الدكتور عبد العظيم المطعني من مواليد مايو 1931م بجزيرة المنصورية التابعة لمديرية أسوان، وحفظ القرآن الكريم في الكتاب، كعادة أهل ذلك العصر ودرس محو الأمية، وفي أثناء الزيارات التي كان يقوم بها علماء الأزهر والأوقاف يجوبون فيها أرجاء القطر المصري للتعليم والوعظ والإرشاد وجد الشيخ عطا محمد عطا في الطفل عبد العظيم نباهة وحبًّا للعلم؛ قلَّ أن يوجد لدى أقرانه، فنصحه بالالتحاق بالأزهر الشريف، وبالفعل سافر إلى القاهرة في الأربعينيات ولكن فاته امتحان القبول للتأخر في الوقت، فصمَّم على عدم العودة إلى القرية مرةً أخرى.

 

وبدأ الدراسة عن طريق جلسات الاستماع التي يقيمها العلماء ولكنهم لا يمتحنون من يستمع إليهم؛ فهي دراسة حرة، مما هيَّأ الطالب أكثر للدراسة والاستيعاب، فالتحق رسميًّا في العام التالي، وبدأ المشوار العلمي ليحصل على الابتدائية ثم الثانوية ثم الالتحاق بكلية اللغة العربية، وتبدأ رحلته العلمية.

 

بعد ذلك بدأ العمل في جريدة (الأهرام) ثم الإعداد للدراسات العليا والحصول على الماجستير عام 1968م، ثم الدكتوراه عام 1974م، ومنذ ذلك التاريخ قدم استقالته بالأهرام وعمل بالتدريس بالجامعة ليؤدي مهمته العلمية والفكرية حتى وفاته في 30/7/2008م.

 الصورة غير متاحة

د. عبد العظيم المطعني

 

وطوال هذه الفترة كتب في العديد من الصحف والمجلات، وشارك في تحرير مجلة (الدعوة) مع الأستاذ عمر التلمساني عليهما رحمة الله وكذلك صحف (النور) و(آفاق عربية) و(اللواء الإسلامي)، ولم يتوقف عطاؤه العلمي إلى جانب تخصصه، بل كتب وخاض كثيرًا من التخصصات الأخرى؛ مما جعله حلقةً في سلسلة العلماء الموسوعيين.

 

وكان رحمه الله لا يخشى في الحق لومة لائم، بل يخوض أعتى المعارك من أجل الحق والدفاع عنه، ولقد خاض معارك كثيرة مع العلمانيين والشيوعيين، فلم يلِن، وتصدَّى لبعض الأفكار المنحرفة التي جاءت من إسلاميين؛ مثل الدكتور عبد الصبور شاهين عند صدور كتاب "أبي آدم" وكذا الدكتور مصطفى محمود ومقالاته التي أنكر فيها الشفاعة، وكتب الدكتور مصطفى محمود في (الأهرام) وقتها أن أفضل ردٍّ على الكتاب كان للدكتور عبد العظيم المطعني الذي استعمل الحجة والبرهان في المناقشة.

 

بعد رحيل الدكتور المطعني سجَّل (إخوان أون لاين) شهادات زملائه ومن عايشه في الجامعة وكلية اللغة العربية:

 

متفانٍ في عمله

في البداية يتحدث الدكتور طه أبو كريشة نائب رئيس جامعة الأزهر وعميد كلية اللغة العربية الأسبق؛ فيقول: إن المغفور له الدكتور المطعني له مكانة عظيمة في قلوب الجميع من إخوانه وتلاميذه ومحبيه، وكان رحمه الله قدوةً في كل شيء، قدوةً في أداء عمله والتزامه بواجباته العلمية وتفانيه في أدائها على الوجه الأكمل الذي يُرضي الله  ويُرضي الواجب الذي التزم به والأمانة التي وضعت في عنقه؛ فكان رحمه الله يعدُّ دروسه إعدادًا جيدًا في علوم البلاغة، وبخاصة فيما يتصل بالإعجاز القرآني؛ حيث كانت له حاسةٌ إيمانيةٌ في إدراك ملامح الإعجاز البياني بالقرآن الكريم، وفي رسم وكتابة آيات وحروف وكلمات القرآن.

الصورة غير متاحة 

د. طه أبو كريشة

 

وكذلك فإنه قدوة حسنة طيبة في علاقاته الإنسانية التي كان يجملها التواضع الجمّ وبشاشة الوجه؛ حيث كان يصل إلى قلوب كل من يتصل به أو يتعامل معه من أقرب طريق، ومن هنا اكتسب المودة وهذه المنزلة العظيمة التي يحملها له كل من عرفه أو قرأ له أو استمع إليه.

 

ويضيف الدكتور طه أبو كريشة: إن الدكتور المطعني رحمه الله كان يتميز بالأداء الجيد الذي شهد له الجميع في الداخل والخارج؛ بحيث كان عنوانًا مشرفًا للعالِم الأزهري الذي يعتز بأزهريته وانتمائه لهذا الصرح العلمي العريق، كما أنه ظل خادمًا للعلم ومتفانيًا فيه إلى آخر يوم من عمره، على الرغم من ظروفه الصحية التي ألمَّت به في سنوات عمره الأخيرة.

 

ويقول: حقًّا كان نعم الأستاذ ونعم الزميل ونعم الصديق ونعم العالِم الذي يعتز بنفسه وكرامته التي لا تتناقض أبدًا مع تواضعه الجمّ وتفانيه في خدمة إخوانه ومعهده العلمي.

 

التصدي للعلمانيين

ويوضح الدكتور أبو كريشة جانبًا مهمًّا من حياة المطعني رحمه الله، وهو التصدي للعلمانيين الذين يتسلَّلون من خلال الأدب ليضربوا ثوابت الأمة؛ فيقول: هذا الجانب يمثل صفحةً ناصعةً في حياته؛ حيث كان يتصدى للأدباء الذين يتجاوزون في إبداعهم فيتناقضون مع الثوابت ومع ما لا يجب أن يكون من إجلال وتقدير لهذه الثوابت في الدين.

 

وربما كان أبرز الأمثلة على ذلك ما كتبه بشأن رواية نجيب محفوظ (أولاد حارتنا) وغيرها من أعمال أدبية تجاوز فيها كاتبوها مما يؤكد أن ثقافته كانت موسوعيةً ولم تكن محصورةً في التراث وإنما تجاوزتها إلى رؤيا شاملة للثقافة المعاصرة؛ فأخذ منها ما لا يتناقض مع التراث ولم يقف موقف الساكت أو المسالم لما يعارض هذا التراث؛ فانبرى بقلمه ليدافع بالحق عن الحق ويردَّ على شبهات الضالين المنحرفين؛ فرحمه الله رحمةً واسعةً وغفر له.

 

شخصية سمحة

ويقول الدكتور عبد المعطي بيومي أستاذ العقيدة والفلسفة بجامعة الأزهر وعضو مجمع البحوث الإسلامية إن الدكتور المطعني كان عالمًا من العلماء البارزين الذين يجاهدون من أجل الحفاظ على الدين واللغة العربية، ويدافعون عن الثقافة العربية والإسلامية ضد التحديات؛ سواء من الغزو الفكري الخارجي أو التهاون وتضييع اللغة العربية في الداخل، وقد اهتم بإنتاج المستشرقين وما فيها من ضلالات ولم يترك قلمه أو يعطّل فكره ولم يقف عند تخصصه اللغوي، بل انفتح على الثقافة العربية بشكل أوسع.

 الصورة غير متاحة

د. عبد المعطي بيومي

 

ويذكر الدكتور عبد المعطي بيومي دليلاً على سعة أفقه ورحابة صدره وتسامحه؛ فيقول: اختلفنا في مسألة فيها اجتهاد، وأغراه البعض لرفع قضية ضدي، فلما التقينا وكان ذلك في مكتب رئيس الجامعة وبدأنا في التحاور، فتفهَّم موقفي بسرعة عندما علم الحقيقة وبادر بالاعتذار، وكلَّف محاميه في نفس اليوم بسحب الدعوى، فكان رحمه الله أوَّابًا للحق بخلاف من يتمادون في الخصومة.

 

ولم يعرف عنه أنه صاحب شللية أو يداهن أو ينافق أحدًا في الجامعة؛ بل كان في تعاملاته مثالاً للمسلم الصادق مع نفسه، وإن فاته شيء من المناصب فهذا له لا عليه؛ لأن المناصب لا تقيم وزنًا في القلوب، وهو ما ناله من محبيه في العالم الإسلامي وليس مصر وحدها.

 

في معسكر المقاومة

 الصورة غير متاحة

د. عبد العظيم المطعني في أيامه الأخيرة

ويؤكد الدكتور عبد الشافي عبد اللطيف أستاذ التاريخ والحضارة بكلية اللغة العربية بجامعة الأزهر بالقاهرة أن الدكتور المطعني لم يغادر معسكر المقاومة ضد التغريب، بل ظل صامدًا في محرابه العلمي والأكاديمي متسلحًا بثقافة موسوعية في اللغة العربية والأدب والبلاغة والنقد والعلوم الشرعية الأخرى، وهو بهذا يذكِّرنا بالعلماء القدامى للأزهر الشريف، وظل في حالة استنفار كامل للدفاع عن اللغة العربية والثقافة الإسلامية ضد الهجمات الداخلية والخارجية، وهو يخوض ذلك كله متسلِّحًا أيضًا بالحجة واليقين، وليس اعتمادًا على الصوت العالي.

 

وأما أخلاقه وسلوكياته داخل الكلية والجامعة فكانت نموذجًا للعالم المتواضع مع زملائه وطلابه؛ يمارس عمله بجهد متواصل حتى سافر للتدريس في إحدى الجامعات السعودية، وعندما عاد عمل بكلية اللغة العربية بالمنصورة؛ فهو بحق عالم أزهري بمعنى الكلمة؛ لأنه قدوة صالحة في العمل والسلوك والدفاع عن الدين؛ مهما كلفه ذلك من أمور يحسبها البعض كثيرة، ولكنها لا تساوي شيئًا في نظر الزاهدين.

 

حضور قوي

ويضيف الدكتور حامد أبو أحمد عميد كلية اللغات والترجمة السابق بجامعة الأزهر أن الدكتور المطعني تميز بين أساتذة كلية اللغة العربية بحضوره على الساحة الثقافية؛ من خلال الكتابة في عدد من الصحف والمجلات في كثير من الموضوعات ولم يقتصر كغيره على الأمور الدينية فحسب، وكانت له نظرات مهمة وآراء جيدة في الثقافة بشكل عام، ودخل معارك فكرية رائعة خاضها بقوة ويقين؛ فهو مفكر إسلامي وليس مجرد كاتب أو أستاذ في الجامعة، وكانت أحاديثه الإذاعية على الرغم من كونها غالبًا في بلاغة القرآن والسنة؛ إلا أنها تدل على موسوعية ثقافته وعمقها.

 

فارس الأزهر

 الصورة غير متاحة

د. محمد عبد المنعم البري

أما الدكتور محمد عبد المنعم البري رئيس جبهة علماء الأزهر السابق والأستاذ بكلية الدعوة الإسلامية؛ فيقول لقد فقدنا في الأزهر الشريف فارسًا من فرسان الكلمة الصادقة؛ بيَّض الله وجهه يوم تبيض وجوه وتسود وجوه.

 

لقد ظل صامدًا في وجه التيارات الفكرية التغريبية برأي حصيف حر، وكان لا تأخذه في الحق لومة لائم، وظل نموذجًا عظيمًا حتى برَّأ الله ساحته، ونحسبه شهيدًا عند الله، ونسأل الله أن يحشرنا وإياه مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقًا، ونسأل الله أن يعوض الأمة خيرًا، ويربط على قلوبنا برباط الصبر لبعده وفراقه ويبارك في بصماته التي خلَّفها وآثاره العلمية وجهاده الفكري لنصرة دينه.. إنه على ما يشاء قدير.