قراءة في قصيدة: خديجة بنت خويلد (رضي الله عنها) للشاعر ياسر أنور
بقلم: د. خالد فهمي
لا يملك أحد إلا أن يسلم بأن السيدة خديجة أم المؤمنين هي أعظم من تجلَّى فيها رمز الأمومة على امتداد التاريخ، ولم تزل كل المخيلات عاجزةً عن أن تتمثل صورتها؛ لأنها أروع مِن كلِّ تخيُّل.
لست أحسب أحدًا لا يسلم لي عندما أقول إن دفء حنانها ما يزال متسربًا في جسد هذه الأمة إلى اليوم، وما يزال عطاؤها للإسلام شامخًا لا يقترب منه شيء آخر.
وقد التقط الشاعر ياسر أنور في لفتة موفقة وسعيدة جدًّا هذا الخيط فبنى قصيدته الطويلة:
رسالة إلى أمي.. خديجة بن خويلد) رضي الله عنها على تقنية استدعاء هذه الشخصية العملاقة، وهو بهذا التناصِّ معها صنع سفرًا عجيبًا خلال التاريخ، متجاوزًا إلى أروع حقبه وأعظم مراحله، وأحنى أيامه على هذه الأمة.
وإذا كان ياسر أنور يقف في اعتذاريته هذه مخاطبًا الأم خديجة ينطلق من نسبة حقيقية إليها فيما صنعه من وراء التركيب الإضافي (أمي)، فإنه اختفى فيما يعكس خجلاً على طول بنية القصيدة، يقول في ندائه لها:
يا أم معذرة أقر بغلطتي وأقر أني أسوأ الأحفاد
يا أم قد عقَّ البنون فمن معي يستلُّ بعض البر في الأولاد
ثم يعود فيناديها بعد حذف حرف النداء في تركيب إضافي وصفها بالعزيزة فيقول:
أمي العزيزة لم أخط رسالة من قبل إلا من دمي وفؤادي
أمي العزيزة أي عذر في فمي كذب وأعذاري دخان فسادي
هذا التأرجح بين الإضافة وعدمها دالٌّ على الخجل البادي في نفس المسلم المعاصر الذي شغلته الشواغل عن أمه.
وإذا كان المقام مقام ترضية لهذه الأم المعطاءة الحنون، يعكس إرادة عارمة للتوبة والرجوع إلى حضنها وإلى قيمها وإلى طريقها، فلا بد أن تعلن القصيدة الدخول إلى ظلال الندم والبكاء بين يديها، والاعتراف بالأخطاء في خطوةٍ لازمة مهمة نحو استحياء التاريخ الماجد، واستعادة النبل القديم.
وقد توزعت صور الندم، وتشكلت في لوحات متعددة بين ما هو خاص به، وبين ما هو عام فرطت فيه الأمة بأسرها.
يقول ياسر أنور في مدخل مؤثر جدًّا يصوِّر لوحات الفساد العامة:
إني أحبك رغم كل عوامل التضليل والتمويه والإفساد
إني أحبك رغم أي زوابع قد أعلنتها هيئة الأرصاد
إني أحبك رغم أن شوارعي ملغومة بعساكر القوَّاد
ويكثف الشاعر في رسم صور الفساد التي تقف خلفها الأنظمة الحاكمة قبل أن يفتش في صور الفساد التي سكنت نفوس الناس، وسقطت جاثيةً ذليلةً بسبب من الانهزام أمامها.
إني أحبك رغم أن شوارعي ملغومة بعساكر القوَّاد
كُثرٌ ولون الأفق في كل الفصو ل مدجج بملابس وسواد
من أين جاءوا والميادين اختفت كُثرٌ كسرب مواجعي وجراد
هذه الوجوه اعْتَدْتُ يوميًّا كما اعتادت معي اللقيا بغير ميعاد
هذه الوجوه برغم كثرتها ارتدت وجهين من شيمون أو جلعاد
وتقديم هذه الصورة التي اغتالت زمان خديجة رضي الله عنه، وتنكَّرت له ولقيمه ربما يُفهم من ورائه شيءٌ من تلمُّس الإعذار، واستحضار حالة يكون عائدها الترفق بالشاعر والرثاء له، والتعاطف مع محنته وأزمته.
ولعل في الكثرة المفرطة لاستعمال ضمائر المتكلم يعكس هذا الشعور الجارف بالخطر؛ ففي حدودٍ بلغت ست عشرة مرة استعمل ياسر أنور الضمير المنفصل (أنا) في واحدٍ من أشكال طلب التجارة الفردية أولاً، وهو ما يوحي بأننا أمام موقف مأزوم جدًّا، وأن دوام الابتعاد عن حضن خديجة رضي الله عنها مؤذن بموقف مُخْزٍ في الآخرة.. يقول:
أنا بخاريُّ الهوى وقواعدي في الجرح دون قواعد النقَّاد
أنا جئت عبر قصيدة منحوتة تحت الرصيف على يمين فؤادي
أنا عكس تيار الحداثة، ما كتبـ تُ قصيدةً إلا وفي أصفادي
أنا قادم للتوِّ من رئتي أُلَمْـ لم خطوتي وأخاف من جلادي
أنا جئت سيدتي وسيدةَ الورى من كل منفى يشتهي استبعادي
أنا لست أدري أي وجه أرتدي أنا مهرجان الظل والأضداد
أنا واقف في سفح أقنعتي أفتْـ تش عن يدي والتيهُ بالمرصاد
أنا كائن غيري خرافي الخُطى وأنا سأسعى الآن لاسترداد
أنا قد أتيت فزَمِّلي جسد النبي وأعلني بين الورى ميلادي
في هذه المواضع التي تناثرت في بيان القصيدة أكبر دليل على هذه الرغبة الجارفة في استنقاذ النفس وفي استعادتها من الضياع المحيط بها، وفي الحرص البالغ على تجديد الميلاد.
من رحم معاني النبوة وقيم الوحي في أولى تجلياتها يوم عاد النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم إلى السيدة خديجة رضي الله عنها كما وصفت هي وروت في حديث بدء الوحي الذي أخرجه البخاري، وهو بداية التجلي الأروع لمعنى الأمومة في نفس الأمة المسلمة مقرونًا بالسيدة خديجة، مستمدًا من عطائها رضي الله عنها.
في القصيدة تجاور عجيب لمفردات حقلين دلاليين شكَّلا معًا بنية المعجم الشعري فيها؛ أولهما لمفردات الواقع المحزن المخجل الذي يشهد لأزمة الإنسان المسلم المعاصر الذي كان نبيلاً في ماضيه، ثم هو تحوَّل ليكون مهينًا ذليلاً منكسرًا ضائعًا في حاضره.
في هذا الجانب من المعجم الشعري قائمةٌ قاتمة تبعث في النفس قدرًا لا حدود له من الضيق والمرارة، وهو موزَّع على فرعين: فرع عام وفرع خاص في حياة الشاعر/ الإنسان المسلم المعاصر الذي أسهم مع غيره في هذا السقوط المدوي.
في الفرع الأول يلفح وجوهنا الألفاظ التالية: (التضليل، التموين، الإفساد، حظر تجولي، أصفادي، جلادي، جواسيس الخلافة، العميلين: المخلص والقواد، المساحيق، تاكرًا، اللصوص، الحُسَّاد، أعداء).
وفي الفرع الثاني يخرج علينا الشاعر المسلم المعاصر بما يوحي بندمه عن أفعال الصغار التي أبعدته عن أمه؛ يعترف عن طريقها بما صرفه عن وجه السيدة خديجة رضي الله عنها النادي، وأول تحوُّل للطريق إعلان التوبة، وأول إعلان للتوبة بادٍ في إدراك المعصية والعزم على مفارقتها، في هذا الجانب تظهر المفردات التالية الدالة على إدراكٍ واعٍ بتفاهة الواقع الذي يغرق فيه الشاعر أو المسلم المعاصر: (سأخلع، سُهادي، شاشتها، اللب، تقشر، غلطتي، أسوأ الأحفاد، سفالتي، عرَّت، تفرنجت، فسادي، تفاهتي، تافه، سيجارتي، شرائط الفيديو).
وفي المقابل يقف معجم نبيل يقابل معجم التفاهة والفساد، وليعلن حجم الخسارة الفادحة التي حلَّت بالنفس المسلمة المعاصرة التي خاصمته زمانًا طويلاً، ويعلن أنه قد آن الأوان للعودة إلى هذا المعجم النبيل بأعلامه وألفاظه:
(بخاري الهوى- ربا بغداد- العذراء- الهدى- المآذن- مصطفاك- مصطفاي- ودادي- كلماتنا الفصحى).
وليس يصح أن يتصور أحدٌ أن ياسر أنور بهذه الاعتذارية وبهذه القصيدة التي تسترجع الزمان النبيل، يحاول أن يمرر قصيدته التي تجلت في الشكل الخليلي.. لا.
فياسر أنور وإن بنى قصيدته وفق إطار تقليدي فإن سمات المعاصرة لا تُحصى كثرةً ولا تُحصى جودةً.
فكثيرًا جدًّا من علامات القصيدة المعاصرة مبثوثة في جسم القصيدة التي بين أيدينا على مستوى المعجم الشعري، والفكرة، والتعابير، والتصوير؛ فالتراكيب والألفاظ التالية تعلن عن الزمان الذي تنتمي إليه هذه القصيدة.
النموذج: (هيئة الأرصاد، حظر تجولي، تيار الحداثة، أمام شاشتها، تقشر اللب، كوب زبادي، عطلة الأسبوع، مسدس، كل الفضائيات، المقاهي، الإستاد، شرائط الفيديو، سيجارتي، هذي المساحيق، هدف بمرمى).
وعلى الرغم من قلة الصور في بنية القصيدة الطويلة إلا أنك لا تشعر بهذا الغياب لتوافر تقنيات أخرى فنية بالغة الجودة أسهمت في الارتقاء بالقصيدة وفي تمكين الشاعر من التعبير عن قضيته الكبرى.
وقد كان التكرار الملحوظ تقنيةً بارزةً صنعت تكثيفًا مرادًا ومهمًّا رفع من الوزن النسبي للإحساس بالقضية مشغلة القصيدة.
وقد اتخذ هذا التكرار صورًا متعددة؛ كان من أهمها نمط الجملة الاسمية: مبتدأ + خبر (أنا + مفرد)، ومن أمثلته:
- أنا عكس تيار الحداثة ما كتبـ ت قصيدة إلا وفي أصفادي
- أنا واقف في سفح أقنعتي أفتـْ تش عن يدي والتيهُ بالمرصاد
- أنا آسف مثل السلام أصابعي ومسدس يا أمُّ دون زناد
- أنا تافه جدًّا أرشُّ تفاهتي بين المقاهي أو على الإستاد
- أنا تافه جدًّا وكل سعادتي هدف بمرمى عصبة الأوغاد
- أنا تافه جدًّا وتلك سيجارتي محشوة بمدينتي وعتادي
ومن الأنماط التي تكررت كذلك الجملة الاسمية التي مبتدؤها (أنا) وخبرها (جملة) في مثل قوله:
- أنا جئت عبر قصيدة منحوتة تحت الرصيف على يمين فؤادي
- أنا جئت سيدتي وسيدةَ الورى من كل منفى يشتهي استعبادي
- أنا قد أتيت فزمِّلي جسد النبي وأعلني بين الورى ميلادي
- أنا مرةً أخرى سأخلع من فمي أسنان ليلي كي أفي لسهادي
- أنا لم أكن متطرِّفًا إلا لها ولأجلها سأحب أو سأعادي
- أنا لست أدري أي وجه أرتدي أنا مهرجان الظل الأضداد
ومن الأنماط التي شغلت حيزًا كبيرًا كذلك نمط الجملة المنفية (ما + الفعل الماضي) يقول:
- ما عاد للجسد المشوه طاقة كي يستحم بزيفه المعتاد
ما عاد للوجه المموَّه طاقة أن يستعيد مع القناع حيادي
وكذلك اعتمد على تقنية النهي الذي يخفي من ورائه اعترافًا بحجم الأخطاء التي ارتكبها
المسلم المعاصر في مثل قوله:
- لا تسألي عن سيف جدي لم يعد إلا حروفًا في نشيد بلادي
لا تسألي عن سيف جدي واسألي كيف اشتهوا أن يطعنوا أجدادي
لا تسألي يا أمُّ عن أعدائنا كلُّ العدا صاروا هنا أسيادي
وهو في هذا الركون إلى تقنية التكرار التي اتخذت صورًا كثيرةً يسعى إلى ما يمكن أن نسميَه تحقيق صدق الاعتراف، وغسل النفس الضائعة من أوزارها بتكثيف التصدي وتركيز فضحها لتخلصيها مما علق بها.
وفي المرات القليلة التي لجأ فيها ياسر أنور إلى التصوير الفني جاء موفقًا متناغمًا مع بناء القصيدة ومن أمثلة ذلك:
- أنا هارب من هذه الأرض التي قد حنَّطت عمدًا صهيل جوادي
في عجز هذا البيت صورة بديعة تصوِّر حالة الهزيمة التي خاصمت الجهاد، واستبعدته من الثقافة المعاصرة في استعارةٍ جسَّدت غياب صهيل الخيل الذي كان يرمز إلى أجواء العزة السائرة في ركاب الخيل الذي هو قمة التجسد للخير.
وقد نشأ في قصيدة ياسر أنور اللجوء إلى تقنية التشبيه، وهو لجوء تفرضه طبيعة هيكل القصيدة القائم على السفَر بين عصر المجد في ظل السيدة خديجة وبين عصر الانكسار في ظل ما رصدته القصيدة من صور الضياع التي لفَّت المسلم المعاصر، تجد أمثلةً لهذا التشبيه في:
- من أين جاءوا والميادين اختفت كُثرٌ كسرب مواجعي وجراد
ففي هذا التشبيه تجسيد واضح لآلام الإنسان المعاصر بسبب تفشي علامات الاستبداد.
وكان اللجوء إلى استدعاء الشخصيات التراثية ملمحًا دالاً على عصرية القصيدة كذلك، وقد توزعت الشخصيات التراثية التي استدعاها ياسر أنور على مصدرين أساسيين؛ أحدهما: المصدر الإسلامي، وآخرهما المصدر الإنساني.
ففي جانب تقدير التاريخ النبيل الذي تنكرنا له وظَّفت القصيدةُ الشخصيات التالية لتحقق معانيَ الشجاعة والقوة والنبل والعفاف والعلم: (بخاري، عنتر العبسي، ابنة مالك، ميسرة، فاطمة، طارق بن زياد).
وعلى الجانب الآخر ظهرت شخصيات: (فرعون، شيمون، جلعاد) ليبرهن على قسوة الزمان المعاصر ومخاصمته للقيم الحضارية لأمتنا.
لقد شاع في الشعر المعاصر اللجوء إلى تقنية التناصّ، أو التداخل مع النصوص، وهو ما تجلى مع نصوص تراثية لها خطرها؛ وظَّفها ياسر أنور لإقناع متلقي قصيدته بقضيته الفكرية التي سيطرت على بنية نصه الشعري.
وقد كان نسبة التناصّ مع الذكر الحكيم لأمته للنظر تدعم فكرة الرحلة نحو مجد الأمة المرتبط بعصرها الزاهر وبكتابها المنير، ومن أمثلة ذلك:
أنا قد أتيت فزمِّلي جسد النبي وأعلني بين الورى ميلادي
فقد تداخل مع ما جاء في حديث بدء الوحي الذي أخرجه البخاري: "زملوني" ومع قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ﴾ (المزمل: 1).
ويقول:
لا تسألي عن رحلة الصيف التي قد تنتهي ببضاعةٍ وكساد
ففيه تداخل مع قوله تعالى: ﴿لإِيلافِ قُرَيْشٍ (1) إِيلافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ (2)﴾ (قريش).
ويقول:
تبت يدا من تعلمين وزوجه هي موجة أخرى من الأحقاد
فقيه تناص على قوله تعالى﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ (المسد: 1)، ﴿وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ﴾ (المسد: 4).
هذه كلها ملامح عصرية؛ تثبت انتماء قصيدة ياسر أنور لزماننا، وأنه لم يلجأ إلى البناء التقليدي هربًا أو عجْزًا، وإنما فعل ما فعل في لحظة آمن فيها بقدرة الشكل الخليلي للقصيدة العربية، وخصوبتها، وبرهن على هذه القدرة ودلل على هذه الخصوبة على الرغم مما وقع فيها من بعض الضرورات.
ولقد تفشَّى في الشعر العربي على امتداد تاريخه الطويل الوقوف أمام الأم رثاءً، وشعورًا بالفقد، وها هو ياسر أنور يغازل هذا الغرض العتيق والنبيل معًا.
فعل ذلك المتنبي عندما رثى جدته، ووجد في باديتها وقيمها البديل الذي يقدر على تجاوز مهانة الواقع وذلته.
لقد رأى ياسر أنور في المساحيق تضليلاً وزيفًا شوَّه وجهًا طالما أشع جماله وبهاؤه:
هذي المساحيق التي قد لوَّنت جلدي تشك مشاعري ووسادي
وهو ذات الذي انتقده المتنبي قديمًا عندما طمح إلى الجمال الفطري الذي غيَّبته مساحيق زمانه، يقول:
حسن الحضارة مجلوب بتطريةٍ وفي البداوة حسن غير مجلوب
لقد كانت تطرية المتنبي هي الصورة القديمة لمساحيق ياسر أنور.
خديجة في عمل ياسر أنور تبوح الآن بسرِّها الذي حاول أن يتستر خلف الهوى البخاري وخلف زينة الرقي التي تبدَّت خلف الزبرجد وخلف الخير الذي تدلى من نخل ربا بغداد، ونطق به صوت مآذن الهدى المترامية على خريطة القرى.
خديجة في قصيدة ياسر أنور تبوح الآن بهويتها خلف العفاف المجسَّد خلف الوشاح والنقاب، في منتديات الأمراء والعلماء والزهاد.
والسيدة خديجة في قصيدة ياسر أنور ستبوح بانتمائها من خلف المسبحة والأمجاد، والسيدة خديجة هي التاريخ الموصول من بدء نبوة الهادي سيد العباد، خديجة هي الأمة والتاريخ الماجد النبيل الذي علاه غبار الزمان الزائف في العصر الزائف، وقد آن أوان استعادته وتحكيم معاييره؛ فلأجلها سأحب أو سأعادي، هذا هو الوجه الذي اختفى، وهذا هو القمر الذي تبدَّى من وراء النور الذي سكن وجه خديجة، وهذا هو النهر الذي خُيِّل إلينا أن مجراه قد توقف، وهذا هو خيره يجري ينادي من يتعرض له، ويقبس من عطائه، ويغترف من حياته.
وربما دعم ذلك تواري مخاطبة خديجة باسمها على ما في ذلك من تلذذ الوليد بأمه وحنينه إليها، لصالح ندائها بالأم، والعلاقة الظاهرة بين الأم بكل جمالها وبين الأمة بكل جلالها لا تخفى على أحد؛ فعلى حين يقول في مرة نادرة:
هذي خديجة قد أعدت نبلها ما رأيكم فيها وفي الإعداد؟
نراه يناديها متوسلاً إليها عن طريق المفردة المحورية المهمة (أم) فيقول:
أمي العزيزة لم أخط رسالة من قبل إلا من دمي وفؤادي
يا أمُّ قد عق البنون فمن معي يستل بعض البر في الأولاد
يا أمُّ معذرةً أقر بغلطتي وأقر أني أسوأ الأحفاد
أمي العزيزة أي عذر في فمي كذب وأعذاري دخان فساد
لقد حاولت القصيدة ألا تبوح بسرها، لكن الهم كان بالغًا فلم يستطع أن يقاومه شيء لينفجر النص الذي حاول أن يختم على مكنونه قريبًا جدًّا من نهايته ليقول في ختام اعتذاريته:
صور الممثلة التي ملأت دمي وشرائط الفيديو وحفل النادي
كبريتها الجسدي أحرق أمة واستسلمت للموت كل بلادي
ما الذي طفا بالأمة وأظهرها هنا قريبًا من نهاية القصيدة؟
ها هو وجه القمر الذي اجتهد في التخفي فلم يستطع شيء أن يحول بيننا وبين بهائه يتبدى، خديجة هي الوطن وهي الأمة وهي كل المجد العريق الذي ينبغي أن يعود!
------
رسالة إلى أمي.. خديجة بنت خويلد
شعر: ياسر أنور
متواترٌ عنك الحديث وربما نسب الرواةُ المتنَ للآحاد
فأنا بخاريُّ الهوى وقواعدي في الجرح دون قواعد النقاد
وهناك متن ما رواه سوى دمي وبه شروط الضبط والإسناد
فعن البنفسج والزبرجد حدّثا عن نخلة قطنت ربا بغداد
عن عنتر العبسي وابنة مالك والأدهم والمجروح عن شداد
عن قيس ليلى حين قال قصيدة في الخيمة العذراء بالتوباد
عن كل هندسة المآذن في القرى عن كل فرد للهدى منقاد
وعن الوشاح عن النقاب عن الرؤى عن منتدى الأمراء والزهاد
إني أحبك رغم كل عوامل التضليل والتمويه والإفساد
إني أحبك رغم أي زوابع قد أعلنتها هيئة الأرصاد
إني أحبك رغم أن شوارعي ملغومة بعساكر القوَّاد
كُثُرٌ ولون الأفق في كل الفصو ل مدجج بملابس وسواد
من أين جاءوا؟ والميادين اختفت كُثُرٌ كسرب مواجعي وجراد
هذي الوجوه اعْتَدْتُ يوميًّا كما اعتادت معي اللقيا بلا ميعاد
ذي الوجوه برغم كثرتها ارتدت وجهين من شيمون أو جلعاد
وبرغم حظر تجولي في بلدتي وبرغم حمى البيت والأولاد
تدنو إليَّ برغم أني موقن من نومها تدنو برغم بُعادي
أنا جئت عبر قصيدة منحوتة تحت الرصيف على يمين فؤادي
حبر الحروف النار مهما أطفئت بالثلج شبَّت كي تكون مدادي
أنا عكس تيار الحداثة ما كتبـ تُ قصيدة إلا وفي أصفادي
كي لا يفرَّ الحرف من أقصى دمي وإلى فمي يحتال لاستشهادي
أنا قادم للتو من رئتي أُلِمْـ لِمُ خطوتي وأخاف من جلادي
فلدى جواسيس الخلافة قدرة كبرى لمعرفتي وكسر عنادي
أنا جئت سيدتي وسيدةَ الورى من كل منفى يشتهي استبعادي
عذرًا فتلك حقيبتي هربت معي ومعًا إذن جئنا بلا ميعاد
في الأفق تشتبك الخرائط كلها وأنا أقيس مع المدى أبعادي
أنا هارب من هذه الأرض التي قد حنَّطت عمدًا صهيل جوادي
بين العميلين اللذين قد استبا حا حرمتي: المخصي والقوَّاد
ما عاد للجسد المشوَّه طاقة كي يتسحم بزيفه المعتاد
ما عاد للوجه المموَّه طاقة أن يستعير مع القناع حيادي
أنا لست أدري أي وجه أرتدي أنا مهرجان الظل والأضداد
أنا واقف في سفح أقنعتي أُفَتْ تِشُ عن يدي والتيه بالمرصاد
هذي المساحيق التي قد لوَّنت جلدي تشك مشاعري وسادي
أنا كائن غيري خرافي الخطى وأنا سأسعى الآن لاستردادي
أنا قد أتيت فزمِّلي جسد النبي وأعلني بين الورى ميلادي
أمي العزيزة لم أخط رسالة من قبل إلا من دمي وفؤادي
يا أم قد عقَّ البنون فمن معي يستل بعض البر في الأولاد
أنا مرةً أخرى سأخلع من فمي أسنان ليلي كل أفي لسهادي
إني أحس بأن ثمَّ تآمرًا ووراءه فرعون ذو الأوتاد
وبأن ثمة خطةً سريةً ودمي تحركها رؤى وأيادي
سرق اللصوص التاج منك فربما هي عصبة كبرى من الحُسَّاد
في مكتبات النيل ألف مجلد عن غمزة الأنثى وعن صياد
عن سندريللا كي يغني باسمها طفلي الصغير ودمية الأعياد
من سندريلا كي يكون حذاؤها المنسي درسَ السادة النقاد؟
من شهرزاد وديكها ومليكها والسندباد وقصة المنطاد؟
قلبي مدين يا خديجة بالهدى وعليّ وحدي للديون سدادي
أنا لم أكن متطرفًا إلا لها ولأجلها سأحب أو سأعادي
ستبوح مسبحتي ولاسمك في فمي قزح الحروف ونبرة الأمجاد
ستبوح مسبحتي بوردك ها أنا رتبت لاسمك جدول الأوراد
هل عاد "ميسرة" الغلام فمن سيبتدئ الكلام عن النبي الهادي
فدعي التجارة تسترح في رحلها ودعي قريشًا وسط سوق الوادي
لا تسألي عن رحلة الصيف التي قد تنتهي ببضاعة وكساد
هيا اسألي عن مصطفاك ومصطفاي عن الذي هو سيد العُبَّاد
الغار ينتظر الطعام فجهِّزي خبز الليالي صرة للزاد
قولي لفاطمة المناديل التي فوق الحصيرة لم تنم لسهادي
قولي سيقتسم الزمان حروفنا ما بين حرف رائح أو غادي
ستعرِّش الأسماء في أسمائنا فاسم يُنادَى مرةً وينادي
هذي خديجة قد أعدَّت نبلها ما رأيكم فيها وفي الإعداد؟
والله أنت أحب كل الناس في قلب النبي وأنت كل ودادي
لكن أختي لم تزل سهرانة تحت اللحاف وزوجها في النادي
وأمام شاشتها تمارس دائمًا نفس الطقوس بدقة الأعداد
اللب في يدها تقشر ليلها حتى الصباح وفي المحيط الهادي
هي تشتكي من زوجها لما أبى أن يشتري للبنت كوب زبادي
هي تشتكي من زوجها لما رمى في وجهها السهران بعض رقاد
هي تشتكي من زوجها قد أفلست في عطلة الأسبوع دون حصاد
يا أمّ معذرة أقر بغلطتي وأقر أني أسوأ الأحفاد
من ألف عام لم تصلك رسائلي أنا كنت مشغولاً بحب سعاد
فهنا الفراغ يبيح كل سفالتي وأنا هنا أيضًا على استعداد
لا تسألي عن سيف جدي لم يعد إلا حروفًا في نشيد بلادي
لا تسألي عن سيف جدي واسألي كيف اشتهوا أن يطعنوا أجدادي
لا تسألي يا أمّ عن أعدائنا كل العدا صاروا هنا أسيادي
أنا آسف شل السلام أصابعي ومسدسي يا أمّ دون زناد
لا تسألي عن سيف جدل لم يعد إلا حصاني لعبة الأولاد
ولدي أجهزة بحجرة زوجتي هي في حياتي غايتي ومرادي
كل الفضائيات عرَّت نفسها وبلا حياء أعلنت إلحادي
وتَفَرْنَجَت حيطاننا وبناتنا واللافتات إلى الفرنج تنادي
نصبوا المشانق للصحابة بعدهم لم يَنْجُ حتى طارق ابن زياد
تبت يدا من تعلمين زوجه هي موجة أخرى من الأحقاد
كلماتنا الفصحى أرامل عندما صارت أبي "كخ" ثم حلت "دادي"
للضاد في لغتي مواسم عرسها ما عاد أي مواسم للضاد
من ألف عام قهوتي أنثى لها فنجان وقتي عاشق الأجساد
أمي العزيزة أي عذر في فمي كذب وأعذاري دخان فسادي
أنا تافه جدًّا أرش تفاهتي بين المقاهي أو على الإستاد
أنا تافه جدًّا وكل سعادتي هدف بمرمى عصبة الأوغاد
أنا تافه جدًّا وتلك سيجارتي محشوة بمدينتي وعتادي
كل الشوارع في فؤادي تحتسي شايَ النساء وبالرصيف حدادي
من ألف عام والحقائب في يدي لا شيء فيها غير بعض رماد
صور الممثلة التي ملأت دمي وشرائط الفيديو وحفل النادي
كِبْرِيتُهَا الجسديُّ أحرق أمةً استسلمت للموت كل بلادي
يا أمّ معذرة أقر بغلطتي وأقر أني أسوأ الأحفاد
--------
* كلية الآداب- جامعة المنوفية- مصر