- مشاهد التدخين في الإعلام تحث الأطفال على تجريبه
- الأبناء يقلِّدون الأب المدخِّن في سلوكه السلبي
تحقيق- سندس سليمان
22% من الأطفال من سن 10 إلى 16 سنة يدخِّنون، هذا ما تؤكده الدراسات في مصر، وحسب تقارير المكتب الإقليمي لمنظمة الصحة العالمية لإقليم شرق المتوسط بالقاهرة فإن هناك ما يقرب من 22% من الطلاب الذين تتراوح أعمارهم بين 13 إلى 15 سنة مدخنون؛ 4% منهم يدخنون السجائر و18% يدخنون أنواعًا أخرى و2% منهم يدخنون جميع أنواع التبغ.
وتُظهر دراسة أجرتها منظمة الصحة العالمية أن قرابة ربع المدخنين من الناشئة قد شرعوا بممارسة عادة التدخين مع سن العاشرة من العمر، وتبيَّن من الدراسة أن كثيرًا من هؤلاء الناشئة قد أبدوا الرغبة في الإقلاع عن التدخين، لكنهم لم يَلْقَوا أي دعم يُذكَر يشجعهم على ذلك.
وتوصلت منظمة الصحة العالمية إلى أن الأطفال يدركون مخاطر التدخين من خلال مجهودات التوعية في مدارسهم، لكنهم يخضعون في المقابل لتأثيرات ترغِّبهم في تدخين لفائف التبغ، من خلال الإعلانات التجارية التي تروّج لها، وكانت منظمة الصحة العالمية قد أعلنت مؤخرًا عن عزمها شنَّ حملة واسعة النطاق تستهدف شركات التبغ بسبب عدم اكتراثها بالصحة العامة.
ويؤكد الأطباء في بريطانيا أنه في المنازل التي يدخن فيها كلا الأبوين يزداد خطر إصابة الأطفال الصغار بأمراض تنفسية بنسبة 72%، وتقول دراسة حديثة إنه بقدر ارتفاع الكوتينين الموجودة في أجسام الأطفال تنخفض في المتوسط نتائج اختبارات القراءة والحساب والمنطق لديهم، حتى بعد أخذ مستويات التعليم والدخل لآبائهم في الاعتبار والكوتينين أحد الواسمات البيولوجية للتعرض للدخان السلبي.
وأظهرت دراسة أخرى أن التدخين حول الأطفال يمكِّنهم من استنشاق ما يعادل 102 علبة سجائر حتى سن الخامسة!! لأن الرضَّع والأطفال المعرضين للتدخين ما زالوا في طور النمو الجسماني؛ لا سيما أنهم يتنفسون بمعدل أسرع؛ فالأطفال الذين يتعرضون دائمًا للتدخين يصابون بصفة مستمرة بمشاكل طبية قد تُدخلهم غرف العناية المركزة، ومعظم الحالات المرضية هي أمراض تنفسية وربو، والأطفال الرضع الذين يتعرضون لرائحة بقايا التبغ المحترق قد يتعرَّضون للموت الفجائي.
وأكدت الدراسة أن المراهقين أكثر عرضةً للإدمان بسبب النيكوتين؛ لأن أدمغتهم لا تزال في طور النمو، ويكتسبون عادة التدخين من المدرِّسين والزملاء الذين يدخِّنون، وتفيد دراسة بريطانية أن 40% من 332 طفلاً شملتهم هذه الدراسة، ظهر عليهم بعض مظاهر الإدمان بمجرد تجريب التدخين، و237 طفلاً استنشقوا الدخان فظهر عليهم مظاهر الإدمان.
ويعاني الأطفال الذين يتعرضون بصورة منتظمة لتدخين سلبي من عدد من الأمراض التي يعاني منها المدخنون، وتصل احتمالات إصابتهم بسرطان الرئة وأمراض القلب إلى نحو 25% من نسبة المدخنين الفعليين، فيما تصل احتمالات إصابتهم بالسكتة الدماغية إلى نحو 80%.
البنات أسرع إدمانًا
وتوصَّل الباحثون إلى أن البنات تدمن بسرعة أكبر من الأولاد؛ حيث أدمنَّ خلال ثلاثة أسابيع، بينما أدمن الذكور خلال ستة أشهر، وتضيف الدراسة: "إن النيكوتين له تأثير قوي في أدمغة الأطفال، وهو مخدر قوي يسبِّب الإدمان، ولا ينظر إليه حاليًا على أنه من المواد المخدرة الممنوعة أو المحظورة بسبب تغاضي الحكومات سعيًا وراء حصيلة الضرائب على التبغ؛ حيث يحقق دخلاً كبيرًا لها؛ لهذا فالأطفال يستخفُّون بخطورة النيكوتين لأنه غير ممنوع، ويعتبرونه ليس بخطورة المواد المخدرة الأخرى، وفي بعض الحالات يكفي تدخين سيجارة واحدة ليدمن الطفل.
ومن النتائج التي توصلت إليها دراسة حديثة أن إعلانات السجائر ومشاهد التدخين في الأفلام السينمائية، وعلى شاشات التليفزيون تضاعف فرص الأطفال في البدء في التدخين.
ومما قاله د. روبرت ويلمان كبير مؤلفي الدراسة بجامعة ماسشوستس للطب: "كل الأطفال في خطر نتيجة للإعلانات المساندة للتبغ؛ سواءٌ كان الغرض منها الترويج لمنتجات التبغ أو مجرد تصوير للتبغ في سياق فيلم أو إعلان على التلفزيون"، ويضيف ويلمان أن شركات التدخين طالما استهدفت الأطفال على مدار سنوات دون توقف، ولاحظ الباحثون أن التأثير النفسي للتعرض للتسويق والإعلام المساند للتبغ والتدخين يزيد من فرص البدء في التدخين ثلاث مرات.
وتضيف الدراسة أن مشاهدة أحد الممثلين المشهورين، وهو يدخن، قد يكون له تأثير نفسي أقوى بكثير من إعلانات السجائر؛ مما يضفي انطباعًا أقوى على سلوك الأطفال التدخيني؛ حيث يزيد من نسب تدخين الأطفال بحوالي 90%، وبشكل عام فإن حضور الأطفال في بيئة معرضة لإعلانات التبغ والصور الإيجابية للتدخين يزيد رغبتهم في البدء بالتدخين في المستقبل بنسبة أكبر بحوالي 50%.
خطورة المراهقة
د. محمد المهدي

يقول د. محمد المهدي أستاذ الأمراض النفسية بجامعة الأزهر إن تدخين الأطفال أخذ شكلاً واسعَ الانتشار وتسلَّل إلى الفئة العمرية التي تبدأ من 10 سنوات بعد أن كان يبدأ من 15 عامًا فما فوق هذه السن، ويعزو ذلك إلى عدة أسباب؛ أولها: التقليد؛ فالطفل الذي يرى مثله الأعلى يدخّن لا يستنكر هذا الفعل وتلحّ عليه رغبته في تجريبه، أما السبب الثاني فهو أن المراهقة مرحلة يصاب فيها الأطفال بالتوتر نتيجة الانتقال من مرحلة الطفولة إلى مرحلة الشباب، خاصةً في الفترة من 10 إلى 13 سنة؛ حيث يعتبر فيها المراهق أن التدخين من مظاهر الرجولة التي يلجأ إليها على سبيل التجريب؛ ولأن أعضاءه في مرحلة تكوين فإن النيكوتين يؤثر فيه بسرعة وبشدة، وبالتالي لا يستطيع الخروج من هذه الدائرة.
وأضاف أن القلق سمة أساسية في مرحلة المراهقة، والنيكوتين يتميز بآثاره الفعَّالة في تخدير الجهاز العصبي بشكل مؤقت، والمراهق عندما يتناول سيجارةً ويشعر بعدها بالراحة من القلق ولو لفترة قصيرة يتخيل أن السيجارة هي سبب التأثير الفعَّال؛ فتتكون لديه صورة إيجابية عن التدخين، وأوضح أن هناك أسبابًا أخرى لازدياد القلق عند المراهق؛ منها استنكار المجتمع تدخين الطفل الصغير فيتفنَّن الطفل في إخفاء كل التصرفات التي تكشف أنه مدخّن، وهذا يزيد من قلقه وتوتره، واستكمل الحديث قائلاً إن المراهق الفقير لا يجد النقود اللازمة له لشراء السجائر، ويحاول توفيرها بأي حال من الأحوال حتى لو كان السرقة، وهذا يزيد لديه الشعور بالقلق.
وعن السبب الثالث في انتشار التدخين يرى د. المهدي أن الإعلام يلعب دورًا كبيرًا، فالبطل في المسلسلات والأفلام يظهر بصورة شخص إيجابي محبوب؛ تراوده حل مشكلته أثناء تناوله لسيجارة، فيرسخ في ذهن الطفل الذي يشاهد التليفزيون أن التركيز مرتبط بالسيجارة، وكذلك الحال في إعلانات التليفزيون التي تضع بطل الإعلان في صورة مثالية يأمل المراهق في الوصول إليها ويحاول أن يتقمص شخصية البطل فيلجأ للسيجارة.
واستكمل د. المهدي موضحًا أن انشغال الأب والأم في العمل وعدم اهتمامهم بتربية الأولاد ومراقبة تصرفاتهم من العوامل التي تساعد على انفلات الأبناء إلى دائرة التدخين في هذه السن الصغيرة، وأكد أن التدليل الزائد من بعض الأسر لأولادها والذي يتمثِّل في إعطائها مصروفًا كبيرًا ينفقه الأولاد في هذه الأشياء.
وعلى الجانب الآخر وفي الأحياء الشعبية حيث الأسر الفقيرة المطحونة لتوفير لقمة العيش ويعاني أولاد هذه الطبقة من اختفاء عوامل الترفيه التي تخفف عنهم ضغوط الحياة فيرتمي الطفل في أحضان رفاق السوء ممن يتجمعون على النواصي ويدخنون في جماعات ويسخرون ممن لا يوافقهم، وبالتالي تنجرف قدماه من مجرد تجريب سيجارة واحدة؛ الأمر الذي يقوده إلى تجريب السجائر المحشوَّة.
وعن كيفية حماية الطفل من التدخين رأى د. المهدي أن اختيار جماعة الرفاق هو الأساس؛ فصلاحهم (جماعة الرفاق) ينعكس على الطفل والعكس صحيح، كما أن توفير القدوة الصالحة التي لا تدخن من أهم الأشياء الواجب مراعاتها لحماية الطفل من التدخين، وفي حالة تدخين القدوة (الأب، الأم) فإنه يصعب تقويم الابن المدخِّن والحل الوحيد يكون بالتحدث إلى الابن بطريقة ودية توضح له أضرار التدخين التي أودت بصحة هذا الإنسان للضعف والانهيار وأصبح أمامها عبدًا مسلوبَ الإرادة ولا يستطيع الانفلات منها، أما في حالة عدم تدخين الأب أو الابن فإن هذا يكون أسهل في تقويم الولد المدخّن.
سرطان الفم
وتحذر د. هبة شوقي طبيبة أسنان من أن التدخين أبرز مسببات سرطان اللثة نتيجة ارتفاع درجة الحرارة داخل الفم والتي بدورها تُحدث خللاً في خلايا الفم وتُسبب الأورام؛ حيث أفادت دراسة حديثة أن التدخين (السلبي والإيجابي) لهما نفس الأثر الضار؛ فالقطران الموجود في التبغ ويلتصق على أعناق الأسنان يؤدي إلى نمو ملايين الجراثيم التي تسبب تسوس أسنان الأطفال والذي يؤدي أحيانًا إلى عجز في السنة بسبب تآكل أعناق الأسنان ويؤدي إلى حدوث التهابات متقدمة في اللثة واصطباغها باللون الأسمر القاتم، وفي المراحل المتقدمة قد يؤدي إلى حدوث سرطانات مميتة؛ سواءٌ في اللثة أو اللسان أو الشفاه.
وتضيف أنه حسب تقرير منظمة الصحة العالمية فإن الدخان أهم عامل في حدوث سرطانات الفم، وتشقق اللسان وضعف حاسة التذوق فيه؛ لأن مشتقات التبغ تدمر نسيج اللثة وأربطة العظم الداعم للسن، ويؤدي ذلك إلى التهاب اللثة وانحسارها مما يزيد من احتمال الشعور بالألم والتحسس للأشياء الباردة والحارة، وأضافت أن التدخين يؤدي إلى تأخر التئام الجروح بعد خلع الأسنان أو بعد الجراحة، ويسبب رائحة الفم الكريهة.
قانون مع وقف التنفيذ
للتدخين آثار سلبية خطيرة
وحول قوانين منع التدخين يوضح حسن صالح المحامي بالاستئناف أن المادة 6 مكرر 3 من القانون رقم 52 لسنة 1981 والمعدَّل بالقانون 154 لسنة 2007 من القانون المصري، ومع ذلك فإن هذا القانون لا يتم تفعيله بسبب تخلي سلطة الضبط عن دورها في تنفيذ هذا القانون؛ حيث يملأ الدخان صالات المحاكم وقاعاتها ولا يهتم أحد بذلك.

ويضيف: أن المكان الوحيد الذي يتم الالتزام به بقانون منع التدخين هو "المترو"، وأرجع ذلك إلى أن سلطة الضبط فيه عالية، وتقوم بفرض غرامات مالية على المخالف للقانون، وأضاف أن العبرة ليست بالقانون نفسه ولكن الأهم من القانون هو تنفيذ القانون.
ويشير إلى أن نقابة الأطباء حاولت جاهدة بالتعاون مع بعض أعضاء مجلس الشعب المطالبة بإصدار قانون يمنع تدخين الأطفال ويُجرِّم من يبيع إليهم الدخان، وتمنع أصحاب المقاهي من استقبال أطفال دون سن المراهقة، والسماح لهم بالجلوس على طاولات المقهى، وطلب النارجيلة أو الشيشة، ولكن كلها محاولات أجهضت في مراحلها الأولى بتدخل من مافيا الدخان حفاظًا على مصالحهم المادية، ويدعو المجتمع إلى أن يتحلَّى بالمسئولية مهما كانت الأسباب حتى في غياب القوانين؛ للوقوف في وجه أي جهة تهدف لتدمير أطفالنا.
من الخبائث
وترى الداعية كريمة عبد الغني أن هناك الكثير من الأبحاث التي قام بها علماء مسلمون لفحص حقيقة الدخان، وما يترتب على شربه وتعاطيه وما يترتب على ذلك من حكم شرعي نتيجة لما يثبت من ضرره أو نفعه، حيث لم يرد في شأنه نص في القرآن أو السنة، وأصدرت دار الإفتاء المصرية فتوى بتحريمه فهو مضيعة للمال في غير حقه، وجاء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه "نهى عن كل مسكر ومفتر"، والمفتر هو كل مخدر للأعصاب؛ حيث يجد الذي يتعاطاه نشوةً ودورانًا في رأسه، هذا بالإضافة إلى ما يجده المدخن من تخثر وخَدَرٍ في أطرافه، وفي قوله تعالى ﴿وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمْ الْخَبَائِثَ﴾ (الأعراف: من الآية 157) إشارة واضحة إلى أن التدخين يأخذ حكمًا شرعيًّا؛ لإجماع الأطباء على ضرره بالصحة، وكل ما يتلف الجسم ويضر بالصحة فهو حرام؛ لقوله تعالى: ﴿وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ (البقرة: من الآية 195).
وأضافت أن الله عز وجل نهى عن التبذير وهو وضع الشيء في غير موضعه بقوله ﴿إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ﴾ (الإسراء: من الآية 27)، والطفل الذي ما زال يأخذ مصروفه من أهله وينفقه في الدخان لا شك أنه نواة لشخصية مفتقدة كل معاني الإسلام من تحمل المسئولية على عكس حال الأطفال في العهد النبوي؛ الذين كانوا يحملون همَّ الدعوة، رغم صغر سنهم، ويتبارون ويبكون ليكونوا أبطالاً؛ فمعاذ ومعوذ تسابقا ليقتلا أبا جهل بمجرد أنه يسب الرسول وهما ما زالا طفلين ولم يشهد العهد النبوي أية صورة من انحراف الأطفال.
فهناك معانٍ لا يعرفها أولادنا، ومنها أن التدخين من الخبائث، وأن الملائكة "تتأذى مما يتأذى منه بنو آدم"، وأن التدخين يعد عائقًا أمام دخول الإنسان المسجد، وأن نار الدخان لا بد أن يطفئوها بنور الإيمان. وأوضحت ضرورة تطبيق منظومة كاملة تتوفر فيها القدوة الحسنة من المربين والمصلحين وتوفير الصحبة الصالحة "الصاحب ساحب" مع تجديد حملات التوعية في المدارس وتنظيم زيارات إلى مستشفيات الصدر لرؤية نماذج عانت ويلات المرض بسبب التدخين، وعدم الاعتماد على الخطاب الديني وحده؛ لأن الحملات الجماعية في مثل هذه الأمور تأتي بنتائج أفضل، ويمكن الاستعانة بنشر صور كاريكاتيرية حول التدخين تنفِّر من التدخين وتبغِّضه إلى النفوس.