‏,‏ وإنما هو تغير إستراتيجي جرَّد السياسة "الإسرائيلية" من ملابسها، فهل يساعدنا ذلك كله على أن نفكِّر في الأمر بطريقة أخرى؟!

--------

* (الأهرام) في 12/2/2008.