أنا مقبل على عمل مشروع (سوبر ماركت)، وسؤالي حول البضاعة الأمريكية والدنماركية (المقاطعة)، وهل يحل لي أن أعمل بها أو لا؟
* يجيب عن هذا السؤال فضيلة الشيخ سعد فضل- من علماء الأزهر الشريف:
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد..
نحن المسلمين في شرعنا لا نقتل المدنيِّين، ولا نحرص على قتلهم، ولا نروِّعهم، ونحن في مقاطعتنا لا نقاطع بطريقة أبي جهل، أو بطريقة بوش ومن تبعهم بإساءةٍ إلى يوم الدين، نحن لا نستخدم المقاطعة إلا لجلب مصلحةٍ هي أعلى من مصلحة أخرى أو لدفع ضرر هو أكبر من ضرر آخر.
نحن لا نستخدم المقاطعة في مصادرة ما لا يجوز أن نصادره؛ لا نجمِّد أرصدة أحد ولا نسطو على مال أحد.
والمقاطعة بالضوابط الشرعية تعني أنه إذا عُرضت عليَّ سلعة مسلمة أو وطنية وأخرى من دولةٍ تُعلن العداء السافر لنا؛ أخذتُ السلعة الوطنية أو المسلمة لأقوِّيَ من اقتصاد بلادي وتجنَّبت السلعة الأخرى إضعافًا لاقتصاد دولة معادية، أما إذا كانت الدولة معاهدةً أو غير محاربة جاز الشراء منها، وإن كان الأفضل أن ننفع المسلمين.
المقاطعة بالضوابط الشرعية تعني أنني فقط قاطعت الشراء، لكن ما زالت السلعة سلعته ما صادرتُها وما أتلفتُها، لكن فقط قاطعتُها، ونسوق هنا موقفًا لرسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم في المدينة المنورة بعد الهجرة؛ كان صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم يعلم أنه سيحاصَر يومًا ما في المدينة وستجتمع عليه قريش وحلفاؤها من القبائل العربية وسيغدر اليهود كعادتهم، ماذا فعل الرسول صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم؟
لقد جهَّز نفسه لهذا اليوم؛ فأمَّن الماء بشراء بئر رومة، وأنشأ السوق الإسلامي بديلاً عن السوق الأجنبي، وقاطعوا بذلك سوق بني قينقاع اليهودي، وشجع النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم التجَّار والزرَّاع والصنَّاع على العمل حتى يكفوا حاجة المدينة.
ولا مجال هنا للقول بأن تجار اليهود قد أُوذوا؛ فإن التجارة عرض وطلب، والمشتري مُخيَّر بإرادته أن يشتريَ ممن يشاء، والرسول صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم لم يصادر بئر رومة ولم يصادر سوق بني قينقاع، بل اشترى البئر بالمال وأقام السوق البديل، والناس جميعًا مخيَّرون.
فبالنسبة لليهود: لا يجوز التعامل معهم بحال من الأحوال؛ لأنهم جميعًا عسكريون محاربون للإسلام وأهله؛ احتلوا أرضنا، وداسوا مقدساتنا، واعتدوا على حرماتنا، وما زالوا يمارسون اعتداءاتهم ليل نهار، وفي شأنهم قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَنْهَاكُمْ اللهُ عَنْ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الظَّالِمُونَ﴾ (الممتحنة: 9)، ويقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم: "قاتلوا الكفار بأيديكم وأموالكم وألسنتكم".
ونحن لا نملك الجهاد بالسلاح الآن، خاصةً أننا يُحال بيننا وبينه؛ فلم يبقَ معنا إلا سلاح المقاطعة، فوجب على المسلمين مقاطعة اليهود اقتصاديًّا وثقافيًّا وسياسيًّا، وكذلك المحاربون من أهل الكتاب كالأمريكان المعتدين والهندوس والدنماركيين والهولنديين وكل من حارب الإسلام أو أعان على حربه.
وبالنسبة للنصارى فإذا كانوا محاربين كما قلنا فهؤلاء يُقاطَعون، وأما من كانوا مسالمين غير محاربين فلا شيء في الاستيراد منهم والتصدير لهم؛ بشرط أن تكون التجارة فيما أحل الله لا فيما حرم؛ مصداقًا لقوله تعالى: ﴿لا يَنْهَاكُمْ اللهُ عَنْ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ (الممتحنة: 8).
والله تعالى أعلم.