مرت إحدى وعشرون سنة على إعلان قيام منظمة مقاومة إسلامية؛ تحمل همَّ الأمة، وتذود عن حياضها، وترفع الحرج المتواصل عن رجولة الأمة المدفونة منذ زمن سقوط الخلافة وغياب عنصر القوة العملاق في وجه أقزام الأمم وصعاليكها، كانت النتاج السليم، والابن البار، والنبت الصالح.. لدعوة ملأت الأرض وعمَّتها، ولا تزال تتنقَّل من انتصارٍ إلى انتصارٍ، ومن إنجازاتٍ إلى إنجازاتٍ، ومن اتساعٍ إلى ما هو أوسع منه، فكانت حسنة الوِجِهَة والقبلة، وَبَنَت البناء القويم والعنيد في وجه أحفاد القردة والخنازير وأعوانهم ومن يسير في ركبهم.

 

إن قيام حركة المقاومة الإسلامية حماس في زمن العفن المالكي والعجرمي والفيَّاضي، ومن يتلاعب بهم كالعرائس من أمثال عباس وقريع، وبمؤاخاة عريق الخيانة والنفاق دحلان وحلس وغيرهم.. له ما له من المزايا والإنجازات، وعليه ما عليه من الواجبات والحقوق.

 

وبنظرة أوسع وأشمل وأوضح؛ يمكن القول بأنه منذ قيام "حماس" أصبح هناك معنى لمقاومةٍ انتقلت من فلسطين إلى خارج الوطن، ومنها إلى كراسي ومقاعد ومناضد المفاوضات الهزلية والعبثية العفنة، وأصبحت خيوط اللعبة بين أيدي الأعداء وخيانة المتلاعبين والخونة والمنافقين و"المصلحجية الشَخْصِيِيِنْ..".

 

وتعتبر هذه الانطلاقة بمثابة الخنجر اللاذع والشوكة الشديدة والخطيرة في ظهر وخنصر وخاصرة العدوّ ومواليه على المستوى الإقليمي والعالمي، كما أنها تمثل عودة الروح التي كادت أن تموت وتغوص في أعماق الخيانات والانكسارات والعبث التفاوضي الممجوج.

 

ومن جهة أخرى فإن هذا الانبعاث المجاهد أصبح من أساسيات المسرح العسكري والواقعي؛ الذي أعاد التوازن المفقود والرعب المطلوب، والذي لا يفهم غيرَه أفاعي اليهود وخنازيرُهم.

 

وأعتقد أن النجاح السياسي- والمتمثل في التفاف الجماهير ليس في فلسطين وحدها وإنما في الأمة بأسرها- إنما هو تتويجٌ لذلك النجاح العسكري والاجتماعي ومن قبلهما الديني، لجماعة ما وهبت ولا ضحَّت إلا في سبيل هدف أسمى وغاية عظمى؛ لا يتفهَّمها إلا من تربَّى على فهم الدين ومغازيه وأخلصَ لربه وعمل وجاهد وضحَّى لأجل دينه وغلَّف ذلك بكثير من التجرد والثبات والأخوَّة والثقة فيما عند الله، وأطاع القادة طاعةً لرب القادة واقتداءً بنبيِّهم وهديه الكريم والقويم.

 

ولقد أصبح من المسلمات التي لا لبس فيها لكل ذي عقلٍ ولبٍّ قويم أن تصحيح الأوضاع في غزة بعد حركة التصحيح والتمحيص المباركة التي قامت بها حركة حماس؛ إنما هو حركة الفضيحة الكبرى لمن لبس ثوب الجهاد وهو من أخبث الخبثاء، وتغطَّى برداء المقاومة وهو من أشدّ العملاء، وتحدث بلسان المجاهد العامل وهو من ألدِّ الأعداء.

 

كما أن الصمود والثبات المتواصل- على الرغم من عودة شِعْبْ أبي طالب- إنما هو الدلالة الواضحة والقوية والبيِّنة على أن أهل الحق قد تخندقوا بخندقه وتحصَّنوا بحصنه ضد خنادق العداء والنفاق والخيانة التي انتشرت وتفشَّت في ربوع الأرض وجنبات الكون؛ حتى إنه لم يسلم منها من كان من المفترض أنه الناصر والمعين والأخ والصديق؛ بحكم الشرع والعرف والجيرة والعِرْقْ والصُلْبْ.

 

وأخيرًا وليس آخرًا.. إن قيام حركة مجاهدة؛ تحمل النهج الإسلامي والهمّ الإسلامي والأمل الإسلامي المأمول؛ إنما هو بشرى البشريات بأن الفجر قد لاح، وأن نور الصباح قد اقترب، وأن المجد والعودة لعزته قد وُلِد وفُطِم، وأصبح عصر شبابه هو الغائب المنتظر منذ زمن غيابه وأفوله البعيد والتعيس.

 

وعلى الجانب الآخر فإن هذه المزايا والميزات والإنجازات والمكتسبات جعلت الواجبات والحقوق عظيمةً وخطيرةً؛ لدرجة أنها أصبحت هي الأمل المأمول لقيام الخلافة وعودة الأستاذية لأمة ما خُلِقَتْ إلا لتكون لها الخيرية والقيادة والريادة والسيادة، ومن هذه الواجبات ما يسمَّى بواجب "الفرض" وهو الجهاد والمقاومة، بل وقيادتها في وسط أمواج تعجّ بها وتعلوها أمواجٌ من جبال الخيانة والعمالة والانكسار والنفاق، كما أن عليها أن تغلِّف صمودها بمزيدٍ من الصمود والثبات؛ فإنما النصر صبر ساعة، ولقد مرَّ منها الكثير ولم يتبقَّ منها إلا البسيط اليسير، فإنهم يرونه بعيدًا ويراه المسلم صحيح العبادة سليم العقيدة قريبًا؛ مصداقًا وتصديقًا لقوله تعالى: ﴿أَلاَ إِنَّ نَصْرَ اللهِ قَرِيْبٌ﴾ (البقرة: من الآية 214).

 

وعلى حماس أن تجعل العقل والتعقُّل هو المنهجية الطبيعية المتواصلة والمستمرة مع منافقي الضفة ومتمرِّدي المقاطعة الذين يشنّون الحرب على المقاومة والمقاومين؛ إما بالتقتيل أو بالاعتقال أو بالتسليم لأعداء الدنيا والدين، وهذه السياسة التعقُّلية أصبحت من "الفرائض" التي يقتضيها الواقع والحاضر؛ تفاديًا لحرب أهلية تُنهي البعض بالبعض، وتجعل حياة العدو والمغتصب والمنافق وفقًا لما رسموه وخطَّطوه من أمنٍ وأمانٍ، في ظل الدم الفلسطيني المسلم المراق بين فصائل وفرق متناحرةٍ ومُهْلِكَةٍ لبعضها ولنفسها.

 

وفي النهاية.. على حماس أن تستمر وتتواصل على الساحة بنفس النهج وبنفس الأسس والقيم والمبادئ، وألا تترك المكتسبات التي اكتسبتها من خندق الباطل ومواليه؛ عندها يكون النصر قد اقترب، وسيادته قد لاحت، وعصره وعبيره ونسماته أصبحت بين قوسين أو أدنى، ولعلنا نكون من أهله.. وأصحابه.. ومعايشيه.. ومعاصريه.. ومؤيديه.. وقبل هذ وذاك من صانعيه.. إنهم يرونه بعيدًا ونراه قريبًا.