كم كان مبكيًا مشهد ذاك الطفل الفلسطيني القابع على سريره يصارع الموت وأفراد أسرته يتناوبون على ضخ الأكسجين الاصطناعي عبر قطعة مطاطية، وزعماء العرب يراقبون المشهد دون أن يتحرَّك لهم جفن.
أكثر من مليون ونصف المليون فلسطيني يحاصَرون ويُسجَنون بأيدٍ فلسطينية، عربية، صهيونية، أوروبية، أمريكية، في حادثةٍ لم تشهد البشرية لها مثيلاً؛ لا لشيء سوى أنهم شعب أبيّ أبى أن يعترف بشرعية الاحتلال رغم كل الضغوط والوسائل القذرة التي مورست عليه دون أن يتحرَّك زعيم عربي واحد تجاه هذه القضية سوى التحرك العاجل لرئيس جامعة الدول العربية السيد عمرو موسى؛ لا لغزة ولكن لتسوية ما في موضوع التمديد للرئيس عباس خوفًا من فراغ دستوري كما يقول، لكن السؤال: "هل الفراغ الدستوري حرَّك مشاعر السيد عمرو موسى ومن أطلق له العنان بالتحرك ولم تحرِّك مشاعره تلك المشاهد؟!.
ثم لماذا كل هذا التحرك لعباس وزمرته طالما أنه يُصدر كل يوم فرمانًا يقضي بتحديد مواعيد الانتخابات وصلاحيات المجلس التشريعي ويلغي المقاومة ويزج بكوادرها في السجون طالما لديه كل هذه القدرة والصلاحيات؟!
الجواب وببساطة: الكل يعرفه، وهو أن السيد عباس وزمرته يدركون جيدًا أنهم لا يملكون جزءًا يسيرًا من الشرعية وأن الشعب الفلسطيني لفظهم في الانتخابات التشريعية السابقة وسيلفظه كمرشح لرئاسة السلطة في الانتخابات الرئاسية، لكن رغم كل هذه المُعطيات التي يملكها عباس وزمرته، إلا أنه ما زال يستقوي بحلفائه على حماس، فتراه يحاول فرض الشروط على حماس لاستئناف الحوار، ولعل أبرزها:
- رفضه جلسة مصارحة تسبق جلسات الحوار.
- إصراره على حضور الجلسة الافتتاحية للحوار وجلوسه إلى جانب وزير المخابرات المصرية وبعض وزراء الخارجية العرب وإلقائه كلمة الافتتاح ويرحل، أما مشعل وفريقه- والذي يمثل الشرعية- فعليه أن يجلس في الغرف المغلقة ليُحاور فصيلاً كالشعب أو الديمقراطية أو النضال التي بالأساس لا يوجد أي خلاف بينها وبين حماس، إنما أصل الخلاف بين حماس وفئة من فتح ذات أجندة أمريكية.
- إصرار عباس على نفي وجود معتقلين سياسيين، واعتبار كوادر حماس والجهاد أناسًا خارجين عن القانون؛ لأنهم يحملون السلاح في وجه العدو، وبالتالي رفضه السماح لوفد حماس الضفة بالخروج إلى القاهرة لحضور جلسات الحوار.
- أما النقطة الأهم هي إصراره على التوقيع على الاتفاق أولاً، ثمَّ مناقشة القضايا الخلافية، وهذا ما ألمح إليه السيد مشعل في لقائه مع عمر موسى حين قال له إن السعودية جمعت أطراف الخلاف في لبنان نهاية الثمانينيات في الطائف مدة شهر كامل لحل القضايا العالقة، ومن ثم تم التوقيع على الاتفاق، فلماذا لا تتكرر هذه الحالة على الساحة الفلسطينية والتي أطراف الخلاف فيها اثنان فقط.
أسئلة كثيرة تبقى للسيد عباس الذي سيدعو إلى انتخابات رئاسية وتشريعية متزامنة- كما قال- في الضفة وغزة؛ ننتظر الإجابة عليها في التاسع من يناير 2009م موعد الانتخابات الرئاسية الجديدة وما ستئول إليه الأمور.