ما لي سوى روحي وباذل نفسه في حب من يهواه ليس بمسرف
فلئن رضيت بها فقد أسعفتني يا خيبة المسعى إذا لم تُسعفِ
ألح على قلبي بيتا ابن الفارض اللذان افتتح بهما قصيدته الفائية البديعة التي عَنْوَن لها المستشرق الإيطالي (جوزيبي سكاتلوين) في طبعته العالية للديوان (المعهد الفرنسي للآثار الشرقية بالقاهرة سنة 2004 م. ق 14/ 3- 4 ص 177) بعنوان: "قلبي يحدثني"، وأنا أحاول التأتي للقصيدة الطويلة (ترنيمة الغرباء) للشاعر عطية الويشي.
وهذان البيتان صالحان لا لأن يكونا مدخلاً لقراءة هذه القصيدة الديوان فحسب، بل لأن يكونا تلخيصًا وافيًا شعريًّا لما يرنو إليه الشاعر المعاصر، إن صح في مقام قراءة الشعر مذهب التلخيص.
يفتتح عطية الويشي قصيدته "الديوان" بنداء من سماها في تقديمه (صغيرتي فاطمة) في شكلٍ واحدٍ؛ هو: "يا فاطمة"، تكرر سبع مرات، وهو ما يؤذن أن يُنظر إلى هذه القصيدة (الديوان) وَفق مراحل سبع تعكس ما يشغل نفس الشاعر، مما يسمى بزمن تغني النفس.
واختيار هذا العَلَم (فاطمة) مع ما توافر عن صاحبته من معلومات الصغر المحفوف بشتى ذكريات البراءة، يوحي بروحٍ متفائلةٍ تسكن أوصال القصيدة، على الرغم مما يتبدَّى خلف الظاهر من تراكيبها من صور العذاب، والألم والمعاناة، والتعاسة والشقاء، والدموع والدماء.
وفاطمة عَلَمٌ شاع عند العرب في معجم أسمائهم؛ لما سكنه من روح ناهضة بحُلْم الإنجاب والتواصل، واستمرار الحياة، وبحُلْم قدرة الأم على رعاية وليدتها حتى تشبَّ وتعتمد على ساعدَيها في التقام اللقمة المُعينة على تغذية مادة الحياة.
ولشيءٍ من ذلك التفاؤل شاع أمر التسمية به إلى يوم الناس هذا، وهي فوق ذلك كله تجسيد للبراءة والعز والحميمية المتسربة في الوجدان الإسلامي من لدن فاطمة بنت النبي- صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم- وقرة عينه، وما تزال مشاهد قيام النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم لفاطمة، واستقباله لها بالبِشْر، وإجلاسها على تكرمته، ومداعباته لها.. عالقةً بالذاكرة المسلمة لا تفارقها، وهو بعض الأثر الإيجابي الذي لا يزال قارًّا في النفس المسلمة المعاصرة من جرَّاء تواتر العَلَم بسيرته العطرة.
كل ذلك يقفز إلى ذهن القارئ وهو يقرأ بدايات المطالع التالية المُفتَتحة بنداء الصغيرة البريئة الجميلة الرقيقة فاطمة.
يقول عطية الوشي:
- يا فاطمة
هيا دعي الآن الشموع
دعي الورود هنيهةً
وتمهلي! (ص9).
- يا فاطمة
يا حبة القلب المضرَّج بالجوى (ص10).
- يا فاطمة: لا تحزني
لا تحزني بنت الإباء (ص13).
- يا فاطمة
فضي يديك من الأماني الخادعات
صغيرتي! (ص16).
- يا فاطمة
يا قبسة الروح القدس
إني لمكروب تعس (ص20).
- يا فاطمة
قومي إليهم يا بنية
أننا صُبُرٌ
إذا حلَّ البلاء! (ص45).
- يا فاطمة
إن طيروا نعي
فلا تأسَي علي
بنيتي! (ص52).
في هذه النداءات السبعة تردد النظر إلى فاطمة لتكون الصغيرة التي آن أوان مصارحتها بحجم الآلام والمخاطر والتحديات التي تواجهها، وينبغي التنبيه لها، وهي مع ذلك لم تزل حبة القلب، ومادة الحياة، ومبعثَ الأمل القائم المأمول، وهي كذلك قبسة الروح الطهور التي لن ينالَ من طهرها شيءٌ، وفي هذا السياق يبصِّرها بطبيعة الطريق، وأن عليها ألا تنخدع بالأماني الخادعات، وأنها سليلة مجد عريق سارٍ في روحها؛ يفرض عليها التماسك والمنعة، مهما حلَّ بحاضرها من بلاء أو كروب!.
فاطمةٌ قادرة مع الزمن أن تستعيدَ مجدها، وتستبقيَ نُبْلها.. أليست هي بنت الإباء؟! وقبسة الروح القدس؟!، بما في هذه القبسة من نور الهداية، وطهر السماء.
ولم يشأ عطية الويشي أن يراوغ أو يؤخر الإعلان، عن مشغلته التي دعته إلى معاناة إبداع هذه القصيدة (الديوان)؛ وربما لم يشارك ذلك هربًا من اتهام شاع بالسلبية في مواجهة الأزمة المعاصرة حلَّ في كثيرٍ من الأعمال الأدبية في حقبة طويلة ممتدة من عمر الأدب المصري المعاصر، وربما لم يشأ ذلك هربًا من هواجس دلالية علقت باسم العَلَم (فاطمة) في بعض الأعمال الروائية المصرية المعاصرة التي جعلت منه مرادفًا للهزيمة والنكبة التي رُوِّج لها في أحيان كثيرة- ولم يزل- تضليلاً وخداعًا باسم النكسة.
من أجل ذلك ومن أجل غيره صرَّح الشاعر بشيءٍ من مراد القصيدة مما يمكن أن نسميَه التأسيس لثقافة الشهادة.
يقول في المرحلة الأولى من قصيدته (الديوان):
لا تخبري الأطفال
أن اليوم عيدٌ
لا تنزعي ثوب الحداد
عن البلاد
لطالما نمضي إلى غاياتنا
لا نهتدي الدرب السديد
عيدي هنالك
لم تعد دنياكمو
أملاً يراودني لأرجعَ من جديد
ومما يدعم فكرة مقاومة السلبية والتغيير بالطريقة المأمونة الكاسرة لمهانة الزمن الرديء الذي حلَّ بوادينا، وهو ما استقر في الوجدان الإسلامي في معادلةٍ مشهورةٍ من طرفين؛ هما: الجهاد المحقِّق للعزة، والشهادة القائدة إلى استدامة روح العلو في قوله:
تاقت إلى عبق الجنان جوانحي
وتطلعت روحي إلى
أكناف مولاي المجيد.
ولعل في روي الدال المقيد الذي بنى عليه الشاعر قوافيَ بعض أسطر هذا المقطع الشعري الأول من القصيدة ما يذكِّر بالفاصلة القرآنية البديعة التي جاءت في سورة البروج، بما تقصه علينا من قصة أصحاب الأخدود وما تعرضوا له من نقمة الناقمين لأنهم آمنوا بالله العزيز الحميد.
ولعل في القمة الإسماعية لصوت الدال باعتباره صوتًا انفجاريًّا مجهورًا جاء ليناسب حالة الشدة وارتفاع الأصوات الكامنة خلف حركة الشهيد وهو يسعى نحو شهادته.
وقد استعان الشاعر بوزن يعين على إطالة النفس في الحَكْي، وهو وزن بحر الكامل بتفاعليه (متفاعلن) التي يدخلها الخَبْن، أي تسكين المتحرك الثاني لتتحول إلى متفاعلن ليراوح بين الإسراع والتباطؤ، وبين الفرار عندما يقف أمام صغيرته خشية أن يضعف أو ينكسر أمام آلامها، وبين المكث عندما يقف أمام القدرة الإلهية، وما أعدته للشهيد، فيتحمل متلذِّذًا بالألق والنور، والظل الوارف، والطعام المحدود، والسكينة والراحة، ويدخل الشاعر إلى المقطع الثاني فيطيل الوقوف أمام تجليات مشهد الشهادة الذي جاء عابرًا في ختام المقطع الأول فيقول:
عفوًا فإني الآن لاح قبالتي
عرشٌ عليه
أرى الإله قد استوى
ألق ونور من ملاحته
استباني واحتوى
ويلوح ظلٌّ وارفٌ فيه القِرَى
فيه المثابة والسكينة والدوا
ويلوح حوض محمدٍ
ويداه تومئ للعطاشى أن هلمُّوا أمتي
ومع ارتفاع صوت الشهادة يرتفع تبعًا صوت الفقد، وتخيم على الأجواء روائح الرحيل والوداع الذي يجلب مع جلال الموقف وجلال الغاية حزنًا هو ألصق بطبيعة الإنسان عندما تضغط عليه أجواء الفقد، وهي هنا أعلى؛ لأن الراحل والمفتقد شيء نبيل ماجد، وأب حنون راحم، ومن أجل ذلك حلَّ مع بداية المقطع الثالث شيءٌ من المواساة والتخفيف على الصغيرة البريئة الجميلة، بشيءٍ من التذكير بحقائق الحياة التي لا يصح التغافل عنها، يقول:
يا فاطمة
لا تحزني
لا تنحني بنت الإباء
ولتعمري قلبًا
بأوراد الصبيحة والمساء
ما غصَّ حلقك يا صغيرة
إنه خوف الفناء
لا تأملي مثل الألى
طمعوا هناك في البقاء
أنى لهم
يا ويلهم
إذ جاءهم من فورهم
ذل كزخات البلاء؟!
يا ويحهم
يتمثلون الوهم أوثانًا لهم
يتكالبون على الهباء
وهو لا يتركها فقط تصحِّح نظرتها للموت باعتباره طريقًا مأنوسةً مأهولةً تكرِّم الأحياء، ولكنه يبصرها بأن الموت في سبيل الحق إحدى الحسنيين، ونحن ندرك جميعًا أن التذكير بمقام الحسنيين لا يظهر إلا في سياق الجهاد، وطلب إعلاء كلمة الحق، يقول الشاعر:
إنا لنا للحسنيين
فحيثما شاء الإله
فإننا طوعٌ
ثم يعود فيكثِّف في مقطع رابع قصيرٍ جدًّا إذا ما قورن بغيره من مقاطع القصيدة (الديوان)، موجِّهًا فاطمة إلى ضرورة التنبه إلى الأماني الخادعة؛ لأن السياق سياق الزمان لا يرضى بغير خطاب الشهادة، والصبر على طريقٍ طويلة ملأى بالآلام والأشواك وصنوف الابتلاءات، والافتراءات، يقول الشاعر:
يا فاطمة
فضِّي يديك من الأماني الخادعات
صغيرتي
إنا هنا مستضعفون لدى الورى
فلتجعلي للجمر كفًّا صابرًا
ولتصمدي للجائحات
فقد يطول بك السرى
وبأصل نخلتنا فعضِّي
إذ يناوشك البلاء
وإذ تغشِّيك الفِرَى
بل إنه يمتد باستثمار هذه النشوة الروحية التي ظهرت على خلفية حديث الاستضعاف والبلاء، وما تتطلبه من كفٍّ محدودة بالصبر وتصدٍّ وصمود لجوائح الزمان، وتلمُّس لطريق النجاة مع إطباق الظلام المستفاد من السرى الذي هو السير ليلاً، فيقول:
ولئن دعيت إلى لقاء العمر
يومًا مثلنا
فتهيَّئي
وترسَّمي بالجد
درب الأوفياء
إلى مقامك في الذرا
فإذا قضيت.. فقد نجوت
اليوم ينجو من يبيع
إذ الإله قد اشترى
وهنا يتجلى بعضٌ مما أوردناه من الاستفتاح ببيتَي ابن الفارض.. ألم يقل إن باذل نفسه في حب من يهواه ليس بمسرف، وأن منتهى الرضا قبول المحب بذا البذل، وإلا فيا خيبة المسعى إذا لم تسعف؟!.
والقارئ يحس أن إرادة الوضوح أضرَّت بخواتيم ذلك المقطع؛ ففي العبارة المسكونة بروح صوفية شفيفة وعميقة التي يقول فيها: "فإذا قضيتِ.. فقد نجوتِ" تكثيف يرقى رقيًّا عجيبًا بهذا المقطع من النص، لكن إرادة الإقناع في هذا المقام جرَّت الشاعر إلى الإطناب والتفسير في مقامٍ سعى الشعر فيه إلى ألا يبوح، لكن شيئًا من العذر يمكن أن يساق؛ إذ الطفلة صغيرة، والمقام مقام حشد لطاقات العقل والنفس في مواجهة أجواء الاستضعاف التي تحيط بنا.
وفي مقطع تالٍ تظهر الصورة الإنسانية التي اختفت حينًا بأثر النشوة الروحية التي غلَّفت نفسه فيما مرَّ من مقاطع القصيدة (الديوان)، فيرى الأطماع التي تحيط بفاطمة، وتتجلى أجواء الطهر التي تنحدر منها الصغيرة في مواجهة الكروب التي حلَّت من وراء رموز الفساد الكامنة خلف المغامر والمقامر والنجس.
يقول الشاعر:
يا فاطمة
يا قبسة الروح القدس
إني لمكروب تعس
شغلي عليك من المغامر
والمقامر والنجس
فرط الجمال رزية وبلية
ومطيَّة الأهوال في الزمن البَئِس
لكن هذه الروح سرعان ما تختفي لتعود أجواء الشهادة من جديد تفرض نفسها على جسد القصيدة؛ مما تتجلَّى معها كل ما سكن القصيدة في أولها وفي العَلَم الذي طالما ناداه الشاعر يقول:
فربما عبق الشهادة
قد ينبت بذرتي
وأصير زرعًا ذا براعم
في غصون باسقات
طلعها خبز الحياة لشيعتي
ألم يسبق أن قلت لكم أن العَلَم فاطمة مسكون بدلالات الامتداد والتواصل والإنجاب؟!.
ومع نهايات القصيدة يسيطر جوُّ الصبر على البلاء والشجاعة في مواجهة الأعداء المتلفعين بالباطل، وتسيطر على النص حالةٌ من استرواح معنى الشهادة الغالية.
يا فاطمة... إن طيروا نعيي
فلا تأسَي عليَّ
بنيتي
في خافقي لحنٌ شجي
نابض بالحسنيين
فأسرجي المصباح
من زيتونة الأمل المجيد
ولا يستطيع الشاعر إلا أن يبوحَ بمكنون فؤاده، بما رزح تحت وطأته.
هي فاطمة
من حولها حور
وأبرار
وجوقات النشيد
تشدو بألحان الشهادة
إن بدا في الأفق نورٌ
من سنا ذكرى الشهيد
ولعل هذا الذي نراه من إلحاح فكرة الشهادة طريقًا للنجاة يعكسه الظهور الطاغي لهذه المفردة المركزية مع ختام النص، يقول:
يا سجن أوطاني
إذا جنَّ الغروب
وتبدَّدت في الليل
سانحة الهروب
ورأيت وجهًا مستديرًا
في كمال البدر
يغشاه الشحوب
فإذا هو يومئ لي بمأمون الدروب
ويفك قيدي هامسًا
هذا سبيلك يا شهيد
هيا شهيد.. عاش الشهيد.
وعطية الويشي متذرع بمعجم زاخر أعان على تصوير قضيته الكبرى، قضية رسم طريق النجاة، وتحقيق العزة، واغتيال الاستضعاف، والعودة بالأمة إلى زمان مجدها وعراقتها ونبلها، ونستطيع أن نرصد مجموعة من ألفاظ حقول دلالية مختلفة متنوعة متعددة، لكنها سارت متوازنةً ومتداخلةً لخدمة غرض النص الأصيل كما يلي:
- معجم الشهادة: وفيه تتوارد الكلمات التالية: (الجنان، الألق، النور، الظل، السكينة، الشهيد، الشفاعة، الملائك، السماء، الحسنيان، الموت، القضاء، النجاة، الذرا، البشارة، الرضوان، الريحان، العبق، الشهادة).
- ومعجم الباطل: الذي فرض طريقًا للمواجهة، وفيه تتوارد لألفاظ التالية: (الحداد، ليل، بهيم، واجم، المضرَّج، حرّ، نقمة، حزن، غصص، ذل، بلاء، سموم، حماقة، غباء، العبيد، الخداع، الجمر، الجائحات، فِرَى، مكروب، تعس، مغامر، مقامر، نجس، الملمَّات، الرجس، الدهاء، الوغد، انحناء، الذئاب، خيبة، قهر، حرمان، نفي، لعنة، أثيم، ساحر، ثعابين، هباء، قوادة، إفك، افتراء، اجتراء، سجن، إثم، عدوان، ظلام).
- ومعجم الأمل: وهو أمر لازم تجسده الدعوة إلى الشهادة؛ باعتبارها طريق تحقيق النور، وفيه تتوارد الألفاظ التالية: (أمل، ألق، نور، الهناء، العيش الرغيد، الخلد، النجاة، البشارة، البراح، العرس، النشيد، الغناء، الإشراف، الفجر، الجديد، الأحلام، الرجاء، النصر، الحق، الندى، استراح، السعادة، النجاة، المجد، العتق، أسرجي، الصباح، شمس، زفاف).
فهذه الحقول الثلاثة توصل عطية الويشي إلى التعبير عن قضيته الكبرى، ليستقر عبرها جميعًا اليقين في إشراقة الفجر من جديد، بعد أن نقضيَ على صورة الاستضعاف والبلاء المتفشية بسلاح المقاومة والشهادة.
وقد استثمر الشاعر تقنية شائقة شهيرة في الشعر المعاصر تختصر الطريق في الدلالة على الأفكار، وهي ما تسمى باستدعاء الشخصيات التراثية، وطبيعي أن تكون مصادر هذه النماذج من التراث الإسلامي؛ ليناسب ذلك المصدرُ الغايةَ والدلالةَ التي تفرضها قراءة القصيدة؛ إذ الشهادة معنى إسلامي أصيل.
وقد جاءت استدعاءاته موظَّفةً لموضوع القصيدة (الديوان)، متناغمةً مع فكرة الشهادة التي ألحَّ عليها، فظهرت الشخصيات التالية:
أ- سمية- رضي الله عنها-: وهي من هي سبقًا في هذا الميدان، يقول:
كي تلحقي في الخالدات
بأم عمار التي
يومًا من الأيام
قد وقفت هنا
ب- ياسر- رضي الله عنه- زوجها: يقول الشاعر:
فإذا منادٍ بالبشارة
في البراح يزفها
هذا رفيقك يا سمية
ياسر فلتهنئي.
وفي المقابل وظَّف الشاعر شخصيات أخرى استدعاها ليصوِّر الباطل، فلجأ إلى نماذج استقرَّت رموزًا للباطل، والاستعلاء الكاذب، من مثل:
أ- فرعون.
ب- السحرة: يقول الشاعر:
لو أن سامرهم وعى
أن الثعابين التي ألقى بها
يومًا تعود أدراج الهباء
لو أنه ترك السجود لربه
الفرعون يومًا
وفي سبيل تدعيم فكرته لجأ الشاعر إلى تقنين التناص، أو التداخل أو الاقتباس؛ حيث ضفَّر قصيدته في بعض المواضع بنصوصٍ إسلاميةٍ شديدةِ الحضور في هذا السياق الشهادي، ومن أمثلة ذلك قوله: "إنا لنا للحسنيين"، الذي يستدعي عددًا ضخمًا من النصوص التراثية التي تظهر أن المجاهد عائد بإحدى الحسنيين؛ النصر أو الشهادة.
ومن مثل قوله:
وليس لي من دونه
في هذه الدنيا سند
أحد أحد.
الذي يستدعي الكلمة الشهيرة التي كان ينطق بها بلال في وجه معذبيه الذين كانوا يراودونه عن نفسه ليكفر.
ولقد سبق أن وقفنا وقفة قصيرة أمام الوزن الذي بنى عليه الشاعر قصيدة (الديوان) وحاولنا أن نفسِّر ذلك على طريقة الراحل الكريم الدكتور عبد الله الطيب- رحمه الله تعالى- في كتابه الجامع (المرشد إلى فهم أشعار العرب)، وهو بحر قادر على استيعاب محاولة الإقناع والقص وتذكر مجد الماضي، لطول تفاعيله التي تلائم الاسترسال والتذكُّر.
ونحن نَلْمح في أحيان قليلة نادرة ما يوحي بعصرية القصيدة، حيث تتبدَّى خلف بعض التعابير المعاصرة من مثل قوله: "وقد طغى ضرب البلاد على القفا"، وهي صورة شعرية دالة على المهانة والاستخزاء والاستضعاف، شاع أمرها في العصر الحديث، يدعمها من خلفها صورة القضبان التي امتدت خلال كل صفحة من (الديوان)، لتذكر بسجن الوطن الممتد.
وعلى الرغم من الروح الشاعرية التي سيطرت على القصيدة، ومن اللغة العالية التي شكَّلت جسم النص، فإن ثمة أخطاء وقعت بسبب التدافع الشعري إن صح التعبير، أو بسبب سطوة الإيقاع وتنامي التقدم نحو خدمةِ فكرةِ القصيدة، مثل: "فلتحذرين سهومهم"، وفي مثل: "كي تلهمين من اليقين الحق"، ووضاح أن ثبوت النون في هذين الموضوعين خطأ نحوي واضح، جلبه الفرار من انكسار الوزن.
ولكن يبقى أن نصَّ عطية الويشي استطاع بكثير من الشاعرية أن يدوِّن خيوط ملحمةٍ بطلها الشهيد الذي ترنو إليه الأمة، وترى فيه أملَها الحي القادر على استعادة المجد القديم!.
وفي ترنيمة الغرباء شكاية زمان لمن يرحم، وتجسيد مهانة استطال مدُّها، وفيها أيضًا بيانٌ لنهج مأنوسة مأهولة تضمن لسالكيها عزَّ الدهر، ومجده ونوره وفرصه، ألا وهو طريق الشهادة!.
وهو طريق مؤذن- بأول سلوكٍ له وانخراطٍ فيه- أن تطلع شمسنا حُبْلى بإشراق جديد؛ ولذا فقليل في هوى الأمجاد الجودُ بالنفس.
--------
* كلية الآداب- جامعة المنوفية- مصر