بين مشاعر الأسى والحسرة والغضب التي عاشها الشعبان العربي والإسلامي، ظهر رجال ونساء الأطقم الطبية والإدارية للجان الإغاثة والطوارئ باتحاد الأطباء العرب ونقابة أطباء مصر كبقعة ضوء أنارت معبر رفح وسط ظلمة العدوان الصهيوني على أهالي القطاع.
فمع الدقائق الأولى للعدوان الصهيوني على قطاع غزة وإعلان وزيرة خارجية الكيان الصهيوني تسيبي ليفني أن تلك العمليات الغرض منها كسر إرادة الشعب الفلسطيني، تجمَّع العشرات من الأطباء بدار الحكمة من كافة التخصصات وشباب المتطوعين ليضعوا أنفسهم تحت أمر لجان الإغاثة، وعلى الفور تم تجهيز الشاحنات المُحمَّلة بالأدوية وتجهيز العربات المُخصَّصة لنقل الأطباء والإداريين والصحفيين إلى معبر رفح الحدودي.
فبمجرد ركوب الجميع عربات لجان الإغاثة المتجهة إلى معبر رفح رأينا حماسةً شديدةً من الإداريين والأطقم الطبية الذين ظلوا يدعون الله أن يمنَّ عليهم بتوصيل شحنات الإغاثة منذ الكمين الأول عند "كارتة" الإسماعيلية، مرورًا بكمين كوبري السلام وبالبوظة داخل سيناء، وانتهاءً ببوابة معبر رفح إلى أهالي قطاع غزة المحاصَرين، وإنقاذ ما يمكن إنقاذه من المصابين من جرَّاء القصف الصهيوني المتواصل.
الأمر الذي ظهر جليًّا في مكالمة هاتفية تلقَّاها إداري بلجان الإغاثة من طبيبة "سيناوية" تطلب منه اصطحابها بعربات الإغاثة إلى رفح، فقال: "العربة كلها رجالة" فردت عليه قائلةً: "إنتوا إخواتي، وكلنا رايحين نعمل خير"، فقال لها محرجًا: "مفيش مكان في العربية يا دكتورة"، فقالت له: "مش مهم.. ح فضل واقفة الـ200 كيلو دول علشان ربنا"، فما كان من الإداري إلا أن أفسح لها الكرسي الأمامي للعربة واصطحبها معهم.
![]() |
|
د. عبد القادر حجازي |
وفي السادسة من صباح اليوم التالي انطلقت عربات لجان الإغاثة إلى معبر رفح الحدودي في محاولةٍ يائسةٍ منهم لتوصيل الشحنات الإغاثية إلى أهالي غزة المحاصَرين بعد ورود أنباء أن السلطات المصرية منعت الشحنات التي وصلت مساءً من دخول معبر رفح رغم التنسيق بين لجان الإغاثة وسلطات المعبر، وعند وصول عربات الإغاثة إلى بوابة المعبر رأينا تعنتًا واضحًا من رجال الشرطة الذين رفضوا لأكثر من ساعتين دخول الأطقم الطبية أو شحنات الأدوية، وهو الأمر الذي دفع مسئولي لجان الإغاثة إلى مطالبة سلطات المعبر بدخول الشحنات: "المهم هي تدخل، وإحنا مش مهم"، كما قال الدكتور عبد القادر حجازي الأمين العام للجان الإغاثة بنقابة أطباء مصر، ولكن بعد مداولات سمحت السلطات بدخول الشحنات والأطباء ورفضت دخول الإداريين المصاحبين للأطباء الذين استمروا بالوقوف خارج أبواب المعبر حتى الساعة 5 مساء الأحد حتى سمحت لهم السلطات بالدخول مع الشحنات.
ومع دخول الأطقم الطبية والشحنات الطبية أحسَّ الجميع أن الوضع بدأ ينفرج، وهو ما نفاه صاروخ صهيوني سقط على بلدية رفح الفلسطينية القريبة جدًّا من الحدود المصرية؛ بدأ معها الوضع في التوتر، وخاصةً على الجانب المصري، وبدا هناك تعنتٌ واضحٌ من السلطات المصرية التي أخذت تماطل في إدخال الشحنات واستمرَّت الاتصالات متبادلة بين الدكتور عبد القادر والسلطات المصرية التي أصرَّت على التسويف، وفي المقابل كان الوفد الطبي الفلسطيني منتظرًا الموافقة الأمنية حتى يصحب الشحنات إلى داخل القطاع.
واستمرَّت الأوضاع على هذا الحال حتى جاء محافظ شمال سيناء اللواء محمد عبد الفضيل شوشة الذي اتهم حماس بأنها ترفض إرسال مصابي العدوان الصهيوني إلى رفح المصرية للعلاج، وهو ما نفاه مدير وزارة الصحة الفلسطينية الدكتور محمد البطة، الذي أكد أن الوفد الطبي موجود منذ فجر الأحد داخل معبر رفح المصري من خلال تنسيقٍ كاملٍ مع الأجهزة المصرية من جهة ولجان الإغاثة الإنسانية من جهة أخرى، بعدها خرج الوفد الطبي الفلسطيني عائدًا إلى الأراضي المحتلة، وانطلق طبيب مصري في الصراخ قائلاً: "يا خونة.. هما المصابين ذنبهم إيه؟! أعطوا الأدوية للوفد الفلسطيني ومش مهم ندخل.. يا خونة.. حرام عليكم، ح تقولوا لربنا إيه؟!" وعلى الجانب الآخر وجدنا الدكتور عبد القادر حجازي يتكلَّم في هاتفه التليفوني بغضبٍ شديدٍ قائلاً: "هو فاكر الكرسي ده ح ينفعه.. ده ربنا سبحانه وتعالى أكبر منه ومن إلى فوقيه، وهو فاكر إن كرسي الوزارة دايم.. حسبنا الله ونعم الوكيل في الظَلَمة".
وبعد كل هذه الأحداث سادت حالةٌ من السخط والغضب بين جموع الأطقم الطبية، وفي إحدى الجوانب بالمعبر وجدنا ثلاث طبيبات من لجان الإغاثة جالسات يدعين ويبكين، وعندما جاء أحد الأطباء يُهدِّئهن قلن له: "حرام اللي بيحصل ده.. دول أهلنا اللي بيموتوا جوه غزة.. هي ليه الحكومة بتاعتنا بتمنع الأدوية تدخل.. هي صواريخ؟!".
ومع دقات الخامسة وجدنا الوفد الفلسطيني يدخل معبر رفح مرةً أخرى ومعه شاحنات فارغة لتحميل المواد الإغاثية، علمنا بعد ذلك أن السلطات سمحت بإدخال الشحنات الطبية للقطاع، وبمجرد تحرك الشحنات المصرية باتجاه الجانب الفلسطيني للمعبر وبدء تحميل المواد الطبية على الشاحنات الفلسطينية شنَّت الطائرات الصهيونية هجومًا كثيفًا على المنطقة المتاخمة للحدود المصرية الفلسطينية، وتحت ذلك القصف وفي مشهد فريد اختلط فيه الكبير بالصغير، والصحفيون بسائقي الشاحنات، والرجال بالنساء، أخذوا ينقلون الصناديق الممتلئة بالأدوية والأسرَّة الخاصة بالمرضى، ومن أكثر المواقف روعةً مشهد الدكتور منصور طبيب المخ والأعصاب والبالغ من العمر 65 سنة وهو يحمل الصناديق وينقلها إلى العربات الفلسطينية داخل الحدود الفلسطينية؛ وهو الأمر الذي دفع الدكتور منير البرش مدير الصيدلة بوزارة الصحة الفلسطينية إلى البحث عنه بعد انتهاء تحميل الشاحنات وتقبيل يده ورأسه في مشهدٍ بكت فيه العيون.
ومن المواقف التي لا تُنسى مشهد الطبيبة السيناوية التي التقطناها عند نقطة بالوظة، وجدناها تجري وتحمل صناديق الأدوية، ثم علمنا من زميلةٍ لها أنها كانت صائمةً، فقال لها أحد مسئولي لجان الإغاثة: "إنت مش طبيعية.. إنت عندك طاقة جبارة على فعل الخير"، فبكت وقالت: "بس يا رب ربنا يتقبَّل"، وفي نفس المشهد وجدنا الصحفيين من مختلف الجنسيات يتركون كاميراتهم وأجهزتهم وبدءوا في حمل المعونات الإغاثية تحت ضربات الصهاينة في مشهدٍ لا يتكرر كثيرًا.
بعدها عدنا إلى مدينة العريش في انتظار شحنات طبية جديدة حتى نُدخلها إلى أهالي قطاع غزة المحاصَرين، وهو ما حدث بالفعل في اليوم والتالي واليوم رغم الصعوبات والتعنُّت الذي نواجهه من قِبل السلطات المصرية.
