يعد ملف منظمة التحرير الفلسطينية أبرز الملفات الشائكة والمعقدة المطروحة على طاولة الحوار الفلسطيني الذي يجري الإعداد لعقده في القاهرة بغطاء عربي.. هو ذلك الملف الذي كان طيلة السنوات السابقة محطَّ جدل بين الفصائل الفلسطينية، خاصةً بين فتح وحركتي حماس والجهاد الإسلامي؛ اللتين ترفضان بشكل قاطع الانضمام لها ومؤسساتها، والاعتراف بها كممثل شرعي ووحيد للشعب الفلسطيني إلا بعد إصلاحها وإعادة بنائها وهيكلتها على أسس وطنية بعيدًا عن أجندة الخارج.
وثمة خلاف كبير بين البرنامجين السياسيين لكلٍّ من منظمة التحرير وحركة حماس؛ حيث تعترف الأولى بوجود دولة الكيان، ووقَّعت معها على إثر ذلك عدة اتفاقيات؛ تجاوزت خلالها حقوق وثوابت الشعب الفلسطيني، وفرطت إلى حدٍّ كبير في حق عودة اللاجئين والقدس كعاصمة موحدة لفلسطين، فيما تتمسك حركة حماس بكافة الثوابت؛ بما في ذلك عدم الاعتراف بالكيان وحق عودة كافة اللاجئين، والقدس عاصمة موحدة دون التفريط في أي شبر منها.
ولا تقر حماس بأن منظمة التحرير التي اعترفت بالكيان الصهيوني عقب اتفاقيات السلام هي صاحبة الكلمة العليا في الشأن الفلسطيني، ويرى بعض المراقبين أن هذا هو السبب الذي أفشل جميع حوارات الوفاق الوطني السابقة، وحدا بفصائل تعترف بالكيان الصهيوني- مثل "فتح" و"الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين"- إلى رفض الانضمام إلى الحكومات التي شكَّلتها حماس منذ فوزها بالانتخابات.
في المقابل تتمسَّك حركتا حماس والجهاد الإسلامي بضرورة إصلاح وإعادة هيكلة منظمة التحرير طبقًا لاتفاق القاهرة (مارس 2005م) وفي إطار رزمة واحدة جنبًا إلى جنب مع الملفات الأخرى كشرط لانضمامها؛ فهل تنجح محاولات القاهرة في فك عقدة هذا الملف والخروج ببرنامج سياسي واحد يجمع بين الفصائل المتناحرة في إطار منظمة واحدة بعد أربعين عامًا سادها الجدل والتشرذم والاستفراد الفتحاوي؟!
الناطق باسم حماس فوزي برهوم أبدى في تصريحات عديدة استعداد حركته للانخراط في إطار منظمة التحرير؛ شرط أن تعاد صياغة برنامجها على أسس وطنية، مضيفًا أن الكرة الآن في ملعب حركة فتح.
بينما تشدِّد حركة الجهاد على ضرورة سحب الاعتراف بالكيان الصهيوني والاتفاقيات الموقَّعة طبقًا لما أعلنه القيادي بالحركة خضر حبيب بأنه لا مانع لدينا من دخولها والانخراط في مؤسساتها على أسس وطنية بعيدًا عن أجندة الخارج.
وفيما ترغب حماس والجهاد وجميع الفصائل في الانضمام للمنظمة شريطة تعديل صياغة برنامجها "وطنيًّا"؛ ينقسم موقف فتح حول هذه النقطة، فبينما يرفض تيار داخل الحركة انضمام حماس بشدة ويحذِّر من اختطافها؛ يؤيد فريق آخر أهمية انضمامها، ولكن شريطة أن تعترف ببرنامج المنظمة الذي يحمل في طياته الاعتراف بالكيان الصهيوني والاتفاقيات الموقَّعة منذ اتفاق أوسلو.
ويقف القيادي الفتحاوي ياسر عبد ربه والمعطِّل للحوار على حد قول حماس على رأس التيار الرافض لانضمام القوى الإسلامية؛ حيث شن عليها هجومًا، محذِّرًا إياها من دخول منظمة التحرير بحجَّة تجنب عزل المنظمة عن العالم وقطع العلاقات معها.
الحوار المرتقب
إلا أنه من المقرر أن يبحث حوار القاهرة المرتقب بين فتح وحماس نهاية الشهر الجاري آليةً لحسم الخلافات بين الحركتين حول مجموعة من النقاط؛ لعل من أبرزها "إعادة هيكلة مؤسسات منظمة التحرير الفلسطينية وفق اتفاق القاهرة 2005م".
وتسعى حماس إلى أن تكون منظمة التحرير إطارًا فعليًّا يجري من خلاله تداول الإدارة وتحمل المسئولية تجاه المصالح الإستراتيجية لشعبنا الفلسطيني، وقيادة وإدارة الصراع مع الاحتلال في إطار من التنافس الإيجابي لصالح الحقوق.
وأعربت حماس مرارًا وتكرارًا عن استعدادها لدخول المنظمة، ولكن وفق شروط محددة، تتلخَّص في إعادة بناء المنظمة، وتفعيل إعلان القاهرة 2005م على قاعدة الأهداف الكلية للشعب الفلسطيني.
وثمة رؤية يحملها وفد حماس إلى القاهرة لإعادة إصلاح وإعادة هيكلة المنظمة تتلخَّص في إعادة صياغة البرنامج السياسي والميثاق الوطني؛ بما يضمن التأكيد على الثوابت الوطنية؛ بما في ذلك حق عودة اللاجئين وإقامة الدولة الفلسطينية وعاصمتها القدس، إلى جانب إعادة النظر في الاعتراف بالكيان الصهيوني والتنازلات التي أضرت بالقضية الفلسطينية، وتتفق رؤية الجهاد الإسلامي إلى حدٍّ كبير مع حماس؛ حيث تتمسك هي الأخرى بضرورة إصلاح المنظمة بما يتلاءم مع أهداف ومصالح الشعب الفلسطيني.
وأكد الناطق باسم حماس فوزي برهوم ضرورة طرح ومعالجة ملف المنظمة بالتزامن مع الملفات الأخرى؛ كشرط للخروج من الوضع الراهن، وإنهاء الانقسام بين شطري الوطن، مشدِّدًا على أهمية إعادة تشكيلها وبناء مؤسساتها وصياغتها بالانتخابات والطرق الديمقراطية وليس بالتعيين كما يجري.
وشدَّد برهوم على أن رؤية حماس تتمثَّل في ضرورة إعادة إصلاح المنظمة؛ بحيث تخدم الكل الفلسطيني، وتمثل كافة أبناء شعبنا في الخارج والداخل، وتتحمل مسئولية قضاياه بشكل كامل ودون تفريط.
كما لا تمانع حماس، حسبما أكد برهوم، من دخول مؤسسات المنظمة لإعادة هيبتها واحترامها على المستوى الدولي، وكي تتبنَّى قضايا الشعب الفلسطيني دون أي تفريط أو تنازل في حقوقه، لكنه أضاف: "كل ذلك مشروط بإعادة إصلاحها وصياغتها على أسس وطنية بعيدًا عن الأجندة الخارجية"، وأضاف برهوم: "الكرة الآن في ملعب حركة فتح".
أما الجهاد فترى من جانبها ضرورة إصلاح المنظمة وإعادة الاعتبار لها على أسس وطنية، بعيدًا عن الأجندة الصهيونية والأمريكية، وأضاف حبيب في هذا الجانب: "نريد أن تكون منظمة تحرير وليس تطبيعًا واعترافًا بالكيان الصهيوني، وأن تكون مؤسساتها قوية، وتمثل الكل الفلسطيني، وتعبر عن قضاياه وهمومه"، وترفض الانضمام لمنظمة تعترف بوجود الكيان الصهيوني وتعقد معه اتفاقيات مشئومة.
معضلة المنظمة
تعتبر منظمة التحرير من أهم ضحايا السلطة الفلسطينية وحركة فتح؛ حيث تم تجميد وتحنيط دورها في أعقاب إنشاء السلطة الفلسطينية، كما مرَّت بعدة مراحل من الخلخلة؛ حيث كان الرئيس عباس الحاضر الدائم فيها.
ولم تتوقف دعوات إصلاح المنظمة وتفعيلها في العلن، ومحاولات تحجيمها على أرض الواقع، خاصةً من قِبَل السلطة الفلسطينية، إلى أن جاءت انتخابات شهر يناير 2006م لتقلب الحسابات، وتغيِّر الموازين بفوز حركة حماس، وليعود الحديث عن دور منظمة التحرير الفلسطينية وتمثيلها للشعب الفلسطيني وكونها المرجعية العليا للسلطة؛ بعد أن غُيِّبت تمامًا ولسنوات عن أي دور فاعل، لتتحوَّل لورقة ضغط يتم التلويح بها في وجه حماس، لتحجيم وتقليل سلطتها بعد فوزها، ولتبدأ مرحلة جديدة من الشد والجذب بين الأطراف الفلسطينية المختلفة.
ومما زاد الجدل بين فصائل المنظمة وحركتي حماس والجهاد هو محاولة فرض المنظمة كمدخل للاعتراف بالاحتلال وكيانه؛ من خلال الاعتراف بكل الاتفاقات التي وقَّعتها المنظمة مع الاحتلال، ولا يوجد خلاف بين الفصائل الفلسطينية في أن منظمة التحرير الفلسطينية هي المظلة الكبيرة والبيت الجامع لكل الفلسطينيين، لكن في الوقت نفسه لا يخفى على أحد أن المنظمة بشكلها وتكوينها وشخوصها الحاليين لا تمثل الشعب الفلسطيني بأي شكل من الأشكال.
وهو ما أكدته حماس؛ حيث أشارت إلى أن المنظمة لا تمثل كل الشعب الفلسطيني، وكيف تمثلنا في ظل ميثاق مخترق، ولجنة تنفيذية غير قانونية، ومجلس وطني متضخِّم، واتفاقات فُرِضَت على الشعب الفلسطيني وفي ظل هيمنة وتفرُّد من قِبَل حركة فتح وبعض الفصائل التي أطلق عليها البعض اسم الفصائل "المجهرية"؛ التي لم تستطع تخطي نسبة الحسم في الانتخابات التشريعية الأخيرة.
ووفقًا لتصريحات فوزي برهوم بعد حوارات القاهرة، ورغم التفاؤل الذي يبديه المراقبون حيال الحوار المرتقب في القاهرة وإمكانية نجاحه؛ إلا أن وفد حماس لم يلمس جدية الطرف الآخر "فتح" في معالجة هذا الملف، وأكد الناطق باسم حماس قائلاً: "للأسف لم نلمس أي جدية من قبل فتح في كل الاتفاقات السابقة؛ بسبب الانقسام في موقفها وعدم السيطرة على الأصوات المعطلة للحوار.. بالتالي المطلوب أولاً أن تتعافى فتح من جراحها".
وطالب برهوم بضرورة إخماد الأصوات المعطلة داخل فتح لنجاح أي مصالحة؛ في إشارة إلى ياسر عبد ربه الذي شنَّ هجومًا على حماس وحذَّرها من دخول المنظمة؛ بدعوى أنها ستكون سببًا في تمزيقها وعزلها دوليًّا، مشدِّدًا على أن دخول حماس سيعطي المنظمة قيمةً وزخمًا جماهيريًّا وشعبيًّا كبيرًا، وسيعيد هيبة المنظمة واحترامها على المستويين المحلي والدولي.
من جهته أكد خضر حبيب أن عبد ربه لا يمثل إلا نفسه وغير مخوَّل بأن يكون ناطقًا باسم الشعب ومنظمة التحرير ولا يمكنه فرض أفكاره على أحد، وشدَّد على ضرورة مشاركة الجميع في إعادة بناء وإصلاح المنظمة؛ بما يضمن تحقيق مصالح وأهداف شعبنا على أسس وطنية، مضيفًا: "ليس من حق أحد أن يفرض رأيه على الآخر".
موقف المراقبين
وأمام هذه المعطيات فإن المراقبين يتخوفون من فشل حوار القاهرة المرتقب بسبب عقدة ملف "منظمة التحرير"؛ حيث أبدوا عدم تفاؤلهم بإمكانية إنجاز هذه الملف، مشيرين إلى أنه بحاجة إلى صيغ "إبداعية".
ويعتقد الكاتب والمحلل السياسي حسن عبدو أن الجهات الرسمية في السلطة وبعض الأنظمة العربية غير معنية بفتح ملف المنظمة بشكل واضح خوفًا من سيطرة القوى الإسلامية الفاعلة عليها وانعكاس ذلك على الواقع السياسي للمنظمة.
وأضاف عبدو: "النظام العربي لا يريد أن يصل ملف القضية الفلسطينية إلى يد القوى الإسلامية في حال دخولها وسيطرتها على المنظمة، مؤكدًا أن طرح الملف في حوار القاهرة سيكون من باب المناورة".
ويرى الكاتب والمحلل السياسي د. ناجي شراب أن ملف منظمة التحرير يحتاج إلى صيغ إبداعية وجهود كبيرة وتوافق وطني في الملفات الأخرى لفكِّ عقدته، مشدِّدًا على ضرورة ألا يكون عائقًا أمام تحقيق أي وفاق أو مصالحة وطنية.
وأشار إلى أن نجاح القاهرة في حل عقدة هذا الملف يتوقَّف على الدور الفلسطيني ومدى تعاملها بجدية، مضيفًا: "كما يجب أن تقدم مصر والأنظمة العربية الرؤى السياسية الداعمة والمساندة للموقف الفلسطيني".
وشدَّد المحلِّلان على ضرورة إنهاء عقدة هذا الملف وإصلاح المنظمة وإعادة بنائها كممثل وإطار شرعي؛ يعبِّر عن وحدة وكينونة الشعب الفلسطيني، وأضاف شراب: "حتى تكون هذه الشرعية قوية وذات فاعلية لا بد من إصلاح المنظمة؛ بحيث تجمع على القوى في إطار برنامج سياسي واحد".
وقال عبدو: "الحل يكمن في العودة لأصول ومنطلقات المنظمة وإصلاحها بعد الاعتداء على برنامجها من قبل تيار هيمن عليها وضيَّع وغيَّر من ثوابتها".