"إنا لله وإنا إليه راجعون" تكررت كثيرًا على ألسنتنا خلال عام 2008م الذي شهد رحيل العديد من الرموز الدعوية والإسلامية والسياسية التي كان لها تأثير واضح في كثيرٍ من الأحداث.

 

وفي السطور القادمة نرصد أهم من فقدتهم مصر والأمتان العربية والإسلامية خلال 2008م.

 

فعلى المستويات: الفكري والسياسي والوطني، خسرت الأمة العربية والإسلامية المفكر الإسلامي الكبير الدكتور عبد الوهاب المسيري الذي وافته المنية الخميس 3 يوليو 2008م عن عمرٍ تناهز 70 عامًا بعد مسيرة عطاء حافلة قضاها في الدفاع عن القضايا العربية والإسلامية والقضية الفلسطينية عبر سلسلة عظيمة من الأعمال؛ أهمها موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية.

 

كما شهد هذا العام وفاة المهندس إبراهيم شكري رئيس حزب العمل والمناضل المصري الكبير صباح 5 أغسطس الماضي عن عمر تناهز 92 عامًا، وكان الراحل من السياسيين الذين تركوا بصمات كبيرة على ساحة العمل السياسي في مصر منذ انخراطه في السياسة من ثلاثينيات القرن الماضي، وكانت مسيرته حافلة بمقاومة المحتل أثناء الاحتلال الإنجليزي، وبعدها كان سياسيًّا قويًّا ضد الأنظمة الحاكمة على مر العصور.

 

وأُطلق على شكري لقب الشهيد الحي بعدما نجا من الموت بأعجوبة في مظاهرة كوبري عباس الشهيرة عام 1934م.

 

مناضلو الصحافة

 الصورة غير متاحة

صلاح الدين حافظ

الصحافة المصرية كانت حاضرة بقوة في مشهد الراحلين خلال 2008م؛ حيث شيَّعت الأوساط الصحفية في 16 من نوفمبر الماضي جثمان صلاح الدين حافظ الأمين العام لاتحاد الصحفيين العرب.

 

وتميَّزت كتابات الكاتب الراحل بالوطنية والاستقلالية؛ حيث ظل حتى وفاته مدافعًا عن المُهمَّشين وعن الحريات العامة والعدالة الاجتماعية، وكانت مقالته كل أربعاء بـ(الأهرام)- والتي تُنشر بالتزامن في خمس صحف عربية- مليئة بالرؤى البعيدة والتحليلات العميقة، وقد منعت (الأهرام) بعض مقالاته لنبرته العالية في نقد السلطة السياسية المصرية، وكان آخر ما كتب مقاله "نحن وأوباما.. هل سيُغير أم سنتغير؟".

 

وعلى نفس المنوال رحل نقيب النقباء الكاتب الصحفي كامل الزهيري نقيب الصحفيين المصريين الأسبق الذي تُوفِّي بعد ظهر يوم الإثنين 25 نوفمبر الماضي عن عمرٍ ناهزت 81 عامُا بعد أن ظل يصارع المرض قرابة العام.

 

وتولَّى الراحل رئاسة اتحاد الصحفيين العرب، وساهم خلال رئاسته للاتحاد في إنشاء نقابات للصحفيين في تسعة بلدان عربية، كما تولَّى رئاسة مجلس إدارة مكتبة القاهرة الكبرى.

 

وفي عام 1988م حصل الزهيري على وسام الاستحقاق من الدرجة الأولى من مصر، وفي عام 2002م نال الجائزة التقديرية لنقابة الصحفيين المصريين، إضافةً إلى وسام الصحافة العربية من الاتحاد العام للصحفيين العرب، كما حصل الزهيري عام 2005م على جائزة مبارك في العلوم الاجتماعية، وهي أرفع جائزة مصرية.

 

كما شهد العام نفسه وفاة شيخ الصحافة الإسلامية الكاتب الإسلامي الكبير حسن عاشور في 16 أغسطس بعد رحلةٍ طويلةٍ من الدفاع عن الإسلام وقضاياه، وكان عاشور يعمل مديرًا لتحرير مجلة (الاعتصام) التي أسَّسها والده الشيخ أحمد عيسى عاشور.

 

رموز مؤثرة

 الصورة غير متاحة

الشيخ ماهر عقل

وعلى صعيد جماعة الإخوان المسلمين فقدت الجماعة رموزًا سياسية ودعوية كانت لهم حياة حافلة بالعطاء في حقل الدعوة؛ منهم النائب الشيخ ماهر عقل عضو الكتلة البرلمانية للإخوان المسلمين ونائب كفر صقر بالشرقية، الذي وافته المنية في 3 أبريل الماضي نتيجة حادث أليم؛ حيث كان النائب عائدًا من مجلس الشعب بعد انتهاء الجلسات، فقطع طريقه "توك توك"، وعندما حاول تفاديَه اصطدم بسيارة أخرى.

 

كما فقدت الجماعة أيضًا الدكتور ثناء أبو زيد أحد أهم التربويين في دعوة الإخوان المسلمين في يوم 21 فبراير، والذي شارك في تشييع جنازته آلاف المُحبِّين له ولدعوة الإخوان المسلمين.

 

وفي 16 يوليو رحل الشيخ حسن محمد أيوب من الرعيل الأول للإخوان المسلمين، الذي وافته المنية عن عمرٍ تناهز 90 عامًا.

 

وقد وُلد الشيخ في قرية كفر فيشا مركز منوف بمحافظة المنوفية؛ حيث تخرَّج في كلية أصول الدين جامعة الأزهر عام 1949م، وتعرَّف على دعوة الإخوان وعاش محنها.

 

وعمل مدرسًا بوزارة التربية والتعليم، ثم موجِّهًا بوزارة الأوقاف، ثم مديرًا للمكتب الفني بها، كما عمل بعد ذلك بدولة الكويت واعظًا وخبيرًا، ثم انتقل إلى المملكة العربية السعودية فعمل أستاذًا للثقافة الإسلامية بجامعة الملك عبد العزيز، ثم أستاذًا بمعهد إعداد الدعاة بمكة المكرمة.

 

ولقد أسهم الشيخ بنصيبٍ وافر في مجال الكتابة، ومن هذه الكتب: فقه العبادات- السلوك الاجتماعي في الإسلام- تبسيط العقائد الإسلامية- الجهاد والفدائية في الإسلام- رحلة الخلود- رسائل صغيرة في موضوعاتٍ مختلفة، كالصلاة، والحج وغير ذلك- الموسوعة الإسلامية المُيَسَّرة، وهذه الموسوعة هي آخر ما كتب الشيخ، وتبلغ حوالي خمسين جزءًا من القطع الصغير، وهي شاملةٌ كل كليات الإسلام وفروعه وعلومه ومعارفه المختلفة.

 

ومن أبرز من فقدتهم الجماعة أيضًا هذا العام في مختلف محافظات مصر: الحاج أمين غراب، وإبراهيم خليفة، الحاج صلاح الزعبلاوي، الشيخ عبد الوارث سعيد، الحاج علي الغباري، الأستاذ أمين رستم، الحاج عبد السميع عفيفي، المهندس عبد الفتح شاكر، المهندس صلاح دربالة، الحاج محمد أبو مدينة، الحاج محمد عليوة.

 

شخصيات عربية

 الصورة غير متاحة

الشيخ عبد الله بن حسين الأحمر

وفي نفس العام فقدت اليمن والأمة العربية والإسلامية على مشارف هذا العام الشيخ عبد الله بن حسين الأحمر رئيس مجلس النواب اليمني ورئيس التجمع اليمني للإصلاح وشيخ مشايخ قبائل اليمن، الذي وافته المنيَّة في مستشفى الملك فيصل التخصصي بالرياض.

 

وقد قاد الفقيد الكبير قبائلَ اليمن في معركة الدفاع عن الثورة والجمهورية دون هوادة ولا توقُّف ولا تأثُّر بالظروف السياسية المتقلِّبة في صنعاء، حتى انتهت المعارك في يناير 1970م ، وظل حتى مات أحد أبرز صُنَّاع القرارات والمواقف في بلاده.

 

وفي يوم 28 سبتمبر 2008م نعى حزب العدالة والتنمية المغربي المجاهد الكبير الدكتور عبد الكريم الخطيب، الرئيس المؤسس لحزب العدالة والتنمية، الذي وافته المنية ليلة السابع والعشرين من رمضان 1429هـ بمقر إقامته بالرباط عن عمر ناهزت 87 سنة.

 

وعُرف الفقيد رحمه الله بمناصرته قضايا المسلمين والمستضعفين في العالم بالمال والدعم المعنوي؛ حيث أسَّس عدة جمعيات لتجنيد المجاهدين لأفغانستان والبوسنة والهرسك وفلسطين، ويرجع إليه الفضل في الدفاع عن الهوية الإسلامية بالمغرب، كما فتح باب حزبه "الحركة الشعبية الدستورية الديمقراطية" سابقًا أمام جزءٍ من أبناء الحركة الإسلامية بالمغرب (حركة التوحيد والإصلاح)، وكانت له علاقات طيبة مع جماعة الإخوان المسلمين في مصر.

 

الداعية النشط

 الصورة غير متاحة

د. محمد سيد أحمد المسير

كما فقدت الأمة الإسلامية في مسيرة المؤثِّرين هذا العام في يوم الأحد ٢ نوفمبر الماضي فضيلة الدكتور محمد سيد أحمد المسير أستاذ العقيدة والفلسفة بجامعة الأزهر؛ حيث تُوفِّي عن عمر تُناهز ٦٥ عامًا، بعد صراع طويل مع المرض.

 

والدكتور المسير حصل على الدكتوراه عام 1978م في العقيدة والفلسفة ومقارنة الأديان، ونشأ د. المسير في بيت أزهري، وورث العلم أبًا عن جد؛ حيث كان من كبار علماء الأزهر، وظهر نبوغه مبكرًا، فكان الأول في الثانوية الأزهرية على مستوى الجمهورية، ثم التحق بكلية أصول الدين، وتخصَّص في قسم العقيدة، حتى وصل إلى درجة الأستاذية، وتسابقت إليه الجامعات للتدريس فيها.

 

وعمل د. المسير أستاذًا للعقيدة والأديان في كلية الدعوة وأصول الدين بجامعة أم القرى السعودية بين عامي 1993- 1998م، بعد أن عمل رئيسًا لقسم اللغة العربية والدراسات الإسلامية في كلية التربية بجامعة الملك عبد العزيز في المدينة المنورة لمدة أربع سنوات؛ بدايةً من عام 1983م، وكان أحد أنشط الدعاة من خلال وسائل الإعلام.

 

فارس أزهري

 الصورة غير متاحة

د. عبد العظيم المطعني

كما فقد الأزهر الشريف وجامعة الأزهر والصحافة المصرية والعربية الكاتب والعلاَّمة الكبير الدكتور عبد العظيم المطعني في 30 يوليو الماضي؛ بعد رحلةٍ طويلةٍ في العمل الأكاديمي والكتابة المعتدلة التي وصفها المراقبون بأنها مثَّلت منهجًا فريدًا في دقَّة التناول ووسطية الطرح ورقي الأسلوب.

 

وينتمي الراحل الكبير إلى جيل فريد من العلماء الموسوعيين الذين يتسمون بشمولية النظرة والاطلاع الواسع والإلمام بالمعارف على مختلف ألوانها، وقدَّم إضافاتٍ ثمينةً إلى المكتبة العربية في مجال تخصُّصه الأصلي، وهو البلاغة العربية، وخاض عددًا من المعارك ضد غلاة التطرف العلماني، وشارك في مناظرات عديدة دفاعًا عن الفكر والهويَّة، وقدم دفاعاتٍ مجيدةً عن الثقافة العربية الأصيلة، من خلال كتاباته المتنوعة في صحف مصرية وعربية عديدة، منها: (الأهرام) و(المساء) و(النور) و(الدعوة) و(آفاق عربية) و(اللواء الإسلامي) و(عقيدتي).

 

شاعر ثورة

كما فقدت الساحة الثقافية الشاعر الفلسطيني محمود درويش الذي وافته المنية مساء السبت 9 أغسطس عن 67 عامًا في مدينة هيوستن بولاية تكساس الأمريكية.

 

ويعتبر درويش أحد أهم الشعراء الفلسطينيين المعاصرين، الذين ارتبط اسمهم بشعر الثورة والوطن، وأبرز من ساهموا في تطوير الشعر العربي الحديث الذي مزج شعر الحب بالوطن، وقام درويش بكتابة إعلان الاستقلال الفلسطيني الذي تم إعلانه في الجزائر عام 1988م.

 

حزن وتفاؤل

 الصورة غير متاحة

 صلاح عبد المقصود

وبنبرةٍ من الحزن الممزوج بالتفاؤل يعلِّق صلاح عبد المقصود وكيل نقابة الصحفيين المصريين بأن هذه سنة الله في خلقه، وقدر هذه الأمة أن يهب الله لها بعد رحيل عظماء آخرين يقفون على الثغرة ويقومون عليها، سواء في العمل الدعوي أو السياسي أو المهني.

 

ويؤكد أن الأمة ولاَّدة ستملأ عما قريب أراضيها بمن يسد فراغ هؤلاء العظماء الراحلين ليقوموا بواجباتهم الدعوية والوطنية أو السياسية.

 

ويشير د. مجدي قرقر الأمين العام المساعد لحزب العمل إلى الحكمة القائلة: "لن يجعلنا عظماء إلا الألم العظيم"، قائلاً: "إن الظروف التي تعيشها قادرة على صناعة رموز وطنية عظيمة بوزن الراحلين السابقين".

 

ويعتقد أن الأمل بات في هذه الأمة؛ لأن أمتنا- والكلام على لسانه- حية، ولولا أنها حية لما استهدفها جميع الأعداء.

 

ويرى د. قرقر أن هناك رموزًا ما زالت على قيد الحياة تخوض غمار الثبات على مبادئها والتأثير وسط المجتمع، وهناك رموز في طريقها إلى ملء هذا الفراغ الذي تركته هذه الرموز.