على درب الشيخ أحمد ياسين ود. عبد العزيز الرنتيسي وغيرهما من شهداء المقاومة الفلسطينية الباسلة سار د. نزار عبد القادر ريان (49 عامًا) أستاذ علوم الحديث الشريف بالجامعة الإسلامية والقيادي بحركة المقاومة الإسلامية حماس.

 

كانت معرفتي به خلال مؤتمر لاتحاد الأطباء العرب أثناء جولاته المكوكية في إطار الحملة المليونية لجمع مليار دولار لفك الحصار عن غزة؛ بعد فوز حماس في الانتخابات التشريعية، ومع ذلك أشعر بأني أعرفه عن قرب.

 

كلماته كانت كطلقات الرصاص التي أسالت دموع الحاضرين؛ فمزج فيها بين لغة التحدي والصمود ولغة إيقاظ القلوب الغافلة عما يحدث لإخواننا المحاصرين؛ فهو الخطيب المفوَّه عالم الحديث النبوي، جبهته دائمًا مرفوعة؛ لم تفارق علامات الحزن وجهه، وكأنه أقسم ألا يبتسم إلا إذا عاد لمكان مولده في قرية جورة بعسقلان المحتلة عام 1948م، وكان دائمًا ما يردد: "أنا من الجورة.. إن شاء الله نحن عائدون عائدون"، وكان ينادَى كذلك باسمه "نزار ريان العسقلاني" نسبةً لقريته.

 

فكان الموعد الذي لم يخطئه مع الشهادة التي دائمًا ما تمنَّاها في سبيل تحرير وطنه؛ فغادر الدنيا شهيدًا عصر أول يوم في عام 2009م، و10 من أفراد عائلته؛ بينهم زوجاته الأربع وبعض أولاده في قصف طائرات (إف 16) لمنزله المكوَّن من أربعة طوابق في مخيم جباليا للاجئين شمال قطاع غزة.

 

الشهيد كان في الصفوف الأولى لمجاهدي القسام؛ يتنسَّم عبير عسقلان والقدس وسائر بلدات فلسطين المحتلة التي تأتي بها أي قوة صهيونية معادية في أوقات رباطه التي كان ينتظرها وكأنه ذاهب إلى رحلة ترفيهية مع إخوانه، فكان شحنةً تعبويةً لكل مجاهدي القسام، زرع فيهم حب التراب الفلسطيني، في مؤتمراته دائمًا ما يذكر كل مدينة فلسطينية وحتى بعض القرى المحتلة، ويقول فيها شعرًا يهز الوجدان قبل أن يسيل دموع العيون.

 

رحمك الله يا نذير الأعداء وريان الشهداء؛ فأنت من قدَّمت أبناءك شهداء؛ فداءً للدين ولتحرير تراب فلسطين، فاستُشهد ابنك الثاني إبراهيم في عملية فدائية أثناء اقتحامه مغتصبة دوغيت شمال القطاع عام 2001م، بينما استُشهد أخوه الأصغر واثنان من أولاد أخيه في محرقة غزة بداية العام الحالي، فيما أصيب ابنك البكر بلال وبُتِرَت ساقه أثناء مقاومته لاجتياح شمال قطاع غزة.

 

لم تنصت للتحذيرات التي طالبتك بمغادرة منزلك، وتحديت سياسة هدم منازل المواطنين الفلسطينيين، عبر مبادرتك بتشكيل دروع بشرية شعبية لحماية منازل المواطنين الفلسطينيين المهدّدة بقصف طائرات الاحتلال خلال العامين الماضيين.

 

ولمن لا يعرف الشهيد؛ فهو يتمتع بشعبيته الكبيرة في صفوف الفلسطينيين داخل حركة حماس وخارجها، وازداد التفاف الجماهير حوله عقب اندلاع انتفاضة الأقصى عام 2000م؛ لجرأته على تحدي جيش الاحتلال حتى في أشدِّ الاجتياحات العسكرية الصهيونية، كما أنه تمسَّك بمنزله في مخيم جباليا المكتظّ؛ ليعيش حياةً متواضعةً ومتقشفةً حتى في ملبسه؛ رغم مكانته العلمية البارزة، وكان يصعد مع مئات المواطنين إلى أسطح البنايات، مردِّدين التكبيرات، في تحدٍّ واضحٍ للاعتداءات الصهيونية.

 

أجرى عملية قلب مفتوح في العاصمة السورية دمشق قبل عامين تقريبًا، وله ستة أولاد ذكور، وست بنات، وحفيدان، وكان يحفِّز أبناءه وأحفاده للدفاع عن فلسطين والقدس الشريف، واستكمال مسيرة التحرير.

 

شغر ريان عضوية المكتب السياسي في حركة حماس لعدة دورات متتالية؛ حتى استقال العام الماضي من عضوية المكتب السياسي للتفرغ للبحث العلمي، وكان قد أوشك على أن ينتهي من شرح لصحيح مسلم من عدة مجلدات، وسلسلة عن أنساب عائلات فلسطين؛ وتلقَّى تعليمه الأكاديمي في السعودية والأردن والسودان.

 

كما حصل ريان على شهادة البكالوريوس في أصول الدين من جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض عام 1982م، وتلقى العلم الشرعي على أيدي علماء الحجاز ونجد، ثم حصل أيضًا على شهادة الماجستير من كلية الشريعة بالجامعة الأردنية بعمَّان، عام 1990م بتقدير ممتاز، وبعد ذلك نال درجة الدكتوراه من جامعة القرآن الكريم بالسودان عام 1994م.

 

وعلاوةً على بحوثه العلمية المنشورة؛ فقد كانت للقيادي مساهماتٌ اجتماعيةٌ بارزةٌ، خاصةً في تمكين عشرات الأكاديميين الفلسطينيين من الحصول على منح لدراسات الماجستير والدكتوراه في الجامعات العربية والإسلامية في شتَّى التخصصات، كما يعدُّ أحد رجالات الإصلاح الاجتماعي في قطاع غزة، من خلال ترؤسه "لجنة إصلاح ذات البين ولمّ الشمل".

 

وقد سبق أن عمل الشيخ ريان إمامًا وخطيبًا متطوعًا لمسجد الخلفاء بمخيم جباليا للاجئين خلال الأعوام من 1985م وحتى 1996م، وقد اعتقلته سلطات الاحتلال مرارًا ليمكث في سجونها نحو أربع سنوات، كما اعتقلته أجهزة الأمن السابقة التابعة للسلطة الفلسطينية وأُخضع فيها للتنكيل والتعذيب.

 

لا نزكيك عند الله ولا نقول إلا ما يرضي ربنا "إنا لله وإنا إليه راجعون".

------

* صحفي مصري.