يهل علينا الشهر الكريم بنفحاته، وتستعد النفس فيه للطاعات وفعل الخيرات، وإتقان الصلوات، والصوم الحقيقي عن الطعام والشراب والملذات، والكف عن آفات اللسان؛ ذلك الخطر الحقيقي الذي يهدد الصيام ويأكل الحسنات، وينتشر ضرره على الآخرين، فكيف نحفظ صيامنا من هذه الآفة الخطيرة، وكيف ننجو بألسنتنا عن السقوط في ذنوبٍ تمنعنا منحًا ربانية موسمية.. هذا ما حاولنا الوصول إليه في التحقيق التالي.
منة الله حسن (طالبة) تحكي لنا عن مشكلتها مع صديقاتها في الجامعة، وتقول إن الكلام بينهن لا يخرج عن الغيبة، رغم علمهنَّ أنها حرام إلا أن مجموعات البنات لا تخلو من هذه الحكايات التي تنال من سِيَر الناس والحديث عنهم، وتستكمل منة أنها حاولت مرة استوقافهن للحديث عمَّا يخصنا فقط فاتهمتها صديقاتها بأنها معقدة ومتشددة.
وترسم زينب عبد الرحمن (موظفة) صورةً لجلسات الموظفات في المصالح والشركات حتى في أيام رمضان المباركة، وتقول إن الغيبة وسيرة الناس تملأ المكتب، وما يؤلمها أكثر أن كلاًّ منهن تتحدث على الأخرى من خلفها، في حين أنها لا تنتقد تصرفاتها أمامها، وتضيف زينب: "أشفقتُ على صيامي في رمضان فطلبتُ نقلي من المكتب وذهبت إلى آخر، ولكن كانت صدمتي عندما وجدته أسوأ من مكتبي القديم حتى زملائي الرجال يشتركون في هذه الأحاديث".
وتقول هناء محمود (موظفة): "أوذيتُ في عملي وتعرضتُ لخصمِ جزءٍ من راتبي لمجرد رفضي الاستماع إلى رئيستي في العمل وهي تغتاب زملائي، ونصحتها بكل الهدوء وأخبرتها أن هذه غيبة وحكمها الشرعي أنها حرام، فكان رد فعلها إيذائي في عملي، ومن بعدها لم أتعرض لها مرةً أخرى، والآن أراها تغتاب وتخطئ وأنا ملتزمة الصمت، أعلم أن صمتي قمة الخطأ، ولكن لا أعرف ماذا أفعل!".
أما أميرة رضوان (ربة منزل) فتقول: "أتقابل مع جاراتي في المسجد في رمضان وبعد صلاة التراويح نعود معًا إلى منازلنا وفي مرة وبعد أدائنا للصلاة جاءت إلى جواري إحداهن تتهامس على الأخرى وتغتابها وتقول عنها أسوأ كلام، استوقفتها وذكَّرتها أن ما تقوله يُضيِّع ثواب كل ما أخذناه في الصلاة فاعترضت على كلامي، واتهمتني أنني أُسيء فهمها، وبعد أيامٍ فوجئت أنها حوَّرت الكلام ضدي، وأحدثت بيني وبين صديقتي خلافًا، بعد أن أشاعت أنني أتكلم عنها وأغتابها وأتظاهر أمامها بالالتزام!!".
السواء النفسي
تؤكد الدكتورة داليا الشيمي أخصائي الأمراض النفسية أن الغيبة تتعلق بالتوازن النفسي للإنسان، وأن الشخص الذي يتمتع بصحةٍ نفسيةٍ متوازنة تكون أهدافه أكبر وطموحاته تُشغل أوقاته، ولا يتبقى لديه وقت للحديث عن الناس، وتعتبر مَن يغتاب ذا شخصية ضعيفة يرى أن كلامه عن الآخرين يعطيه مكانةً ووضعًا بين الآخرين؛ لأنه يفتقد ما يقوله عن نفسه، والمغتاب شخص مضطرب، وبناؤه النفسي ضعيف، ويتعامل من خلال الآخرين، وقد يصل الأمر به في مراحل متدهورة إلى إدمان الغيبة.
وترى أن وسائل الإعلام هي المسئول الأول عن ذلك؛ حيث رسَّخت بداخلنا مبادئ عدم الأسرار، وجعلت ثقافتنا العامة التلصص على الغير، والاستمتاع بسماع فضائح الناس، وإفشاء أسرارهم.
وعن سبب انتشار الغيبة في رمضان قالت: "إن البعض يتهاون في مدى خطورتها على المجتمع ويعتبرها وسيلة لتسلية الصيام وقضاء الوقت".
وتضيف أن الغيبةَ يمكن قتلها في النفس منذ الصغر، وفي هذا الجانب نصحت الأمهات بأن يربِّين أولادهن على أن يحكوا عن أنفسهم ومواقفهم في المدرسة والشارع ومع الأصدقاء، وفي الوقت نفسه تستوقفهم عندما يحكون عن الآخرين؛ وبذلك تقتل بداخلهم بذور الغيبة منذ الصغر، ونحمي أولادنا من أنفسهم أولاً ثم من الآخرين ثانيًّا.
وتشدد على أن الأسلوب الرقيق في نصح الآخرين الذي لا يجرح مشاعرهم يأتي بنتائج إيجابية، ويكون ذلك عن طريق إخبارهم أن اجتماعكم لتتكلموا عن أنفسكم وليس عن الآخرين.
وردًّا على تساؤل حول سبب اهتمام النساء بالغيبة أكدت أن الشخصية النسائية بطبيعتها أكثر ميلاً للثرثرة والكلام وتجعلها تتكلم أكثر مما تفعل.
منبوذ اجتماعيًّا
وتُحذِّر الدكتورة جيهان بيومي القط المدرس بكلية الخدمة الاجتماعية جامعة حلوان من أن الغيبة أصبحت ظاهرة في مجتمعنا انتشرت بشكلٍ كبيرٍ في الآونة الأخيرة، وأصبحت صفة أساسية ترتبط بصاحبها وتلزمه طيلة حياته، وتشوه صورته أمام الآخرين وتجعله منبوذًا اجتماعيًّا، ولا يقبله سوى أقرانه الذين يخوضون معه في سِيَر الناس والحديث عنهم بما يكرهون، والأسوياء من الناس يعلمون أنه سيتكلم عنهم أمام الآخرين كما يتكلم عن غيرهم أمامه.
والمؤسف أن مثل هذه العادات السيئة عندما تنتشر بين الناس تتعود عليها آذانهم ولا ينكرونها، وتشير إلى أن مجالس رمضان العائلية أثناء تجمع العائلة للإفطار أو بعده أثناء الزيارات العائلية لا تخلو من الغيبة والحديث عن الناس، رغم أنها من المفترض أن تُقوِّيَ الروابط والصلات الاجتماعية، ولكن استغلالها استغلالاً سيئًا يُسلبها هذه القيمة الإيجابية ويضيف عليها قيمًا سلبيةً أخرى، وأضافت أن الغيبة بدأت تنتشر حتى بين الأطفال لانعدام القدوة الصالحة، ولافتقاد المربي حقيقة هذه العادات السيئة.
وترى أن الحل يكمن في الاهتمام بالقضايا الشخصية والعمل على حلها، بالإضافةِ إلى اهتمام كل شخصٍ بتحقيق أهدافه وعدم النظر إلى حياة الآخرين ومقارنتها بحياته، والأهم من ذلك هو شغل وقت الفراغ بما ينفع ويفيد واستغلال الشهر الكريم في تجميع أكبر قدرٍ من الحسنات، عن طريق الاهتمام بالعبادات والمعاملات الاجتماعية الطيبة.
وأشارت إلى إمكانية الاهتمام بمشاكل الآخرين دون الخوض في سيرهم، وقالت إن هذا هو السبيل الصحيح لكسب ود الآخرين والتواصل الاجتماعي.
الغيبة توجب عذاب القبر
ويوضح الدكتور محمد يوسف الأستاذ بجامعة الأزهر أن الغيبة هي ذكر الإنسان بما يكره لحديث النبي- صلى الله عليه وسلم-: "أتدرون ما الغيبة؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، فقال صلى الله عليه وسلم: "ذكرك أخاك بما يكره" قيل : أفرأيت إن كان في أخي ما أقول؟ قال: "إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته، وإن لم يكن فيه فقد بهته" (رواه مسلم).
والغيبة حرام بإجماع العلماء استنادًا إلى قوله تعالى: ﴿وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ (12)﴾ (الحجرات)، إلا أنهم اختلفوا في كونها كبيرةً أم لا.
وأمر الله عز وجل بعدم الخوض مع المغتاب لقوله تعالى: ﴿وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلاَّفٍ مَهِينٍ (10) هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ (11)﴾ (القلم)، وقيل في تفسير الهمّاز أنه المغتاب للناس.
وقالت السيدة عائشة مرةً للنبي- صلى الله عليه وسلم-: "حسبك من صفية كذا"، قال بعض الرواة: تعني قصيرة، فقال: "لقد قلت كلمة لو مزجت بماء البحر لمزجته"، وقال قتادة: "عذاب القبر ثلاثة أثلاث: ثلث من الغيبة، وآخر من النميمة، وآخر من البول".
وتساءل الدكتور محمد يوسف قائلاً: هل انتهينا من حل جميع مشاكلنا حتى تسيطر علينا أحوال الآخرين بهذا الشكل الذي يُؤذينا في الدنيا والآخرة؟!
وأوضح أن للغيبة أسبابًا؛ أبرزها ضعف الورع والإيمان؛ حيث قال الفضل بن عياض: أشد الورع في اللسان، والسبب الثاني هو موافقة الأقران والجلساء ومجاملتهم قال الله على لسان أهل النار: ﴿وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ (45)﴾ (المدثر: 45)، أما السبب الثالث هو الحسد والحقد على الآخرين.
ووضع لنا روشتة للتخلص من الغيبة؛ أولها استحضار مقدار الخسارة التي تعود على المغتاب من خسارةٍ لحسناته، واستحضار وجود الله في كل مكان؛ حيث قال تعالى: ﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ (80)﴾ (الزخرف)، الانشغال بإصلاح العيوب الشخصية قبل الخوض في سير الناس والحديث عنهم وإيذاء مشاعرهم، ومجالسة الصالحين والابتعاد عن صحبة السوء، مجاهدة النفس وتربيتها، وفي هذا ينصح أحد الحكماء قائلاً: "إذا هممت بالنطق في الباطل فاجعل مكانه تسبيحًا؛ فاغتنام السكوت أفضل وإن كنت في الحديث فصيحًا".
وأوضح أن للغيبة توبةً تكون بالندم على ما فات، والإقلاع عن الذنب، والعزم على عدم العودة إليه مرةً أخرى، ووضع بعض العلماء شرط الاستحلال ممن اغتابه، واستدلوا على ذلك بحديث النبي- صلى الله عليه وسلم-: "مَن كانت عنده مظلمة لأخيه من عرضٍ أو مالٍ فليتحلله اليوم قبل أن تؤخذ منه يوم لا دينار ولا درهم؛ فإن كان له عمل صالح أُخذ منه بقدر مظلمته، وإن لم يكن له أُخذ من سيئاته فجُعلت عليه".
ورأى فريق آخر سقوط شرط الاستحلال لما فيه من صعوبة وما يحدثه من مشاكل اجتماعية مع الآخرين بشرط الاستغفار والدعاء لهم.