في القضية الفلسطينية هناك خطان:
خط صاعد يؤدي إلى تجميع الجهد الفلسطيني والالتحام مع العالم العربي، والتآلف مع البيئة الدولية للضغط على الكيان الصهيوني؛ على أساس أن هناك مشروعًا صهيونيًّا يتقدم في هذه الآفاق الثلاثة العالمية والعربية والفلسطينية، وأنه وصل الآن إلى الجذور؛ مما يخشى معه بحق استئصال القضية في المفهوم العربي؛ ولذلك فإن القضية الفلسطينية في هذه المرحلة تمر فيما نعتقد بمرحلة التصفية.
أما الخط الثاني فهو خط نازل، وقد اختلفت معدلات نزوله باختلاف عدد من العوامل؛ من أهمها مناعة البيئة العربية، وحصانة الجسد الفلسطيني، وقوة المشروع الصهيوني.
عند الخطَّين الصاعد والهابط تُطرح قضايا مرتبطة بنفسية وثقافة الصعود والهبوط، ومن المعلوم أن نفسية الصاعد تستجمع آمال النصر وتسترخص كل التضحيات، وأما نفسية الهابط فإنها تتسم بالدوار وافتقاد الرؤية؛ مما يسرع بالهبوط إلى قاع الهاوية.
ودون أن نزيد القارئ همًّا وإحباطًا فإن المفكر يجب أن يكون أمينًا أمانة الأطباء والجرَّاحين مهما كانت حالة المريض أو مصيره مع المرض، ويجب أن نقول بصراحة: إن القضية الفلسطينية تعيش الآن ثقافة الخط الهابط، والذي يحدث تفاعل بين الثقافة والنفسية وبين سرعة الهبوط؛ مما ينقل الاهتمامات إلى مجموعة من القضايا في فراغ عدمي، وهو ذلك الفراغ الذي أبدع أمير الشعراء أحمد شوقي في تصويره عندما قرَّر في بداية القرن العشرين هذه العلاقة بقوله:
إني نظرت إلى الشعوب فلم أجد كالجهل داءً للشعوب مبيدا
فالجهل لا يلد الحياة مماته إلا كما تلد الرمام الدودا
وهذان البيتان ينطبقان انطباقًا تامًّا على الحالة الفلسطينية، ولذلك نستطيع أن نحدِّد العلاقة بين قضايا هذا الخط الهابط الثلاثة وهي: الهدنة والحوار والحصار، والجذر المشترك فيها جميعًا هو فيما يبدو تفاهم بين مصر والكيان وأبو مازن، ومن ورائهم تفاهم عربي ودولي واسع؛ على أنه لا يمكن الجمع بين فتح وحماس، ولهذا فإن الحصار هو الأداة التي يقوم بها الكيان وتسانده مصر للقضاء على حماس.
ولا يتسع المقام للأسباب العديدة الصحيحة والوهمية الحقيقية والافتراضية التي تدفع مصر إلى هذا الخيار، كما لا يتسع لتقييم ما إذا كان موقف مصر يخدم المصلحة المصرية أم أن المصلحة المصرية تختلف من السلطة إلى المفكرين والشعب المصري؟ ولكن المحقق أن كلمة الأمن القومي المصري أصبحت تعني عند صاحب القرار في مصر استقراره في مكانه دون أن يهدده أحد.
ومن الواضح أيضًا أن الكيان لم يعد مهددًا، وما دامت العلاقة مطلقة والتماهي تمامًا بين الحاكم والوطن في مصر؛ فإن الأمن القومي المصري كما يفهمه الحاكم منظورًا إليه من زاوية السلطة هو الأمن القومي للوطن بأسره، رغم أن ذلك الخلط سيعود على الأجيال القادمة بما يثقل كاهلها ويرهن إرادتها عقودًا طويلة.
يترتب على ما تقدم أن الحوار لا بد أن يفشل؛ لأنه بدأ من منطلق الإجهاز على حماس وعدم الحيدة بين الطرفين؛ يستوي في ذلك أن تقوم به مصر أو أن تقوم به الجامعة العربية فكلاهما على قناعة واحدة.
يترتب على ذلك أيضًا أن الحصار لن يُرفع ولن تُفتح المعابر إلا إذا حدث ما أرادته مصر الرسمية، وهذا يعني استمرار الصدام بين مصر الشعبية ومصر الرسمية حول هذا الموضوع، بل إن مصر الرسمية كشفت عن موقفها صراحةً عندما اتهمت بعض العناصر في مصر الراغبين في كسر الحصار بأنهم قد ارتكبوا جريمة مساندة حماس؛ أي أن حماس أصبحت في المنظور القانوني المصري عدوًّا، وأن مساندتها بشكل مباشر أو غير مباشر يُعتبر من جرائم النظام العام في مصر.
يترتب على ذلك أيضًا أنه ما دام الحصار لن يُرفع وما دام الحوار لن يتم؛ فإنه لم يبقَ سوى الهدنة إذا قرَّرت الفصائل الفلسطينية أهميتها، وهو الخط الوحيد الذي تقوم فيه مصر بدور متفق عليه وبتشجيع من الكيان والولايات المتحدة؛ بصرف النظر عن أهمية هذا الدور الوظيفي للمصلحة المصرية، ولكن الظاهر أن التهدئة تخفِّف من آثار الحصار وتيسِّر الحوار؛ مما يمنع انفجارًا في الساحة المصرية، ولكنه يخدم تمامًا المصلحة الصهيونية، خاصة أن التهدئة هي فقط من طرف الفصائل، أما الكيان فلديه برنامج في غزة لا علاقة له بالمواقف الفلسطينية أو الأجنبية.
وأخيرًا فإنه إذا كان الحوار مستحيلاً والحصار مستمرًّا والهدنة تؤدي إلى نتائج سلبية للفصائل، فضلاً عن أن الهدنة الأصلية كانت تقتضي رفع الحصار وفتح المعابر؛ فقد أصبحت الصورة واضحة، وعلى حماس أن تقرر إما كسر هذا الحصار الأشمل أي المؤامرة عليها، وإما تقديم تصور يمكن بموجبه أن تتراجع، خاصة أن عددًا من المراقبين يرون بحق أنه يصعب على حماس أن تجمع بين المقاومة والعمل السياسي، بينما يرى آخرون أنه أصبح من الصعب على حماس أن تعمل في المقاومة مع سلطة تعتبر المقاومة إرهابًا، وهذا هو جوهر المشكلة في فلسطين.
وغنيٌّ عن البيان أن هذه الحالة العدمية ناجمة أصلاً عن الصراع بين خطَّين؛ هما خط المقاومة وخط التسوية، علمًا بأن التسوية في الأحوال المماثلة تستفيد من المقاومة، وإلا من يقرر من يسيطر على الوضع في فلسطين، أهي المقاومة أم التسوية، في بيئة عربية تسيطر عليها روح التسوية بأي ثمن، وهذا هو جوهر ما حذَّرنا منه في بداية هذا المقال من أن القضية تمر الآن بأخطر مراحل التصفية.