نسمع طرقات موسم الامتحانات، ودومًا تبدأ طرقاته باستحياء، ثم تزيد وتعلو حتى نضطر اضطرارًا إلى فتح بيوتنا، فيحلّ علينا ضيفًا وقد عانق أولادنا عناقًا لا يستطيعون منه فكاكًا، فعلينا أن نتلطَّف مع فلذات أكبادنا حتى تنقضي فترة وجود هذا الموسم معنا على خير.

 

ومن الأمور الأساسية هدوء الوالدين، والتعامل مع هذا الضيف بحكمة؛ فالأولاد بين يدي هذا الموسم العنيد، فعلينا ألا نزيد توتّرهم بتوتّرنا، ولا نحمِّلهم عبء قلقنا فوق قلقهم، فيكفيهم ما يعانون، فنهدّئ من روعاتهم، ونذكرهم بأن هناك امتحانًا أكبر وأقسى؛ يوم لقاء الله سبحانه وحسابه لنا على ما فعلنا وما قدمنا، ونأخذ من تصرفاتهم المثل على ما نريد إيصاله لهم من معلومات عن هذا اليوم.

 

فمثلاً.. أحدهم يأتي لطلب دروس في مادة معينة حتى يتيسر أمر فهمها والإجابة بيسر عن أسئلتها، وكذلك القرآن الكريم والسنة النبوية، فستكون هي مادة أسئلتنا؛ فكذلك يجب علينا قراءتها والاستعانة بأهل العلم لنفهم ما يستعصي علينا، ثم تعاد القراءة بفهم وتدبُّر مع التدريب على التنفيذ والعمل، وكما نردِّد الشعر لنحفظه حتى نستطيع أن نكتبه على ورقة الامتحان عند طلب ذلك ليزداد تفوقنا.. كذلك نردِّد الآيات ونحفظها حتى نتلوَها في الآخرة فترتقي بنا.

 

ونوضح لهم أهمية تطبيق ما يدرسون؛ حتى ننهض بأمتنا، وأن من يردِّد ولا يطبِّق فهو وقت ضائع لا أهمية له ولا قيمة، وكذلك منهج الإسلام عندما ابتعدنا عن تطبيقه؛ بالرغم من أن نصوص القرآن محفوظة إلا أننا وهي كالحمار يحمل أسفارًا، ونقارن لهم بين مجتمع يردِّد ولا يعمل؛ فأصبح من المجتمعات المتخلِّفة، ومجتمع يردِّد ليعمل فواصل إلى تكنولوجيا متطورة فائقة.

 

إن هذا الجانب وتبسيط معناه مهمٌّ جدًّا لأولادنا، ثم نهوِّن عليهم أمرَ امتحان الدنيا، ونطلب منهم أن يكرِّروا على قلوبهم قول الله تعالى: ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلاَّ مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا﴾ (التوبة: من الآية 51)، فهو يهدِّئ الأعصاب، ثم عليهم بالدراسة والفهم والتدريب على حلِّ الكثير من الأسئلة حتى يتدرَّبوا على جوِّ الامتحان فلا يرهبهم عند مواجهته، وهذا بالتجربة فإن التدرب على حلِّ الكثير من الأسئلة يوضح المبهم ويجعل أولادنا يركِّزون على المطلوب، ويهتمون بالأجزاء المهمة.

 

أيضًا يجب أن تزيَّن جدران البيت بآيات يكتبها أولادنا بأنفسهم؛ مثل ﴿رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي﴾ (طه: من الآية 25)، وبعض الأدعية المأثورة عن النبي صلى الله عليه وسلم مثل "ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم"، ومثل "أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ"، ونطلب من أولادنا الاهتمام بالصلاة في مواعيدها، وقراءة وردهم من القرآن الكريم بين كل مادة وأخرى، أو بين كل امتحان وآخر أما صلاة ركعتين قبل الفجر فهي ستكون سكينة تنزل عليهم.

 

وتحضرني قصة أم درَّبت ابنتها- وقد كانت في الثانوية العامة- على قيام الليل والاستعانة بالله مع المذاكرة والتحصيل الجيد، وتروي الأم أن ابنتها في ليلة الامتحان أصرَّت على قيام الليل أيضًا فأشفقت عليها الأم، وكادت تطلب منها أن تنام هذه الليلة حتى لا ترهق بدنها، ولكنها قالت إن الله سيعينها، ولا يمكن أن أطلب منها ترك طاعة اعتادت عليها، وكانت النتيجة مذهلة فقد حصلت الابنة على حوالي 99% وهي ما لم تتوقعه الأم ولا الفتاة، والغريب في الأمر أن الفتاة دخلت الكلية التي كانت تتمنَّاها، وبدلاً من شكر الخالق والاستمرار على ما كانت عليه من علاقة طيبة شاكرة لله تركت النوافل وضعفت علاقاتها بالقرآن فكانت النتيجة غير موفقة حتى تداركت الأمر، وتأكدت أن التوفيق من الله؛ مع التحصيل والأداء. 

 

﴿وَمَا تَوْفِيقِي إِلاَّ بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾

(هود: من الآية 88).. عبارة رائعة تبعث الحياة في الموتى، وإشعار الأولاد دومًا أن يكونوا قريبين من المولى؛ فنحن معهم أثناء دراستهم، ولكن عند باب اللجنة سنتركهم، ولكن الله معهم في الدراسة وفي داخل اللجنة بل وفي داخل ورقة الامتحان، فلا بد أن يكون اتصالهم بالله اتصالاً قويًّا؛ حتى لا يشعروا بوحشة أو خوف ينادونه أينما شاءوا، يجدونه بجانبهم وكذلك الدنيا، فعند الموت لا بد للفرد أن يترك من حوله من العبيد ولكن الله يكون معه عند دخول القبر وعند سؤال الملكين، 
وعند فناء جسده وعند البعث وعند سؤال الملكين؛ فعلاقته بالله لا بد أن تكون من أقوى العلاقات فهو معه في كل حين ووقت ولا يتركه أبدًا.

 

بهذه الكيفية سنحاول مع أولادنا النجاح في الاختبار المؤقت والاختبار الخالد الدائم.

 

وعلى الوالدين تقليص الاحتكاك الشجاري بينهما؛ حتى لا يكون سببًا في توتر أولادنا في هذه الفترة العصيبة المهمة بالنسبة لهما وفرصة يعتاد فيها الوالدان على الوئام والوفاق والمودة والرحمة، وليت الأم تحرص على الوجبات غير الدسمة غير المثقلة لأولادها، وهذا أمر معلوم من أجل زيادة التركيز والتحصيل، وأهم الأمور أن نضع لأولادنا هدفًا كبيرًا يكون سببًا لزيادة اجتهادهم وتفوقهم؛ مثل أن تكون لهم مكانة عليا من خلالها يحرصون على أن تكون كلمة الله هي العليا ومن خلالهم يكون حكم الله منفَّذًا في الأرض، ويا له من تشريف!! وستمر الساعات سريعة ولا بد من تخفيف عناق موسم الامتحانات لأولادنا، وسترتخي ذراعاه بل سيتركنا مودعًا إلى حين، وسيعدنا بلقاء قريب، وسيجدنا دومًا إن شاء الله جاهزين مشمِّرين، على العهد باقين.