الحرج صار أكبر من الجريح الفلسطيني، وشرارات المحرقة باتت تتطاير في أنحاء العالم العربي، لا تستثني بلدًا، وبيانات الإدانة والشجب والتنديد بما يجري أصبحت شهادات تفضح العجز عند البعض والتواطؤ عند البعض الآخر، فضلاً عن أنها لم تعد تنطلي على أحد؛ ذلك أنه إذا كان بوسعك أن تفعل شيئًا ثم تكتفي ببيانات وتصريحات تحول الموقف إلى سياق في إجادة الإنشاء والتعبير، فذلك يحسب عليك وليس لك، وعند الحد الأدنى فذلك كلام لا ينبغي أن يحمل محمل البراءة.
خذ مثلاً الكلام الذي نشرته الصحف أمس على لسان المتحدِّث باسم الخارجية المصرية، الذي حذَّر من أن العمليات العسكرية التي تقوم بها "إسرائيل" ترفع مستوى التوتر، وأدان استمرار تلك العلميات، وأعرب عن الأسف.. هل هذا كل ما تستطيع أن تقوم به دولة بحجم مصر؟!.
إن التحذير والإدانة والإعراب عن الأسف تستطيع أن تقوم به أي دولة صديق في إفريقيا أو آسيا أو أمريكا اللاتينية، ولكن مصر يُتوقَّع منها أن تفعل شيئًا آخر، بل أشياء أخرى؛ فبوسعها أن تستدعيَ السفير "الإسرائيلي" في القاهرة لكي تبلغه باحتجاجها، وبوسعها أن تستدعيَ السفير المصري في تل أبيب للتشاور؛ بحيث لا يعود- إذا كان لا بد من العودة- إلا إذا توقفت العمليات العسكرية.
تستطيع أيضًا أن تفتح الحدود لاستقبال جرحى الغارات، وإمداد مستشفيات القطاع باحتياجاتها، تستطيع أن تبذل جهدًا لعقد القمة العربية المتعثِّرة في دمشق؛ بحيث يكون الموضوع الفلسطيني هو البند الوحيد على جدول الأعمال من المبادرة التي رفضتها "إسرائيل"، إلى المصالحة الوطنية الفلسطينية التي يتملَّص منها أبو مازن ويسعى لإفشالها، وصولاً إلى المحرقة التي أعلنتها "إسرائيل" وباشرتها بمذبحة غزة.
تستطيع مصر أيضًا أن تتبنَّى الموضوع في الجمعية العامة للأمم المتحدة ومجلس الأمن، وأن تسعى لاستصدار قرار لوقف عمليات الإبادة الحاصلة في القطاع... إلخ.
هذه مجرد نماذج لما يمكن لمصر أن تفعله إذا كانت راغبة حقًّا في أن تتخذ موقفًا حازمًا من الجريمة "الإسرائيلية" في غزة، أما أن تترك ذلك كله وتكتفي بالتحذير والإدانة والأسف، فذلك يعني أن الرغبة غير حقيقية، والموقف ليس حازمًا، وإنما نحن بصدد محاولةٍ لسد الخانة وستر العورة لا أكثر.
خذ أيضًا الكلام الذي نشرته الصحف المصرية أمس من دمشق على لسان السيد عمرو موسى الأمين العام لجامعة الدول العربية، الذي أدان فيه بشدة العمليات العسكرية "الإسرائيلية"، وانتقد بنفس الشدة ما يحدث في قطاع غزة، معتبرًا أنه يتعارض مع كل الأعراف الدولية، ويجب أن يُدان بأقسى العبارات.
إلى هنا والكلام عادي، ولا يختلف في شيء عما صدر عن الخارجية المصرية، لكنما استوقفني حقًّا في تصريحاته أنه استغرب الصمت العالمي المعيب الذي يعبِّر عن الانحياز الخطر، وأعرب عن دهشته لأن مجلس الأمن الدولي لم يُعقد ليبحث الوضع في غزة.
هذا كلام صحيح لا ريب، ويمكن أن يُقبل من المواطن عمرو موسى، لكن لا يجوز أن يصدر عن الأمين العام للجامعة العربية؛ لأن بيته من زجاج، وانتقاده للصمت العالمي الذي اعتبره معيبًا وانحيازًا خطرًا يمكن توجيهه بنفس القوة لصمت الدول العربية، بل إن ذلك الصمت إذا كان معيبًا في حق المجتمع الدولي الذي لا يفاجئنا انحيازه، فإنه يعد جريمةً في حق الدول العربية إذا فاجأتنا بأنها واقفة في نفس المربع.
أعرف أن السيد عمرو موسى مشغولٌ جدًّا بالملف اللبناني الذي يبدو أنه سيحدِّد مصير القمة العربية، وأخشى أن تكون شواغله بالموضوع أنسته أن الملف الفلسطيني شأن عربي أيضًا يستحق أن يُدرج ضمن أوجب موجبات عقد القمة.
وبالمناسبة.. هل يستطيع سيادته أن يدلنا على مصير قرار وزراء الخارجية العرب بكسْر الحصار على الفلسطينيين الذي صدر قبل 18 شهرًا، ثم اختفى ولم نعثر له على أثر؟! وهل لا يزال الحق في ذلك على الطليان أيضًا؟!
----------
* الدستور 3/3/2008