فجَّر عددٌ من الفنانين والنقاد العرب مفاجأةً من العيار الثقيل؛ حيث أكدوا أن العديد من المنتجين العرب يرفضون إنتاج أي عمل درامي يناقش القضية الفلسطينية.

 

جاء ذلك في ندوة ظهر أمس بنقابة الصحفيين تحت عنوان: "فلسطين في الدراما العربية"؛ حيث أكد جمال فهمي رئيس لجنة العلاقات العربية بنقابة الصحفيين أن فلسطين هي القضية الأبرز والأكثر حضورًا في حياة العرب، وعلى الصعيد الإنساني هي القضية الأكثر عدالةً والأكثر اقترانًا بالجريمة الأبشع في التاريخ الإنساني.

 

 الصورة غير متاحة

 جمال فهمي

وأضاف أنه لا يعرف في التاريخ الإنساني سرقة وطن على هذا النحو، وأنه ربما تم إبادة شعوب بأكملها في الأمريكيتين، ولكن لم تتم ُسرقة بلد بأكمله واقتلاع شعبه وتشريده كما حدث في فلسطين، مؤكدًا أن هذه الجريمة مميزة جدًّا في التاريخ الإنساني، وكان لا بد للدراما أن تعكس جوهر الحياة الإنساني وقضاياه، وأن يكون لهذا النضال الاستثنائي للشعب الفلسطيني حضور فيها.

 

وتحدَّث فهمي عن قضية المحرقة "هولوكست" الذريعة التي يستخدمها العدو الصهيوني لتبرير جريمته في حق فلسطين وتشريد شعبه وصولاً إلى حد الإبادة الجماعية، ومع ذلك نجد الهولوكست حاضرةً دائمًا في الدراما الغربية وفلسطين غائبةً دائمًا في الدراما العربية والغربية.

 

وأكد عدم التقليل من حجم جريمة الهولوكست في الإنسانية، ولكن الجريمة لا تبرِّر ارتكاب أخرى تماثلها في البشاعة، مضيفًا: "يصعب علينا أن نقارن مجمل إنتاجنا فيما يخص فلسطين بإنتاج الصهاينة فيما يخص الهولوكست؛ فتخلُّف بلادنا لا يُعفي المُبدعين العرب من مسئولية صنع دراما على مستوى القضية الفلسطينية ومستوى استثنائيتها وحجم النضال الفذ الذي يقوم به شعبها".

 

 الصورة غير متاحة

نبيل عمرو

وقال نبيل عمرو السفير الفلسطيني في القاهرة: "ما أثقل ظل السياسة عندما تقتحم الفن والثقافة والإبداع!، وما أحوج السياسة والحق لذلك الإبداع!"، مشيرًا إلى ما وجده من "إنتاج وفير للدراما الرمضانية غابت عن مضمونها فلسطين بشكلها التقليدي وغير التقليدي الذي أتمنَّاه، وهو شكل غير نمطي عن فلسطين التي سئمنا تكراره في الدراما في صورة البطل الذي لا يأتيه الباطل من أية جهة، ونريد أن نراها كما هي في الواقع بمعاناتها ومحاولاتها للحياة".

 

وأضاف أنه راقب الدراما فوجد موادَّ تتناول فلسطين عمرها 60 عامًا ما زالت لا تعرض إلا وجهًا مجعدًا لفلسطيني عجوز يحمل المفتاح، وأنه لم يَرَ الإبداع والتعبير الحقيقي عن التضحية والمقاومة، مؤكدًا أن الذين يريدون أن تظل فلسطين مجرد نكبة هم كُثُر يتمنَّون سَجنها في زنزانة البطولة المطلقة التي تجعل كل عمل فلسطيني خياليًّا ودون المستوى.

 

وقال الكاتب الدكتور وليد سيف: "إنه من المعلوم لدى الجميع أن للدراما دورًا عظيمًا في تشكيل الوجدان والفكر أكثر من أية وسيلة ثقافية وإعلامية أخرى؛ حيث تستدرج المشاهد إلى تبنِّي وجهة نظر المعالجة الدرامية للكاتب، حتى ولو دارت حول شخصية إجرامية، يعطِّل حينها المشاهد معاييره الأخلاقية والقيمية ليتبنَّى وجهة نظر المعالجة".

 

وأكد سيف أن القضية الفلسطينية تستحق الكثير من المعالجات الدرامية، وتمثِّل منبعًا غنيًّا لا ينضب للعمل الدرامي، وأنه يستغرب تقصير الدراما العربية في تصوير المأساة الفلسطينية كما يفعل الصهاينة في استثمار المحرقة وإعادة إنتاج مأساتها لاستخدامها سياسيًّا وإضفاء الشرعية على الاغتصاب الممارَس في فلسطين؛ الأمر الذي نجحت فيه هذه الآلة الإعلامية واستثمرت تلك الجريمة لإنتاج جلادها مرة أخرى.

 

واستطرد أن الإعلام لا يقوم بدوره فقط تجاه القضية، بل إنه يفككها من مضمونها وواقع اغتصاب الأرض والتاريخ، ويحوِّلها من قضية عدو إحلالي استيطاني إلى قضية تنازع على الحقوق بين جماعات قومية حدث اتفاق على وجودها في الأرض نفسها، وللأسف يحدث ذلك من خلال الإعلام العربي نفسه؛ حيث يُعاد تعريف المنطقة وتسميتها بين الأمة العربية والشرق الأوسط وغيرها من المسمَّيات وفقًا لعملية سياسية مخططة؛ عملية لا بد ألا تؤثر في فكر المثقف العربي أو تُسقط الرواية العربية التاريخية التي تدور حول أصل القضية.

 

وأكد سيف أن مهمة المثقف والروائي هو الحفاظ على حدود الوطن الفلسطيني التي تختلف كثيرًا عن حدود الدولة الفلسطينية؛ فنحن لا نتنازع على الأرض فقط، ولكن على الذاكرة التاريخية، أي على المستقبل القادم.

 

 الصورة غير متاحة

محمد فاضل وأسامة أنور عكاشة

وانتقد أسامة أنور عكاشة الحكام العرب وتفكُّكَ الوحدة العربية باعتباره السبب الأول لما تعانيه فلسطين؛ الأمر الذي ينعكس على الدراما، مؤكدًا أن القضية ليست ما ضاع من فلسطين، ولكن ما بقي من فلسطين، وأنه لا يتوقَّع من الحكومات العربية، سواء المصرية أو القطرية أو الخليجية، أن تُنتج تلك الأعمال، وأن العالم العربي لا يوجد به منتجون مستعدون لوضع أموالهم في عملٍ يتحدَّث عن مستقبل فلسطين.

 

وكشفت فردوس عبد الحميد عن مواد درامية مكتوبة حول فلسطين على مدار العشرين عامًا السابقة، إلا أنها لم تجد جهةً تقبل تنفيذها وأصبحت كأنها شيء لم يكن، وذكرت أنها اجتمعت مع السفير الفلسطيني والزعيم الراحل ياسر عرفات وتحدَّثوا عن مشكلة عدم توفر الإنتاج ووعداها حينها بالبحث عن مصدر إنتاج لأعمال تتحدث عن فلسطين.

 

وأكد المخرج محمد فاضل أن الأجيال الحالية يتم تضليلها والتعتيم عليها  على عكس الأجيال السابقة التي كان يتاح لها الحرية والمعرفة؛ فالتكنولوجيا اليوم تُستغَل للتعتيم الإعلامي على الأجيال التي لم تعايش سنوات الحرب ولم تلتحم بالعدو، وهذا هو هدف الصهاينة الذين لم يعودوا يخشون إلا الأجيال القادمة ويرغبون في قتل القضية في عقلوهم، وواجبنا الآن هو الحفاظ على تلك القضية تتمتع بالحياة في عقول ووجدان شبابنا وأطفالنا من خلال الدراما.

 

وحول نظرة السينما لفلسطين قال الكاتب الصحفي محمد الروبي: "إن الخطأ السينمائي تجاه فلسطين قديمًا يصوِّرها دائمًا مجرد خلفية لقصة حب ميلودرامية يمكن أن تستبدلها بسهولة بحادثة سيارة؛ ففي عام 1949م تم إنتاج أول فيلم يتناول القضية الفلسطينية، وكان اسمه "نادية"، ومن لحظة تنفيذ هذا الفيلم تحوَّلت القضية الفلسطينية إلى خلفية وسبب درامي لـ"حدوته" سينمائية".