الحمد لله على نعمة الإسلام، والحمد لله على نعمة القرآن، والحمد لله أنه واحدٌ أحدٌ، لا شريك له ولا ولد، مما يجعل وجهة المؤمن محدَّدةً موحدةً، لا سبل فيها ولا تشويش، وأهل غزة باركهم الرحمن قد أزاحوا الركام من أول الطريق، فأصبح واضحًا، وليس علينا إلا المسير فيه، وسبحان الله جعل بيننا القرآن قائدًا ناطقًا بأفعال الرسول صلى الله عليه وسلم!!.

 

فمنذ ستين عامًا وأكثر يحاول الكفار أن يجعلونا كالدوابِّ المسخَّرة، ويمتطوها أينما شاءوا وأينما أرادوا، وليس علينا سوى الاستسلام وإظهار الذل والخضوع، ولا بد لنا أن نرحِّب بالذلِّ وكأنه وسامٌ، وأرادوا وأراد الله، ومكروا ومكر الله؛ حيث أخرج لهم من أرحام الطاهرات وظهور الأتقياء جيلاً من الشباب، تمسَّك بآدميته فوقف على رجليه، ومزَّق السياط، فحاولوا تكميم الأفواه، ولكن هيهات!! فقد انتفض الرجال والنساء، وكان هتافهم الأوحد: الله أكبر؛ فبارك الله فيهم، وقد حاول العدو كسر الانتفاضة بعد مائة يوم، فكسره الله والانتفاضة مستمرة، وهكذا المؤمن بالأنبياء الصالحين، وفي نهايته ينتظره صلى الله عليه وسلم مبتسم الثغر، مقدِّمًا له كأسًا من نهر الحياة، وقد حاول أحزابُ الكفر أن يوقفوا مسيرة المجاهدين بشتَّى الطرق والوسائل، ولكن المجاهدين لم يهتفوا لسلطةٍ، بل هتفوا لله.. فهي انتفاضة لله وقد كانت، وما زالت.

 

وأتذكر رؤيا رأيتها قبل الانتفاضة بيومٍ أو يومين؛ لقد رأيت في نومي بأرض الرباط ومعي مجموعة كبيرة من المسلمين والمسلمات، ومن باطن الأرض تخرج صواريخ للدفاع عنها، وهناك مَن أعلمنا أن هذه هي الملائكة، تجاهد في سبيل الله!! فوقفنا جميعًا في صعيدٍ واحدٍ ندعو الله أن يأذن لنا بالجهاد، فأتى صوت من السماء أن الله قد أذن لكم بالجهاد، وكانت بداية الانتفاضة، وهي أعظم بشرى سمعتها في حياتي.

 

إنَّ المجاهدين قد ذهبوا ورفضوا الظلم والخنوع، وبدأت الانتفاضة بحجر.. وماذا يفعل الحجر في عدوٍّ غادرٍ؟! ولكن الحجر كان يُلقَى باسم الله، فكان يدخل على قلوبهم قبل أجسادهم، فتتزلزل خوفًا وهلعًا.

 

كان الطفل الصغير يقف أمام دبابة العدوّ بحجر هاتفًا باسم الله، فكان يستحق أن يسجَّل في الذاكرة، وتتباهى به الأجيال، وتطوَّر الحجر، فأصبح صاروخًا مباركًا من السماء في يد مجاهد؛ فهو لا يستمدّ قوته إلا من خالق الكون سبحانه، وبدأت صواريخ بدائية، وتطورت بقدرة الله، وبذلوا فيها استطاعتهم، ولا يُكلِّف الله نفسًا إلا وسعها، والنصر بيديه هو، وهذا ما علمناه وخُبِّرناه على مدى العصور في غزوة بدر، وحتى في حطين كان صلاح الدين معه خمسة عشر ألف مجاهد، وكان عددُ الكفار ستين ألفًا، ونَصَرَ الله المسلمين؛ فالعبرة ليست في العتاد والأفراد بقدر ما هي في الهدف والشعار: ﴿كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ (249)﴾ (البقرة).

 

ويكفي هذه الصواريخ فخرًا أنها تُعرقل عبثية ما يدعونه "سلام"، وهو استسلام وقهر وذل وخنوع، إنَّ هذه الصواريخ المباركة قد أيقظت الشعوب الإسلامية من سباتها، ويا ويل الكافر إن أفاق الله المسلم من غفلته، نعلم أن طريق الجهاد يحتاج إلى رجال أشداء ونساء باذلات وسيمرون بابتلاءات وإلا ما قال الله فيهم: ﴿فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ (146)﴾ (آل عمران).

 

ويروي أخ كريم تجربةً شخصيةً مرَّ بها؛ حيث يقول: كنت أحث الشباب على الجهاد في سبيل الله، وأصبِّر كل مبتلى، حتى رأيت أشلاء طفلي الصغير، فشعرتُ بإحباطٍ شديد، وكادت أن تخذلني نفسي لولا أنَّ الله بفضله ذكَّرني بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (153)﴾ (البقرة).

 

فبحثت عن الصبر فافتقدته فهرعت إلى الصلاة وتمسكت بحبل الله وتوسلت إليه.. ﴿رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا﴾ (سورة البقرة)، فنزلت عليَّ سكينة وهدوء تعجبت لهما وحقًّا إن الأهوال والخطوب إن عصفت بنا بسبب طاعة لله، فالاستعانة بالله هي العاصم الوحيد من أهوالها، وكانت امرأة تقول كنت أتوقف كثيرًا عند قول الله: ﴿أُوْلَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ﴾ (البقرة: من الآية 157)، وكان يأخذني تفكيري ترى ما طعم هذه الصلوات وهذه الرحمة وكيف تكون على بشر حتى فقدتُ زوجي فرددت قول الله: ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ (البقرة: من الآية 156) على أمل أن استشعر كيف تكون هذه الصلوات الربانية وكيف تغفلني الرحمة منه سبحانه، وكانت النتيجة مبهرة طمأنينة نزلت على قلبي كنت أتعجب لها وسكينة ليست من صنعي ولا صنع بشر، ولكنها صنع خالق البشر، ومن كامل تفويضي وتوكلي على الله كنت أسأل نفسي هل حقًّا قد تقبَّل الله مني وأذاقني صلواته ورحمته تتأول قول الله ﴿الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (156) أُوْلَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُهْتَدُونَ (157)﴾ (سورة البقرة).

 

إن أهل غزة ومجاهدي العراق ومجاهدي الشيشان وأفغانستان وكل مجاهد لأن تكون كلمة الله هي العليا هو الآن يدور في طاحونة الزلزال التي دار فيها سابقوهم ليمحصنا الله ونستحق النصر.. قال تعال: ﴿الذين مَسَّتْهُمْ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا﴾، ونحن ما زلنا في البداية، وسيصل الأمر إلى أن نقول متى نصر الله وهو قريب منا؛ فقد بدأت بشائره برفض الحوار والاستسلام ومناداة الله أكبر، وننادي الشباب والفتيات في كل أرجاء العالم الذين تعاطفوا مع المجاهدين عجلوا لهم بالنصر بتوبتكم عمَّا يُغضب الله في كلِّ أفعالكم وأقوالكم بدءًا من برِّ الوالدين إلى عدم الخلوة بمحارمِ الله سبحانه، وأعدوا للأعداء قوتكم الإيمانية فأنتم لا بد ملاقوهم ولا يزلزل قلوبهم إلا إيمانكم وطاعتكم لله مع الأخذ بالأسباب التي سيُوفرها لكم سبحانه، الطريق اتضحت معالمه وقائدنا رسولنا وهي في قلب كل مؤمن وفي أفعاله والمهيمن علينا جميعًا كتاب الله، فهلموا إلى الطريق، هلموا مكبرين مسبحين مقدسين لله العظيم.

 

وللمجاهدين صبرًا فإن موعدكم الجنة، وصواريخكم، وإن لم تقتل صهيونيًّا، فقد قتلت شيطانًا في نفس مؤمنٍ فدبَّت فيه الحياةُ الإيمانيةُ بارك الله في سواعدكم، وأحكم خطتكم وسدد رميتكم وأوصلنا الله بكم، وأوصلكم بنا، ونسأله أن يهب لنا النصر أو الشهادة برحمته مقبلين غير مدبرين، وأن يثبتنا لحظة اللقاء لنبلوا فيه بلاءً يُبيِّض وجوهنا عند العرض عليه بعد أن يشفي غيظ قلوبنا من كلِّ كافرٍ غاصب.