الخطأ أن نختزل الأزمة الفلسطينية في الصراع بين رام الله وغزة, والخطيئة أن نتجاهل مسئوليتنا عما يجري وننفض أيدينا من الموضوع, ونتحول إلى مراقبين ومتفرجين.
طوال الأسبوع الماضي احتلت أحداث مخيم الشجاعية في غزة عناوين وصدارة الصحف العربية، وتصدَّى للتعليق على ما جرى عدد غير قليل من الكتَّاب؛ الذين منهم من ارتدى ثياب الوعَّاظ والناصحين, ومنهم من اختار دور الشتامين والجلاَّدين, وهؤلاء وهؤلاء لم يكونوا سوى أسرى الانفعال باللحظة التاريخية فحسب, وإنما انطلقوا أيضًا من وجهة نظر واحدة, قدمت لما جرى قراءةً إما منقوصةً أو مغلوطةً.
لقد حاولت خلال أسبوع الأحداث الأخيرة أن أتتبَّع ما حدث من مصادر خارج دائرة فتح وحماس؛ هي التي نبَّهتني إلى مدى التغليط والتحيُّز في نسبة كبيرة من المعلومات المتداولة في الإعلام العربي، هذه الاتصالات التي شملت مصادر في عمان ودمشق وبيروت، وفَّرت لي قراءةً مغايرةً للأحداث الأخيرة في غزة أوجز معالمها فيما يلي:
(1)
إن ما حدث في مخيم الشجاعية يعدُّ استكمالاً لعملية الحسْم التي وقعت في شهر يونيو من العام الماضي 2007م، وبالتالي فإن من شأنه بسط سيطرة الحكومة المقالة على القطاع، ويطوي صفحة جيوب التمرد على السلطة؛ ذلك أن ما سُمِّيَ بالمربع الأمني في داخل المخيم تحوَّل إلى مصدر لتحريك عوامل الفلتان, كما أصبح مأوى لأعداد من الهاربين من وجه العدالة.
إن ذلك المربع الأمني يسيطر عليه ويديره جناح فتح في عائلة حلس, التي يتوزع أفرادها على مختلف الفصائل الفلسطينية, خصوصًا حماس والجهاد والجبهة الشعبية وغيرها 150 من أبناء العائلة ضمن مقاتلي حماس، غير 20 شهيدًا سقطوا في مواجهة الاحتلال، وغير هؤلاء وهؤلاء، فلم تخل العائلة من فرع اشتغل بالتهديد والبلطجة وفرض الإتاوات على الجيران.
أبرز الفتحاويين في العائلة هو أحمد حلس, الذي أصبح قياديًّا في التنظيم, والذي كان قد رحَّب بالحسم الذي جرى في القطاع قبل أكثر من عام؛ ليس تعاطفًا معه, ولكن لأنه أطاح بخصمه اللدود محمد دحلان المسئول عن الأمن الوقائي, وبعد غياب الأخير عن المسرح, سعى أحمد حلس إلى قيادة المعارضة الفتحاوية المسلَّحة, وأصبحت المنطقة التي تقطنها أسرته في مخيم الشجاعية رمزًا لتحدي السلطة.
الأجهزة الأمنية في القطاع لم تكن بعيدةً عن المربع الأمني, ولكنها ظلَّت تتابع ما فيه, خلال العام الأخير بوجه أخص, وهناك تقارير رصدت السلاح الذي يكدَّس فيه والأموال التي يتلقَّاها وهذه التقارير أُرسلت إلى جهات في العالم العربي معنية بما يجري في غزة, وحذَّرت من أن استمرار ذلك الوضع قد يستدعي مواجهةً أخرى يفضّل تجنبها, لكن أحدًا من الوسطاء لم يتحرك إلا بعد أن وقعت الفأس في الرأس.
(2)
حين تم تفجير سيارة على الشاطئ كانت تقل أربعةً من قيادات كتائب عز الدين القسام الجناح العسكري لحركة حماس حدث أمران أثارا الشكوك والارتياب؛ الأمر الأول أن بيانًا صدر عما سمِّي بكتائب العودة, تتبنَّى العملية, في الوقت الذي احتفت بها بعض قيادات فتح في رام الله.
فقد ظهر على التليفزيون سمير المشهراوي نائب دحلان في الأمن الوقائي، وقال إنه تمنَّى أن يكون من بين ضحايا السيارة التي تم تفجيرها سعيد صيام وزير الداخلية في غزة وأحمد الجعبري قائد كتائب القسام؛ استُشهد أولاده الخمسة وزوج ابنته في عملية صهيونية, وصرَّح نبيل أبو ردينة الناطق الرسمي باسم الرئاسة الفلسطينية بأن حدوث تلك التفجيرات سيظل أمرًا طبيعيًّا طالما بقيت حماس في غزة, وأذاع تليفزيون السلطة في رام الله أناشيد الثورة وفي خلفيتها صور تفجير الشاطئ؛ الأمر الذي جاء دالاًّ على أن رام الله في الصورة, وليست بعيدة عنها.
الأمر الثاني المهم أن تحريات سلطة القطاع دلَّت على أن المسئولين أو المشتبهين في حادث التفجير احتموا بمربع حلس الأمني؛ فوجهت إليه رسالة طلبت تسليم40 شخصًا, وخضع الأمر لتفاوض أدى إلى حصر المطلوبين في سبعة أشخاص, بعضهم من خارج العائلة؛ فوافق حلس على أن يسلم سبعة من غير المطلوبين, وحين احتدم الجدل حول الموضوع أُطلقت نيران من المربع الأمني قتلت اثنين من جنود القوة التنفيذية التابعة للداخلية، وكانت تلك بداية المواجهة المسلَّحة التي استمرت 9 ساعات, وانتهت باقتحام المكان واقتياد المطلوبين.
المعركة أسفرت عن قتل 7 أشخاص؛ أربعة منهم من آل حلس، والجرحى تجاوز عددهم 150 شخصًا؛ بعضهم أصيب أثناء الاشتباك, وأغلبهم أصيبوا في أقدامهم بسبب إطلاق الصهاينة النار عليهم؛ لأنهم اقتربوا أكثر من اللازم من الحدود الصهيونية, وحين أصيب أحمد حلس, فإن ابنًا له اتصل بأحد عناصر حركة الجهاد لإسعافه, وأرسلت بالفعل سيارة إسعاف لنقله إلى مستشفى غزة, لكنه رفض نداء ابنه وفضَّل الاحتماء بالصهاينة.
أختم هذه النقطة بالتنبيه إلى مفارقة, خلاصتها أن صحفية صهيونية محترمة هي عميرة هاس, لاحظت منذ وقت مبكر أن ثمة تحيزًا في التغطية الإعلامية لما يجري في الأرض المحتلة, يلحُّ دائمًا على شيطنة ما يجري في غزة, وكتبت مقالاً بعنوان "لماذا يتجاهلون القمع ضد حماس في الضفة؟" (هاآرتس 19/9/2007م)؛ عدَّدت فيه قائمةً طويلةً من عمليات القمع والانتهاكات اليومية التي تحدث في الضفة, والتي يتجاهلها الإعلام لأسباب ليست بريئة بطبيعة الحال.
(3)
بين يدي شهادتان مهمتان في تشخيص الأزمة لاثنين من الشخصيات الوطنية الفلسطينية النزيهة والمحايدة والأقرب تاريخيًّا إلى فتح؛ هما الأستاذ بلال الحسن والدكتور سلمان أبو ستة؛ الأول نشرت له صحيفة (الشرق الأوسط) مقالاً في 13/7/2008م تحت عنوان: "ماذا يريد الرئيس محمود عباس؟", والثاني نشرت له صحيفة (الحياة) اللندنية في 12/7 مقالاً تحت عنوان: "البحث عن مرجعية واحدة للشعب الفلسطيني"؛ أهمية الشهادتين مستمدة من أنهما مشغولتان باحتشاد الصف الوطني الفلسطيني وتعزيز قوته لمواجهة العدو والتحدي الحقيقي المتمثل في الاحتلال الصهيوني.
في مقالته سجَّل بلال الحسن الملاحظات التالية:
إن الرئيس محمود عباس طرح مبادرةً للحوار الفلسطيني ثم ارتدَّ عليها؛ إذ استغرق إطلاق المبادرة بضع دقائق ولكن الارتداد عليها استغرق أيامًا وأسابيع, وكانت المبادرة مختصرةً وموجزةً, لكن الارتداد عليها تضمن اشتراطات واقتراحات أغرقتها في بحر الكلمات.
إن الرئيس الراحل ياسر عرفات منذ تسلّم قيادة المنظمة في عام 1969م ظل شغله الشاغل أن يضم إليه كل ألوان الطيف الفلسطيني، في حين أن الرئيس أبو مازن يعدُّ أول رئيس يرفض انضمام الناس إليه, بل إن الشروط التي يعلنها تعبِّر عن رغبة عميقة في التخلص من حركة حماس, وإخراجها تمامًا من العملية السياسية.
فضلاً عن أن ذلك مطلب يستحيل تحقيقه من الناحية العملية؛ فإن نتيجته تؤدي إلى حدوث انقسام حادّ في الساحة الفلسطينية؛ حيث ستوجد منظمة التحرير ذات اللون الواحد في جانب، وحركة حماس ذات الشعبية الأكيدة في جانب آخر، بالتالي يفتقد الشارع الفلسطيني منظمة التحرير كإطار يضم الجميع, ويفتقد صفتها كممثل شرعي, ووحيد للشعب الفلسطيني.
إنه إذا كانت هناك رغبة جادَّة لتحقيق الوحدة الوطنية وضمان شرعية تمثيل الشعب الفلسطيني مع احترام المتغيرات التي طرأت على وضعه الداخلي, فيتعيَّن على الرئيس أبو مازن ألا يضع شروطًا مسبقةً للحوار الوطني؛ لأنه رئيس الجميع؛ مؤيدين ومعارضين, وللرئاسة مسئوليات لا بد من تحملها ولو بمرارة.
المسألة المحورية في مقالة الدكتور سلمان أبو ستة, هي دعوته إلى توفير مرجعية واحدة للشعب الفلسطيني الذي يبلغ تعداده الآن 11 مليون نسمة؛ 30% فقط منهم في الأرض المحتلة، في حين أن 70% يعيشون خارج فلسطين, وصوتهم مغيب تمامًا في تقرير المصير الفلسطيني؛ ذلك أن نصف الشعب الفلسطيني وُلِدَ بعد اجتماع المجلس الوطني في الجزائر عام 1988م, ومنذ ذلك الحين تغيَّرت أمور كثيرة في الواقع الفلسطيني, لم يكن لها أي تعبير أو صدى في المجلس الوطني, الذي لم يجتمع منذ عشرين عامًا, وطوال هذه المدة لم تتوقف المؤتمرات الممثلة لشرائح الشعب الفلسطيني عن المطالبة بتمثيلها في المجلس, وبرغم الاتفاق في القاهرة عام 2005م بين كل الفصائل الجديدة والقديمة على آلية تنفِّذها اللجنة التحضيرية لانتخاب مجلس وطني جديد, إلا أن هناك تسويفًا متعمَّدًا وعراقيل توضع أمام العملية؛ لأن هناك فئاتٍ ممن احتكرت القرار الفلسطيني حريصةٌ على ألا تُدعى اللجنة التحضيرية, وألا يشكل المجلس الوطني من جديد بما يوفر مرجعيةً حقيقيةً للشعب الفلسطيني.
(4)
ثمة بُعدٌ يغيِّبه كثيرون ممن يوجِّهون إلى الفلسطينيين الوعظ والتقريع والتبكيت؛ يتمثَّل في تجاهل مسئولية الوضع العربي عما يحدث في الأرض المحتلة؛ ذلك أن الانهيار في الوضع الفلسطيني هو انعكاس لانهيار النظام العربي, حتى أزعم أن خرائط العالم العربي تتوزَّع بدورها بين معسكرين؛ أحدهما مع المقاومة غزة والثاني مع التسوية السلمية رام الله، الانقسام هو الانقسام، والتراشق قائم بين المعسكرين بدرجة أو أخرى, وكما لا توجد مرجعية واحدة للفلسطينيين كذلك لم تعد هناك مرجعية واحدة للعالم العربي, وإذا كان البعض هناك يراهن على واشنطن دون غيرها, فعندنا أيضًا من يراهن على واشنطن إلى أبعد مدى.
الأفدح والأخطر أن الرؤية الإستراتيجية في العالم العربي أصابها الخلل, حتى أصبحنا نسمع من بعض العواصم أن إيران هي العدو؛ في حين يصرخ آخرون بأن الكيان الصهيوني هو العدو.
إن العالم العربي عجز حتى الآن عن رفع الحصار عن الفلسطينيين, وبعض دوله مشاركة فيه, وقرار وزراء الخارجية العرب في شهر يوليو 2007م بكسر الحصار تبخَّر بعد 24 ساعة من صدوره, كذلك فإن العالم العربي فشل في إجراء مصالحة بين الفلسطينيين, وكل ما قيل في هذا الصدد كان كلامًا لم يحقق نتائج ملموسة؛ علمًا بأن الاتصالات بهذا الخصوص توقفت مؤخرًا ولا يُنتظر لها أن تُستأنف قبل شهرين على الأقل.
إن ممارسة النقد الذاتي للوضع العربي هي المقدمة الطبيعية لتصحيح الوضع الفلسطيني؛ لأننا لا نستطيع أن نضمن عافية أطراف الجسم طالما ظل القلب عليلاً أو معطوبًا.
-----------
* (الأهرام): 12/8/2008م.