أنا طبيب أسنان، تخرَّجت في الكلية منذ أربع سنوات، وتبدأ قصتي في الثانوية العامة عندما أجبرني والدي على دراسة (الأحياء) لأتمكَّن من دخول كلية الطب لأحقِّق حُلْم العائلة أن يكون أحد أبنائها (دكتورًا) ويسبق اسمه حرف الدال، ويا له من حرف! فما أشدَّ ما لاقيتُ من أجل حرفٍ!.
وبعد تفوقي في الثانوية العامة لم أكن أعلم أين أذهب أو ماذا أريد؛ فلا أنا أرغب في دخول كلية الطب التي يريدها لي أبي، كما أني أجد في نفسي حبًّا للرياضيات وعشقًا للقراءة في الأدب والتاريخ، ولم يكن لأهلي ميل لكلية الهندسة، كما أن الأدب والتاريخ "ما يأكلوش عيش" بتعبير أهلي فأين أذهب؟!
فأمسكت العصا من الوسط- أو هكذا تخيلت- ودخلت كلية طب الأسنان، والتي لاقيتُ في دراستها معاناةً يعلمها الله، "وكنت أحصل على جيد بالعافية"، ومضت أعوام الكلية ثقيلة كئيبة حتى تخرَّجت وقضيت الامتياز والتكليف و(تشرَّدت) كما هي العادة في الأطباء الصغار، ومضى عام وراء عام، وها أنا أعمل طبيب أسنان في عيادة في مكان طيب ودخلها معقول، لكني لا أطيق نفسي، وكلما مرَّ عليَّ يوم ازددتُ بغضًا لهذه المهنة، حتى إني لا أكاد أطيق القراءة في أي كتابٍ أو بحث يخص طب الأسنان، وما زلتُ أعشق القراءةَ في التاريخ والسياسة، ولي بعض التجارب في كتابة الخواطر والقصة القصيرة وشيء من الشعر، وكل ذلك لا علاقةَ له بطب الأسنان.
لا أعرف ماذا أفعل؟ حتى لا أعرف كيف أغيِّر مهنتي؟
وجزاكم الله خيرًا، والسلام عليكم.
يُجيب عن الاستشارة د. حاتم آدم- الاستشاري النفسي في (إخوان أون لاين):
ابني العزيز الغالي.. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
الهدف من المهنة- في علم النفس- أمران:
الأول: التكسب وإعالة النفس، ويعتبر الفرد أو الإنسان مراهقًا وغير ناضج إذا كان فاقد القدرة على إعالة نفسه.
الثاني: تحقيق الذات وإثبات وجودها والتفاعل معها لإنتاج أو إخراج أقصى ما يمكن من الإبداع والطاقة.
وأنت قد افترق الأمران عندك ودخلت في لخبطة وصراع "على الفاضي" ومن لا شيء.
لماذا لا تتكسب قوتك من طب الأسنان وتُثبت ذاتك في غير طب الأسنان؟! وأنا فعلت مثلك؛ فأنا طبيب ولكني أهوى الأدب والشعر والبحث في الدين، وكل هذا أشبع لي ذاتي، ولكنه لم يشبع ولن يشبع أولادي الستة، والدنيا الآن واسعة في عينك؛ لأنك لا تعول، وستتغير النظرة إذا تزوجت وأصبحت تعول.. لحظتها ولحظتها فقط ستترحَّم على والدك وكل من دلك على طريق كسب العيش.
ابني الحبيب.. "المرمطة" بين دور النشر والمطابع والناشرين وخاطفي الفكرة وقراصنة الأفكار في مصر كفيلةٌ بأن تُخرج من نفسك كل حبٍّ للأدب والقصة والشعر، فضلاً عن أنها إذا كانت مهنتك وأكل عيشك فستضطر لحظتها إلى أن تتنازل لرغبة الناشر أو مخرج الفيلم في أن يُخرج العمل على هواه، وأظنك لحظتها ستُفكِّر في عملٍ آخر أو تبيع ذمتك أو أفكارك.
آخر نصيحة: أرجوك يا ابني الحبيب ألاَّ تشتري النكد، واعلم أن المرء بيده هو لا بيد غيره إسعاد نفسه أو إحزانها.
والسلام..