عندما حسمت حركة حماس المواجهة المسلحة مع حركة فتح في يونيو 2007م، وتمَّ الإعلان عن حالة العفو العام، وبادرت حماس إلى إطلاق دعوتها إلى الحوار على لسان رئيس الوزراء إسماعيل هنية، ردَّت حركة فتح من خلال الرئيس محمود عباس بأنه "لا حوار مع الانقلابيين"، واستعرت حرب الكلمات وتبادل الاتهامات ووجدت مستقرًّا لها عبر وسائل الإعلام المحلية والفضائيات العربية، ليتعاظم الحقد والكيد والكراهية ويتباعد الوطن بعد انشطاره شيئًا فشيئًا، بشكلٍ أخذ يهدد مستقبل مشروعنا الوطني وعلاقاتنا الاجتماعية والإنسانية، ويقضي حتى على أحلام البعض في الدولة الفلسطينية الحرة والمستقلة، والتي كانت مسيرة التسوية تتهادى على أنغامها وأنفاسها على مدار عقدين من الزمان أو يزيد.

 

لا شك أن حماس (الحركة والحكومة) كانت أكثر نجاحًا في إدارة ملف الأزمة مع حركة فتح؛ حيث جعلت السلطة برام الله- من وجهة نظر المراقب- في موقع الاتهام بأنها مَن يقف خلف تعطيل الحوار، ويتحرك بأجندة مشبوهة لتكريس القطيعة والانقسام.

 

كان واضحًا أن خطاب حماس الداعي إلى الحوار بهدف الوصول إلى مصالحةٍ أكثر أخلاقيةً وصدقًا تجاه الحفاظ على وحدة الشعب وتواصل شطرَي الوطن، وقد كسبت حماس تعاطفًا شعبيًّا كبيرًا بسبب هذه المرونة والاستعداد لعودة الأمور على قاعدة "لا غالب ولا مغلوب"، مع ضرورة إجراء الإصلاحات التي يتطلَّبها نظام الشراكة السياسية، وضمان التداول السلمي للسلطة لترسيخ مفهوم الشرعية التي تمنحها العملية الانتخابية لهذا الحزب أو ذاك.

 

لا شك أن طرف السلطة الفلسطينية في رام الله أدرك أن سياسة تجاهل حماس وعدم التعاطي مع مبادراتها للحوار سيؤدي بها إلى مصائد الرمال المتحركة؛ حيث ينتفي الكسب ويتحقق الهلاك.

 

من هنا شاهدنا تغيرًا في الخطاب وانسيابًا في لغة الاعتراف بوجود حماس باعتبار أنها جزء من الشعب الفلسطيني وأنها تتمتع بالأغلبية في المجلس التشريعي، ولكن حتى يتحقق الحوار لا بد أن تعلن حركة حماس عن استعدادها للتخلي عن سيطرتها على القطاع، وبشرط عودة الأمور إلى ما كانت عليه قبل 14 يونيه 2007م!!.

 

حماس.. الرؤية والموقف

استمرَّ هذا الجدل حول شروط كل طرف ورؤيته للحوار والمصالحة.. حماس من جانبها قدَّمت أفكارًا لم تخرج منذ البداية عن المفاهيم والنقاط التالية:

1- وحدة جغرافيا الضفة والقطاع.

2- وحدة النظام السياسي الفلسطيني؛ أي سلطة واحدة وحكومة واحدة.

3- احترام الخيار الديمقراطي وقواعد اللعبة الديمقراطية والالتزام بنتائجها.

4- احترام الشرعية الفلسطينية بكل مكوناتها؛ الرئاسة والمجلس التشريعي.

5- احترام القانون الأساسي الفلسطيني والالتزام به.

6- إعادة بناء الأجهزة الأمنية الفلسطينية على أسس وطنية ومهنية، بعيدًا عن التدخلات والمصالحة الفصائلية.

7- الالتزام باتفاق القاهرة (2005)، ووثيقة الوفاق المتفق عليها بين الفصائل الفلسطينية (2006)، واتفاق مكة (2007).

8- التمسك بحق شعبنا في مقاومة الاحتلال ما دام الاحتلال قائمًا.

9- إعادة بناء وتفعيل منظمة التحرير الفلسطينية على قاعدة الانتخابات الحرة، وبمشاركة جميع القوى والفصائل والشخصيات المستقلة والأطياف السياسية الفلسطينية في الداخل والخارج.

 

بالرغم من حالة الوضوح في الطرح الذي قدَّمته حماس إلا أن طرف السلطة في رام الله رفض أن يبدأ الحوار قبل إظهار حماس استعدادها للتخلي عما تعتبره إنجازًا أمنيًّا، والتسليم بمنطق الحال الذي كان عليه قطاع غزة قبل الحسم.

 

ومن هنا تكررت حالات الرفض والالتفاف على الجهود والمبادرات العربية (اليمنية والمصرية والقطرية) بدعوى أن الكرة في ملعب حماس، وأن على حكومة إسماعيل هنية إعادة الأمور إلى ما كانت عليه، والتسليم بشرعية إجراءات السلطة في رام الله!!.

 

حركة حماس من جهتها قالت: إن ما يطالب به الرئيس (أبو مازن) ويضعه شرطًا للحوار هو في الحقيقة نتيجةٌ لما يمكن أن تتمخَّض عنه جولات الحوار، أما سياسة "وضع العصا أمام الراعي" كما يقولون فهي محاولة لرفض الحوار أو تعطيله.

 

لقد مرَّت العديد من الشهور في ظل هذه المناكفة السياسية؛ فالسلطة في رام الله كانت تراهن على إمكانية سقوط حماس أو تراجع قبضتها، ظنًّا منها أنها لن تستطيع توفير المال اللازم لتغطية رواتب الموظفين الذين تجاوز عددهم عشرين ألفًا، إضافةً إلى أن انسحاب كوادر فتح من الدوائر والمؤسسات الحكومية خلق فراغًا وظيفيًّا اعتقد بعض رجالات السلطة أنه سيخلق أزمة لغياب الكادر البديل والمؤهل لسدِّ هذه الثغرة من ناحية أخرى.

 

ولكن حماس فاجأت الجميع بقدرتها على ملء الشواغر الحكومية، وتوفير المال الكافي لدفع الرواتب لكل الموظفين الذين التزموا أماكن عملهم أو من تمَّ توظيفهم لسد العجز في الكادر الوظيفي.

 

بين "الفلاكة" وطهي الحصى

الفلاكة هي تعبير اصطلاحي يعبِّر عن محنة الصراع بين البشر، وعن محنة التنافس على الأرزاق وافتقار التعاون المشترك، وهي كذلك تعبير عن افتقار الإنسان إلى الكرامة الإنسانية في مجتمعه، وعن القهر والقلق النفسي والاجتماعي والفكري؛ فعندما يستحيل الإنسان سلعةً، وعندما يفقد كرامته كإنسان، وعندما يصبح مجرد شيء، وعندما يُقهر ويُحتقر ويُمتهن يصبح مفلوكًا!!.

 

وما أكثر أعراض الفلاكة وما أشد تنوعها!؛ فالفلاكة قد تكون في الانكماش عن الناس والعزلة عن الخلق وفي محبة الانفراد، وقد تكون في الرغبة بالرحيل والتغرب وعدم الاستقرار، وقد تكون في الإحساس العميق بالملل والضجر، وقد تتمثَّل في كراهية الارتباط والانتظام، وقد تكون في الشعور بالقهر والإكراه والمذلة والمهانة، وقد وقد.

 

هذه المعاني للفلاكة التي أوردها أحمد بن علي الدلجي منذ زمن طويل في كتابه (الفلاكة والمفلكون) هي اليوم أصدق تعبيرًا عن الحالة الفلسطينية الحائرة؛ حيث صار الحليم حيرانَ، وافتقدت الساحة رؤية الرجل الرشيد.

 

لقد جفَّ الناس وتهالكت ألسنتهم على التلاعن لبعضهم البعض، فكلُّ حزبٍ بما لديهم فرحون، أما الوطن فموجوع، والمتاجرون به كُثر، وأبناؤه يتلوون ويتأوهون بانتظار طهي الحصى!!.
الوطن يغرق والمناكفات لا تنتهي

 

إن هناك مقولةً يرددها الشارع، وهي أن حماس تدفع لأبنائها وفتح تفعل الشيء نفسه، والشعب غير المؤطَّر حزبيًّا هو الضحية، أي إن كل طرف يعتمد سياسة طهي الحصى لإيهام هؤلاء الجوعى (من غير فتح وحماس) بأن "في القِدر طعام شهي" وما عليهم إلا الانتظار.

 

كلمة الشارع أنه قد طال الانتظار، وأن الناس قد أرهقتهم التجاذبات والمناكفات السياسية بين فتح وحماس، ولا بدَّ من وضع حدٍّ للمعاناة التي لا تنتهي؛ فالكيان الصهيوني أغرقنا بالهموم والمشاغل اليومية حتى ابتعدنا بالصراع عن جوهره، وغدا اصطفافًا على الحواجز أو تدافعًا للحصول على جرة غاز أو "كابونة" بنزين!!.

 

إن الأوضاع في مجملها أصبحت مأساويةً بكل معنى الكلمة، ونحن لا نريد أن نُعلِّق أخطاءنا كفلسطينيين على مشاجب الآخرين، إن علينا أن نقوم بعمل ما هو متوجبٌ علينا، وعندما نُقنع أنفسنا بأننا أنجزنا هذا الواجب، عندئذٍ يمكن الإشارة بأصبع الاتهام إلى الآخرين.

 

إن هناك العديد من ملفات الأزمة التي نحن بأشد الحاجة إلى تفكيكها، والساحة لا تتحمل المزيد من مثل هذه الملفات الكارثية.. لقد أدرك الشعب- بعد عناء الانتظار الطويل- أن الذي يغلي في القدر ليس أكثر من حصى، وأن الملح الذي يضاف إلى القدر من حين لآخر لن يجعل ما فيه بأية حال من الأحوال مرقًا.

 

لقد انتظر شعبنا من مؤتمر مدريد أن يأتيَ الوطن ويتحقق السلام، ولكنَّ انتظاره كان على (أبو فشوش) كما يقولون في أمثالنا الشعبية، وجاءت أوسلو وكانت بمثابة "وديعة الأوهام"، ثم أعقبتها "خارطة الطريق"، وهي المبادرة الأمريكية التي دعمتها اللجنة الرباعية، ولكنها للأسف كانت رؤية أمنية أوقعت شعبنا في مطباتها وتكاثرت مع دروبها العثرات، ثم كانت الدعوة المشبوهة إلى مؤتمر "أنابوليس"، والذي جسَّد حال انعقاده حالةً من التحايل المفضوح على ذقون الفلسطينيين وبعض العرب الذين هرولوا مطبِّعين.

 

إن قيادة السلطة تخشى إعلان إفلاسها في إدارة مشروعنا الوطني؛ ولذلك تمتهن سياسة التهرب من الاعتراف بالإخفاق والفشل بالهروب إلى الأمام، وافتعال أن هناك مشرقًا جديدًا يلوح في الأفق!!.

 

لم يعد أمام الجميع إلا حسم خياراتهم في القاهرة، فإما أن يعودوا يحملون البشرى بأنهم قد توصلوا إلى تفاهمات تحقق المصالحة الوطنية، وتؤسس للرؤية السياسية التي تحمي مشروعنا الوطني من متاهات الضياع، وإلا فلا خير في كثيرٍ من نجواهم، ولتذهب هذه السلطة التي جاءت بها أوسلو إلى حيث ألقت.

--------

* المستشار السياسي بوزارة الخارجية الفلسطينية.