ليست فقط هي اللبنة الأساسية للمجتمع، ولكنها في الإسلام مناط التشريع ومبلغ التكليف؛ فأول الأوامر الربانية كانت للأسرة بألا يقربا الشجرة، والعناية التفصيلية كانت من القرآن في طرقه لخصوصيتها ودقائقها، ليستقر في أذهان المسلمين معنى الأسرة عند خالقها والدور المطلوب منها لدينها ولأمتها.

 

ما بدا لافتًا للنظر في السنوات الأخيرة هو التراجع الكبير لدور الأسرة في تنشئة أفرادها، وظهرت بكثرة شكاوى الآباء من تفلُّت أبنائهم وعدم التزامهم؛ ما يقابله شكاوى الأبناء من انشغال الوالدين وعدم تخصيص وقتٍ للحديث معهم وإهمالهم.

 

وفي الوقت الذي يعاني فيه بعض الآباء والأمهات من تفلُّت الأبناء؛ نجدهم يتباهَون ببناتهم المتفوقات والملتزمات، وبدا هذا واضحًا في إحصائيات المدارس المصرية التي سجَّلت نسبة نجاح وتفوّق للإناث تفوق مثيلتها للذكور.

 

كما نجد أن جمعيات العمل التطوعي تغلب عليها الصفة النسائية؛ ما يعزوه البعض إلى طريقة التربية نفسها داخل بعض البيوت المصرية؛ فالتفرقة في التنشئة بين الابن والبنت وإعطاء مساحة الحرية الأكبر للأبناء بحجة أن "الحرية اللا محدودة" تجعلهم أكثر تحمُّلاً للمسئولية، وما تُفرزه هذه "الحرية اللا محدودة" من استهتار وعدم جدية؛ وأيضًا العادات والتقاليد المجتمعية.. كل هذا يؤدي دورًا ملحوظًا في هذه الظاهرة؛ إضافةً إلى دور الإعلام "السلبي" في هذه القضية.

 

يقول حمدي أنور (مدرس ثانوي- أب لخمسة أولاد): "يلعب الإعلام دورًا سيئًا في التأصيل؛ لهذا فهو يكرِّس لفكرة الحرية المطلقة، فينشأ الولد على أن دليل "رجولته" أن يخرج متى شاء ويعود متى شاء".

 

ويضيف: "ولا يمكننا أيضًا أن نغفل دور الأب في ذلك؛ فابتعاد الأب عن الابن وعدم "مصادقته" يجعل الابن يلجأ إلى الخارج، فتلتقطه أيادي السوء، وهذا غير موجود عند البنت؛ نظرًا لطبيعتها التي تفضِّل البيت عن الخارج غالبًا".

 

عشاء الخميس

وتتفق مع هذا الرأي السيدة سناء متكيس (ربة منزل)، وترى أن تكوين البنت يختلف عن الابن؛ مما يجعلها دائمًا مرتبطةً بأمها في مراحل عمرها المختلفة، بينما يحتاج الابن في سنٍّ معينة إلى والده بجواره ومصاحبته له أكثر من الأم، ونظرًا لانشغال الآباء بتدبير لقمة العيش يصبح من الصعب تحقيق هذه المعادلة.

 

وتؤكد السيدة سناء (أم لخمسة أولاد) أن المسجد لعب دورًا أساسيًّا في الحفاظ على أخلاقيات أبنائها، فتقول: "حرصت وزوجي من البداية على ربط أبنائنا بالمسجد واصطحابه لهم منذ صغرهم؛ فكان سندًا وعونًا على تربية أبنائنا والحفاظ عليهم".

 

ولطالما حكت جداتنا عن "عشاء يوم الخميس"؛ حين تجتمع الأسرة بكاملها على وجبة عشاء، تليها "حفلة سمر"؛ يقف فيها الأب على أحوال أولاده، ويمارس دوره التربوي بالتوجيه والمناقشة، لا من خلال الأمر والنهي، وترى جداتنا في تلك "الوجبة" حلاًّ لكل مشكلات الأسرة، لكن الأمر هذه الأيام لا يبدو بتلك البساطة، فتوفير وجبة العشاء للبيت يستلزم غياب الأب عنها في ظل بحثه الدائب عن لقمة عيش لأولاده.

 

ولحل تلك المعضلة تقول السيدة إيمان (طبيبة): "على الرغم فعلاً من أن الوضع الاقتصادي الحالي يستلزم غياب الأب فتراتٍ طويلةً خارج البيت؛ إلا أن هذا لا يمنع من توفير وقت ولو قليلاً ليشارك الأولاد في حياتهم ويُشعرهم بوجوده معهم؛ فإن ذلك يعطي نتائج جيدة للغاية، كما أنه يقوِّي روابط أفراد الأسرة فيما بينها، ويعمِّق العلاقة بين الأب وابنه على وجه الخصوص".

 

هذا ما يؤكده عصام مهدي (طبيب) فيقول: إن "الأب يمكنه من خلال إشراكه ابنَه في قراراته ومشاركته في إدارة أمور حياته أن يعوِّض غيابه الاضطراري عن البيت".

 

عادات وتقاليد

أحمد.. نموذج لحالة تتكرر في حياتنا اليومية؛ فالأب والأم يعملان في الخارج، بينما يدرس هو وإخوته بإحدى الجامعات المصرية، عوَّض البنات حضن الأسرة بحضن العائلة الكبيرة، فتفوقن تفوقًا ملحوظًا، لكنَّ أحمد رفض هذا الحضن، فاستمر في إعدادي هندسة سنتين حتى تم فصله منها لرسوبه؛ فالمجتمع أعطاه الحق أن يعيش بدون رقابة ممتلكًا كل مفاتيح الإفساد، وهذا مالا يعطيه "للبنت".

 

وتعلِّق آلاء (طالبة- صحافة وإعلام) على ذلك قائلةً: "نعم.. المجتمع من خلال موروثاته الثقافية يُبيح للابن ما لا يُبيحه للبنت، وهذا يتعارض مع الشريعة الإسلامية التي ساوت بين الاثنين في الثواب والعقاب".

 

وتقول إيمان (طالبة بكلية دراسات إنسانية بجامعة الأزهر): "عندنا في الصعيد تلعب العادات والتقاليد دورًا مهمًّا في كيفية التربية والتنشئة داخل البيت، لكنها كما تعطي الابن حريةً تفوُق حرية البنت بكثير؛ فإنها أيضًا ما زالت تُلزمه ببعض المسئوليات تجاه أفراد أسرته، وهذا حقَّق إلى حدٍّ كبير نوعًا من التوازن، إلا أنه في الوقت ذاته تسبَّب في حرمان البنات من بعض حقوقها؛ نتيجةً للاحتكام إلى تلك التقاليد والابتعاد عن تحكيم الشريعة الإسلامية".

 

 

 الشيخ عبد الخالق الشريف

وعن هذا يقول الشيخ عبد الخالق الشريف (داعية إسلامي): "إن تحديدنا لمفهوم التربية أساسًا يجعلنا نحكم على الظواهر المختلفة؛ فإذا كانت التربية مجرد تعويد الأبناء على الصلاة والبنات على الحجاب؛ فإنه من خلال ذلك يمكننا القول بأن الفتيات أكثر التزامًا من الأبناء".

 

ويضيف الشيخ الشريف: لكن التربية بمفهومها الصحيح تعني تأصيل مفهوم العبادة عند الأبناء، والتحلي بالأخلاق، والقيام بواجب الدعوة، وهذا يعني أن المسئولية على البنت والابن واحدة، أما إدخال العادات والتقاليد السلبية في مفهوم التربية واعتبارها جزءًا أساسيًّا منها فهذا خطأٌ كبيرٌ لا يقبله العقل، فضلاً عن الدين، فما هو خطأ من الفتاة يجب أن يكون خطأً في حق الفتى أيضًا، فالحلال والحرام لا يُجزَّآن، وقد أكد ذلك الشارع الحكيم؛ فلم يفرِّق بين المرأة والرجل إلا في الأدوار، بينما أبقى بينهما المساواة الكاملة في التكليف.

 

ويضيف: "طريقة التربية أيضًا لها أثرها على الأولاد، فالشدة التي قد يستخدمها الأب أحيانًا في تربية ابنته واعتماده على القهر وليس التوجيه والمشورة يخلق شخصيةً ضعيفةً مسلوبة الإرادة، وهذا ما لا يريده الإسلام؛ فنحن نحتاج إلى نساء قويَّات الشخصية والعزيمة، كما أن الشدة تجعل الابن ينصرف إلى الخارج بكل مفاسده؛ فنجد الولد يلجأ إلى أصحاب السوء، والبنت تلجأ إلى عالم افتراضي وهو "الإنترنت"؛ تجد فيه الحرية التي تفتقدها في البيت والمجتمع بدون رقابة.

 

 

د. حاتم آدم

وفي السياق نفسه يقول الدكتور حاتم آدم: "عندما نتحدث عن الحرية الممنوحة للبنت في المجتمع المصري؛ فلا بد ألا نغفل التطورات الحادثة في السنوات الأخيرة، والتي تختلف كثيرًا عن الأجيال السابقة.. هذه الحرية ساعدت كثيرًا في أن تأخذ الفتاة دورًا مهمًّا في المجال التعليمي والعملي، وهذا يفسِّر ارتفاع نسب نجاح البنات عن الأبناء".

 

ويضيف: "لكن للأسف هناك بعض المفاهيم التي غابت عن بعض الأسر؛ مما أدى إلى تدهور الوضع الأخلاقي بشكل عام؛ فمنظومة القيم الأخلاقية ومفهوم "العيب والخطأ" أصبحا غير موجودَين؛ مما أدى إلى التمركز الشديد حول المادة، وأصبح الأب- في ظل وضع اقتصادي سيئ- مُطالَبًا بأن يخرج من بيته صباحًا ليعود ليلاً بلقمة عيش لأولاده؛ مما يحمِّل الأم مسئوليةً كبرى، لكنَّ هذا لا يمنع إطلاقًا من أن يوفر الأب ولو ساعةً يوميًّا؛ يتحدَّث فيها مع أولاده ويشاركهم في تطلعاتهم وآمالهم، ويفيدهم من خبرته.. كل هذا يخلق جوًّا أسريًّا يحمي الأبناء والبنات على حدٍّ سواء من الانحراف الأخلاقي".

 

ويُنهي حديثه بقوله: "وعلى كل الظروف لا بد أن يكون الأب قدوةً لأولاده؛ بحيث يجدون فيه الأخلاقيات والقيم الصحيحة، وبذلك تكون الأسرة قد لعبت دورها الصحيح في إنتاج أفراد صالحين".

 

عدالة

 الصورة غير متاحة

 الشيخ محمد مختار المهدي

الشيخ محمد مختار المهدي رئيس الجمعية الشرعية يوضح أن "التربية الإسلامية الصحيحة تُعنَى بمبدأ "العدالة" في التعامل مع الابن والبنت داخل الأسرة؛ فقال رسولنا الكريم "اتقوا الله واعدلوا بين أولادكم"، فليس من الإسلام ولا العقل إعطاء الحرية أكثر للابن؛ فتلك الحرية المنفلتة تجعله ينصرف عن تحصيل دروسه في ظل غياب المسئولية من عليه".

 

ويضيف: "لا بد أن يكون هناك وعيٌ وإدراكٌ داخل الأسر المسلمة للمفاهيم الإسلامية الصحيحة، واستبدال تلك المفاهيم الخاطئة التي تُلصَق بالدين حينًا، وبثقافة المجتمع حينًا آخر؛ وذلك عن طريق تكثيف الدعوة المستنيرة الوسطية والبعيدة عن التعصب ضد المرأة، وبهذا نصل إلى المعنى الصحيح للتربية الإسلامية".