استضافت قناة (الجزيرة) الفضائية في حوار مباشر مساء أمس السبت الأستاذ خالد مشعل رئيس المكتب السياسي لحركة حماس؛ حول الحرب الصهيونية التي بدأت صباح نفس اليوم وأدَّت إلى جرح المئات وارتقاء أكثر من 210 شهداء وقتها.
وتناول الحوار قضايا ذات علاقة بهذه الحرب؛ من قبيل موازين القوى وإستراتيجية حماس، والأدوار المطلوبة من الجامعة العربية والسعودية ومصر، ومستقبل العلاقة مع السلطة وحركة فتح وغيرها.
ولعل أحد الدروس البارزة من هذا الحوار يتمثَّل في التعاطي العقلاني الهادئ، مع وضعٍ يتفجَّر بالدماء والآلام والعذابات لحماس وشعبها، وعدم تخوين أي طرف فلسطيني أو عربي حتى ممن ثبت تعاونهم الأمني مع الاحتلال، وتأكيد دور مصري متوازن (برغم الحملات التحريضية الهوجاء التي شنَّتها الحكومة على حماس، والحديث في الصحف العبرية عن ضوء أخضر مصري ومطالب بجزّ رءوس قادة حماس)!.
درس للأنظمة
وسيرًا على نهج الرجل الذي يجب أن ينال لقب "رئيس الشعب العربي" في التحليل الهادئ للأمور والنظرة إلى المستقبل بنظرةٍ مؤمنةٍ يمكننا طرح المعطيات التالية:
إن الحرب النازية الصهيونية التي تجيء في إطار البحث عن تهدئة وحصار طويل الأمد تقع في درجةٍ وسط بين الخنق الكامل المميت والسماح بمرور نسبة ضئيلة جدًّا من الاحتياجات الغذائية؛ تهدف إلى وضع قطاع غزة في "حوصلة"؛ من أجل كسر إرادة الشعب الفلسطيني وصمود مقاومته، ومن ثم تحقيق هدفين بتصويبةٍ واحدة؛ الأول: انتخابي، ويتمثَّل في تحقيق مكاسب ميدانية تنعكس انتخابيًّا لصالح حزب "كاديما" في الانتخابات الصهيونية المقبلة، والثاني: إطلاق مفاوضات ثنائية "سرية أو علنية" دون أية مرجعية بين تل أبيب وسلطة الرئيس عباس؛ تتجاوز قرارات الأمم المتحدة وتحقِّق تسويةً مقبولةً لأطياف وجماعات التجمع الصهيونية في فلسطين.
ويجب التذكير بأن المشروع الصهيوني على أرض فلسطين هو مشروع احتلالي غربي منذ بدايته، وأبو الصهيونية تيودور هرتزل نفسه لم يُخْفِ هذه الحقيقة عندما كان يطالب بمغتصبةٍ لليهود في سيناء أو قبرص أو الأرجنتين أو أوغندا؛ حتى توصَّل مع أسياده الأوروبيين إلى أن دعوى الشعب المختار ستكون بمثابة "سحر الأسطورة" التي ستخلق قاعدةً غربيةً قويةً في قلب الأمة الإسلامية؛ تسعى دائمًا إلى إعلان الحرب على أمتنا وتُعيق وحدتنا ونهضتنا الإيمانية والمادية.
والحرب الجديدة تؤكد أن دولة الاحتلال ترتكز على فلسفة سياسية قائمة على الترحيل والإبادة من أجل إقامة دولة نقية لليهود فقط، وتدَّعي حق الاستئصال العضوي والمعنوي للمقاومة الوطنية والإسلامية التي تسعى إلى تقرير مصير شعبنا الفلسطيني.
وبالتالي فإن أول درس يمكن استخلاصه من هذه الحرب يتمثَّل في عدم الانسياق وراء الادِّعاءات الأمريكية بأن حماس هي سبب العنف؛ على اعتبار أن المقاومة هي تعبيرٌ ناصعٌ عن ضمير كل العرب والمسلمين والأحرار في العالم المحبِّين للعدل والرافضين للظلم، وأن سياسات الكيان الصهيوني هي السبب الحقيقي للصراع، وتمثِّل العقبة الأساسية التي تحول دون تحقيق العدل والسلام والاستقرار والتنمية في منطقتنا العربية والإسلامية، وما عدا ذلك فهو من قبيل الخيالات والأوهام.
شعوبنا التي لا تُهزَم
هذا الدرس يجب أن يؤمن به رؤساؤنا ويضعوه كـ"الحَلَق" في آذانهم!، أما الشعوب فمهما قيل عن أن انفعالها وقتي بالأحداث، وأن حماس تريد التلاعب بها لمصالحها الدينية والسياسية؛ فإن وعيها المتطور بالقضية وحركتها الاحتجاجية عند وقوع المجازر ودعمها المستمر من قوت أبنائها رغم سياسات الإفقار؛ يؤكد ثقتها بأن ما تقوم به دولة الاحتلال لن يختلف كثيرًا عما قام به الصليبيون والتتار إزاء أمة المسلمين.
ويفسِّر في نفس الوقت لماذا لم تعلن هذه الشعوب هزيمتها؛ حيث إن لديها وعدًا ربانيًّا بالنصر على عدوهم.. وعدًا صادقًا لا ريب فيه، وسنة قدرية لا تتخلف، فقال تعالى: ﴿إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ﴾ (غافر: 50).
ولعلَّ ما يقوم به الكيان الصهيوني من جرائم بحق الإنسانية في قطاع غزة والقدس وسائر أرض فلسطين ويحظى بالرعاية والدعم والحماية من حكومات غربية وأوروبية؛ سوف يدفع الفلسطينيين إلى الإسراع بالخطى نحو وعد الله تعالى بالنصر لهم؛ وذلك بعدما تأكدوا أن استعجال النصر لا بد له من عُدَّة إيمانية ومادية، حتى ولو خذلتهم أنظمتهم التي يتشابه وضعها مع وضع الدول الإسلامية وقت الهجومين التتري والصليبي على أمتنا.
أين أنتِ يا مصر؟!
إن رئيس الشعب العربي في كلمته تحدَّث عن حقيقة مهمِّةٍ يجب أن تكون في أذهان النخبة السياسية والمثقفة بمصر، وتتمثَّل في أن دور مصر الإقليمي يجب أن يكون معبِّرًا عن طموح الشعوب العربية في المنطقة؛ لا أن يكون دورًا غائمًا أو من غير المعروف على أي أسس يتحرك في سياسته الخارجية.
وهنا ينبغي التذكير بأن هذه الحرب قد جاءت بعد إطلاق ليفني تهديداتها لغزة من على أرض مصر، وتزامنت أيضًا مع حملات تحريضية ضد حماس، وحملة اعتقالات في صفوف الإخوان؛ حتى وصلنا إلى درجة عالية من التلاعب بالعقول والعواطف، وقاربنا على تصديق الكذب المفضوح الذي يروِّج بأن الإنسان قد عضَّ الكلب، رغم أن الحقيقة تؤكد أن الكلب دائمًا هو الذي يعض الإنسان!.
لقد واجهت المقاومة الإسلامية والحكومة الفلسطينية الشرعية اتهامات عدة من الإعلام الحكومي؛ مثل: التبعية لإيران أو سوريا، الانقلاب والتخطيط للسيطرة على الضفة، إقامة إمارة إسلامية والتطلع نحو سيناء، اللعب بالرأي العام المصري وحشده ضد الحكومة المصرية، وتزامن ذلك مع حملة اعتقالات للناشطين ضد الحصار على غزة.
وفي صبيحة يوم الحرب قامت دولة بحجم مصر بإصدار تعليماتها السيادية المكرَّرة حول استقبال كافة الضحايا من المصابين عبر معبر رفح، وتقديم الرعاية الطبية اللازمة لهم بالمستشفيات المصرية.
آن الأوان لطرح السياسة الخارجية المصرية والدور الإقليمي لمصر عمومًا وفي القضية الفلسطينية خصوصًا للنقاش المجتمعي الحر من أجل الإجابة على تساؤلات من قبيل: هل لدينا رؤية مستقلة لتحقيق السلام في مواجهة مشروع صهيوني أمريكي يريد التطبيع قبل السلام وفك الارتباط بين قرارات الشرعية الدولية وبين التسوية؟ وما ملامح الدور المصري الإقليمي؟ وهل أصبح خاضعًا للرؤية الأمريكية وسلَّم للكيان مفتاح القيادة في المنطقة؟!
أضعف الإيمان
في هذه اللحظة التاريخية يجب ألا تكون الدولة المصرية سيفًا مصلتًا على رقابنا، أو بوقًا يخدعنا ويتلاعب بنا؛ بل يمكنها استغلال الاحتجاجات الشعبية المنظَّمة كرصيد للقوة بدلاً من إهدارها وتبديدها في كل مرة، وبالتالي فهي مطالبةٌ بوقف قمعها للتظاهرات وحملات التبرع، وأن يتوقف بعض موظفيها عن اعتقال وتعذيب النشطاء، وكذلك أن يصمت هؤلاء (اللاهثون) عن دعايتهم وتُرَّهاتهم الإعلامية القائلة إن حكومة غزة تستغل التعاطف الشعبي لمصالحها التوسعية والأيديولوجية؛ لأن كل الأحزاب والحركات الشعبية والشبابية من مختلف التيارات لا يمكن التلاعب بها، فضلاً عن أن المقاومة تستحق الدعم ولا تجده حتى تنفقه على أحد.
إن مصر- ثورة عبد الناصر وأكتوبر السادات وطابا مبارك- ليست أقل من أن تتخذ موقفًا قويًّا كموقف شخص واحد؛ هو البروفسور الأمريكي اليهودي ريتشارد فولك المقرر الخاص للأمم المتحدة لحقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية؛ الذي صرَّح بداية الشهر الحالي بأن ممارسات دولة الاحتلال ضد الفلسطينيين ترقى إلى مستوى "جريمة ضد الإنسانية".
عهد الوفاء لجمهورية الشعب العربي!
وختامًا.. فليردِّد القُرَّاء معي عهد الوفاء لجمهورية الشعب العربي؛ التي نحملها داخل قلوبنا وتزيدنا حبًّا لأوطاننا وأمتنا: أقسم بالله العظيم أن أظل وفيًّا لوطني وديني وأمتي، وأعاهد الله تعالى أن أقتديَ برسولي صلى الله عليه وسلم وأجاهد بمالي، وأنصر شعب فلسطين حتى يتحقق نصر الله الموعود.