ها هي حماس تطوي صفحات عامها الثالث، بعد مشاركتها الأولى في الانتخابات التشريعية الفلسطينية.. صفحات خطت سطورها بمداد من العقبات والتحديات؛ فمنذ اللحظة الأولى لتوليها الحكم كاستحقاقٍ لفوزها الانتخابي، ونُذُر التضييق على الشعب الفلسطيني باتت تلوح في الأفق؛ حُشدت كل الجهود، وتداعت الأطراف من كل حدب وصوب حمّالةً للحطب، والطريق المستهدفة هي التي ارتضتها حماس لنفسها، والهدف الضمني الواضح مفاده: إسقاط حكم حماس، أو إثبات فشله حتى يتم إسقاطه جماهيريًّا.

 

ملخَّص ما أقدم عليه خصوم حماس يمكن التعبير عنه بالحصار متعدد الأشكال والأوجه.. بدأت أحوال الفلسطينيين تزداد سوءًا، ودائرة الأزمة تتسع، والكل ينتظر بل يترقب لحظة سقوط حماس، وعلى غير ما تُكِنُّه أنفس الخصوم، وتتنبأ به عقول المحللين، أتى الرد صلبًا من حماس، لا يعكس ما شُخِّصت به من ضعفٍ ووهنٍ نتيجة الحصار، هذه الرسالة وصلت حين أكملت حماس سيطرتها على القطاع.

 

تهدئة من طرف واحد

من يحكم في غزة منذ تلك السيطرة هو حماس، فاستمرَّ الحصار بصورة أقسى وأكثر إحكامًا، ونفس نظرة الترقب التي كانت سائدة قبل سيطرة حماس، استمرَّت بعدها، متى ستسقط حماس؟ عقدت التهدئة مع الجانب الصهيوني، فأظهرت أنها إن قالت فعلت، وقد أظهر الإعلام الصهيوني اندهاش قادة الكيان الصهيوني من قدرة حماس على ضبط الأمور، رغم حالة الحصار والتضييق، ورغم أن التهدئة كانت مطبقةً عمليًّا من طرفٍ واحدٍ، هو الطرف الفلسطيني، إلا أن حماس أبدت التزامًا واضحًا بها، إلى أن انتهت في هذا الشهر.

 

الآن.. نحن نعيش مرحلة ما بعد انتهاء التهدئة.. الصورة في قطاع غزة أبلغ من أية كلمات، مشاهد الدمار وصرخات أمهات الشهداء ومشاهد عدة تبيِّن حجم الهجوم الصهيوني، في ضوء الخلفية السابقة التي أوضحناها.. ما أسباب التصعيد؟ وما أهدافه ورسائله؟ وما حدود الهجوم؟

 

باختصار.. يمكن القول إن أسباب التصعيد هي الآتي:

- فشل الحصار، وبقاء حماس.

- انتهاء التهدئة.

- الحراك السياسي الداخلي الصهيوني، مقدمات انتخابات 2009م.

 

أما بخصوص أهداف الهجوم، فهي مُستنبَطة من أسبابه؛ ولذلك يمكن توضيح تلك الأهداف والرسائل التي يريدها الكيان الصهيوني في الآتي:

- من لم يَزُلْ بالحصار سيزول بغيره.

رسالة إلى حماس

يبدو أن الكيان الصهيوني أدرك وبعد مضي 3 سنوات على وجود حماس في الحكم، أن الأخيرة ليست مستعدة للتخلي عن موقعها بأية حال من الأحوال، كما أن إدراكها امتدَّ ليصل إلى استنتاجٍ مؤداه أن مزيدًا من الحصار على قطاع غزة لن يؤديَ بالضرورة إلى انفجارٍ في وجه حماس من قِبل المواطنين، وبالتالي إزاحة حماس عن الحكم، وإنما قد يكون انفجارًا ضد مسبِّب الحصار ومن يقف خلفه، وهنا تظهر خيبة أمل كل من راهن على ثورة الشارع في وجه حماس.

 

الكيان الصهيوني جزءٌ من أولئك الذين خابت آمالهم بزوال حكم حماس نتاج تلك الخطوات المتتابعة في الحصار؛ ولذلك يبدو أنه يريد وعبر هذا الهجوم إيصال رسالة إلى حماس، يقول فيها: "إن من لم يَزُلْ بالحصار سيزول بغيره"، وعليه فإنه لن يدخر جهدًا في استخدام ترسانته العسكرية من أجل تحقيق هذا الطموح، وهذه هي البداية.

 

والسبب في تركيز الكيان الصهيوني على حماس خصوصًا يعود إلى خصوصية هذه الحركة في إطار موقفها من الاحتلال الصهيوني؛ فهي تمتلك بعض النقاط التي تجعل منها خطرًا لا يرغب الكيان في بقائه:

أولاً: خطر أمني بسبب قوة حماس مقارنةً بالفصائل الفلسطينية الأخرى، وتحديدًا في قطاع غزة.

 

ثانيًا: خطر سياسي؛ فحماس كبرى الفصائل غير المعترِفة بالكيان حتى اللحظة؛ ليس هذا فحسب، بل هي الحركة الفلسطينية ذات النفوذ عربيًّا وإسلاميًّا، وكلنا يتذكَّر قسم الولاء للإخوان المسلمين الذي ردَّدته جماهير حماس خلف أحد مؤسسيها عبد الفتاح دخان، في ذكرى انطلاقتها الحادية والعشرين.

 

ثالثًا: خطر أيديولوجي نابع من البنية الفكرية والأيديولوجية لدى حماس، التي يرى فيها الكيان خطرًا أشد من الصواريخ.

 

رسالة إلى المقاومة

"الكيان الصهيوني لا يخشى حماس وحدها، ولا يعتبر أن حماس هي خصمه الوحيد؛ فكل من تُسوِّل له نفسه أن يُقدِمَ على إلحاق الضرر بالمشروع الصهيوني، سيكون هدفًا للكيان"، وهنا الرسالة تقول: "إن ما حقَّقته المقاومة من تطوير متسارع في قواها وبنيتها تنظيمًا وعتادًا، لن يصمت عنه الكيان الصهيوني، ولن يدع الأمور كما هي عليه.

 

الاستناد في ادِّعائنا هذا على كثير من التقارير الصهيونية التي نُشرت في وسائل الإعلام؛ آخرها ما صدر في صحيفة (هآرتس)، ويشير بوضوح إلى الإنجازات التي حقَّقتها الفصائل الفلسطينية في تطوير قدرتها العسكرية، بشكلٍ قد يكون النموذج فيه حزب الله في الجنوب اللبناني.

 

دماء أهل غزة مدادًا لشعارات "إسرائيل" الانتخابية

رسالة إلى المجتمع الصهيوني

الرسالة هنا من مصدرين، وبأهداف متباينة:

أولاً: رسالة من الأحزاب الصهيونية التي دفعت باتجاه استخدام القوة مع قطاع غزة، سواء بإقناع كاديما بأهمية تلك الخطوة، أو بالضغط عليه من خلال التصريحات الإعلامية التي تفيد بضعف كاديما وفشله على الصعيد الأمني. لكن كيف للأحزاب الصهيونية أن تستفيد من مثل هذه الخطوة البشعة؟

 

* بالنسبة لكاديما، وكونه على رأس الحكومة، فهو يريد إيصال رسالة إلى المجتمع الصهيوني، أن هذا الحزب قادر على مواجهة حماس وكل من يمثِّل خطرًا على الصهاينة، ولديه المقدرة والرؤية الواضحة للقيام بذلك، كما أن تجربته في لبنان لن تتكرر في أية منطقة أخرى.

 

* بالنسبة للعمل، والذي يقود مركبته للانتخابات ذات الشخص الذي يشرف على هجوم غزة (إيهود باراك)، فإنه يريد كغيره من الأحزاب أن يستثمر في دماء الفلسطينيين، وكأنه يريد القول: إن توليَ العمل لحقيبة "الدفاع" هو ما حقَّق الأمن للكيان الصهيوني.

 

إيهود باراك وفي جزء من دعاية حزبه الذكية، أصدر بيانًا بوقف حملته الانتخابية؛ كي يركز على تأمين الحدود مع قطاع غزة، وهنا يظهر جليًّا أن وقفه الحملة الانتخابية ما هو إلا حملة أكثر فاعليةً، حين يكون الدم مدادًا لشعاراتهم.

 

* بالنسبة لليكود، والذي التزم الصمت حيال انتقاده المتكرر لكاديما؛ لعدم تعامله الحاسم مع حماس؛ فقد حصل ما تمنَّاه زعيمه نتنياهو، ونفَّذت حكومة كاديما هجومًا على غزة.

 

رسالة الليكود ستكون ببساطة: إن كاديما من خلال هذه الهجمة أثبت وبالبرهان العملي فشل خطة الانسحاب أحادي الجانب، والحل الوحيد لمشكلة غزة هو حل عسكري، وإن كان الأمر كذلك، فإن لسان حال الليكود يكاد يقول: "نحن خياركم للحرب، وكاديما خياركم للانسحاب.. فشل الانسحاب وقرر كاديما الحرب، فهل ستسمحون له بتكرار حزيران 2006م؟!"

 

ثانيًا: رسالة شخصية من ليفني، فتاة الموساد السابقة، والتي فاجأت أناسًا كثيرين في تصريحاتها النارية؛ لها أيضًا مآرب شخصية من ذلك الهجوم: عمليًّا وبعد قضية فساد أولمرت، فإن من يحكم الآن تسيبي ليفني، وطموحها أن تكون رئيسة وزراء الكيان الصهيوني، وحتى تقنع المجتمع الصهيوني الذي اعتاد أن يثق بسفكه الدماء أكثر من غيرهم، لا بد لها من أن توصِّل له رسالة مؤداها: "جولدا مائير نموذج قد يتكرر".

 

من قلب قاهرة المعز

رسالة إلى العرب، من قلب قاهرة المعز: قامت ليفني بإطلاق تصريحاتها المُهينة إلى كل العرب، حين قالت إن حكومتها ستسحق المقاومة الفلسطينية وتستأصل حماس.

 

تصريح ليفني اعتيادي كما أشار كثير من المراقبين، لكن صدوره من كبرى العواصم العربية فيه رسالة استهزاء واضحة بالعرب شعوبًا وحكوماتٍ، إلى حدٍّ وصلت فيه الغطرسة الصهيونية أن تهدِّد العرب في عقر دارهم.

 

ليفني أكثر حنكةً من أن تُدليَ بمثل هذا التصريح ارتجالاً وعفويةً.. رسالتها- بالإضافة إلى ما تحمله من مهانة للعرب- تحمل بين سطورها إشارة إلى أن موقف الكيان من غزة يأتي متجانسًا مع كثير من المواقف المجاورة.

 

تكريس الانقسام الفلسطيني

رسالة إلى الكل الفلسطيني: ذلك النهج القديم الجديد الذي يتبعه الكيان الصهيوني في إيهام الفلسطينيين أن من يعارضه فلن يناله منه سوى الضرر، ومن يتخذ موقفًا مخالفًا سينعم بالأمن والسلام.

 

الكيان يريد أن يكرِّس الانقسام الفلسطيني ويخلق نموذجين: الأول في الضفة والآخر في غزة، وكأنه يريد أن يوصل رسالة أخرى إلى كل من ينظر إلى مأساة غزة، أنه لا يعادي الفلسطينيين، وإنما يعادي جزءًا منهم لا يرغب في السلام.

 

لكن شباب فلسطين لم يسمحوا للكيان بأن يوصل رسالته، وبمجرد وصول الخبر وتداوله في الضفة الغربية، خرجت المظاهرات، وبدأت الاشتباكات بين جنود الاحتلال والشبان الفلسطينيين، لتصل الرسالة إلى الكيان لا منه: أن الفلسطينيين رغم خلافاتهم لن يتسقوا مع أهدافه.

 

عمومًا.. يثار التساؤل الآن في كثيرٍ من الأوساط حول حجم الهجمة الصهيونية وماهية حدودها.. الإجابة على هذا التساؤل تكمن في مدى تحقيق الكيان أهدافَه سابقة الذكر؛ فكلما شعر الكيان أن هذه الهجمة لن تؤتيَ أكلها- وهذا ما هو مُتوقَّع- فإنه لن يستمر فيها بنفس الطريقة؛ فإذا ما استطاعت المقاومة إلحاق خسائر في الجانب الصهيوني، فإن ذلك سيُضعف من إمكانية استخدام هذه الهجمة كدعاية انتخابية في الكيان.

 

كما أن بدء ردات فعل جماهيرية في الدول العربية، وفي الضفة الغربية، قد تُفقد الرسائل الموجَّهة إليهم مضمونها، وهنا من الممكن أن تتقلَّص حدود الهجمة الصهيونية، وبغير ذلك فإن الكيان سيمضي قدمًا في مزيدٍ من سفك الدماء وهدم البيوت.

--------------

* محاضر في قسم العلوم السياسية- جامعة النجاح الوطنية.