د.إيهاب فؤاد

غدرت "الزباء" ملكة الجزيرة، شمال العراق، بجديمة الأبرش، فقتلته.
عزم ابن أخته "عمرو بن عدي" على الانتقام لخاله بقتلها، وبعد متاعب ومحن وصل إليها، وهم بقتلها، عمدت الزباء إلى خاتم في أصبعها، وامتصت ما به من سم، وهي تقول: "بيدي لا بيد عمرو".
لعل ما يحدث اليوم بغزة على وجه الخصوص ذكرني بتلك الحادثة العجيبة في التاريخ، لقد تمثل الكيان الصهيوني دور عمرو، وتمثلنا دور الزباء، بأيدينا نقدم إخواننا في غزة قربانًا على مقصلة اليهود، والعالم يبارك ولا يستهجن، لقد كفيناهم المؤنة يوم شاركنا في حصارهم، ووفرنا على الكيان المغتصب الكثير من العناء بمحاولاتنا تجفيف المنابع حتى لاكتنا الألسن، وتناوبت علينا الأقلام، وفضح الإعلام صورتنا التي نحاول عبثًا تجميلها ببعض كلمات غير مترابطة، وتصريحات غير محسوبة، فتارةً نحمل المغتصب المسئولية؛ لأنه منوط بمراقبة المنافذ، وتارةً نحمل حماس المسئولية لأنها منوطة بالدفاع عن شعبها، وأرضها، ومعتقدها، لقد كفينا العالم يوم قدمنا السمَّ لنقتلهم بأيدينا وإن حاولنا تجميل صورتنا، ويوم حاولنا عبثًا تشويه صورة المجاهدين، ويوم أغلقنا على أسلحتنا المنافذ، وتركناها عرضة للصدأ وعوامل التعرية، إنَّ الأمة بأسرها تشارك في قتل غزة، بصمتها، وباستهجانها الماسخ، لم يعد يجدي الكلام، ولم تعد تجدي التصريحات، ولم يعد في قوس الصبر منزع، لم يعد في دنيا الناس ما يبكى عليه، إذا ضممنا أبناءنا وأبناء إخواننا يلتحفون السماء، وينامون على أصوات الطائرات والقذائف والمدافع، إذا طابت أنفسنا بالعيش وإخواننا يرابطون، ينتظرون الشهادة بشوق، ويسخرون من الأهوال، يتذرعون بالإيمان، ويسخرون من إخوةٍ ممسوخة، وجوار لا يغني ولا يُسمن.
إذا عزت علينا الحياة يا غزة وهُنْتِ علينا فلا نملك إلا الدموع التي تسح ومع كل دمعة تحمل ألف لعنة، وألف ألف دعاء، إنها دموع العاجز الذي لا يملك أن يقدم شيئًا.
هل أتى علينا زمان تذرعنا فيه بأسلحة النساء من البكاء والعويل، ورفع الصوت؟؟
أين صوت الأمة؟ أين عتادها؟
ظني أن في سوق النخاسة والخردة مكانًا يناسب أسلحتنا التي لا توجه إلا في صدورنا، ودروعنا التي لا تحمي حتى ظهورنا.
أتى علينا زمن أصبح نقول فيه إن باطن الأرض أحب إلينا من ظهرها.
تجمدت المشاعر، وقست القلوب، واعتلت الروح سلسلة من الهزال، أفقدت الحياة طعمها.
يا إخواننا في غزة أنتم عزنا وفخارنا، يا نساء غزة أنتن تسطرن التاريخ، يا أطفال غزة لقد سبقتم أعماركم، وكبرتم قبل أوانكم، وحرمتم براءة المرحلة، فهنيئًا رجولتكم المبكرة.
يا مرابطون على الثغور، مَن كان الله معه فلا شيء عليه.
لله دركم يا حملةَ اللواء، هنيئًا لكم ذلكم المقام عند الله، قال صلى الله عليه وسلم: "من رابط ليلة في سبيل الله كانت له كألف ليلة صيامها وقيامها".
لقد اختاركم الله تعالى لفضله، ومنحكم شرف إحياء الفريضة الغائبة، صدق حبيب الله حين قال: "لا يجمع الله في جوف رجل غبارًا في سبيل الله ودخان جهنم، ومن اغبرت قدماه في سبيل الله حرَّم الله سائر جسده على النار، ومَن صام يومًا في سبيل الله باعد الله عنه النار مسيرة ألف سنة للراكب المستعجل، وَمن جُرِح جراحة في سبيل الله خُتم له بخاتم الشهداء، ومَن قاتل في سبيل الله فوق ناقة وجبت له الجنة".
هنيئًا لكم ساعة في سبيل الله هي خير من الدنيا وما فيها.
قال- صلى الله عليه وسلم- فيما رواه سهل بن سعد الساعدي- رضي الله عنه- أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "رباطُ يوم في سبيل الله خيرٌ من الدنيا وما عليها، وموضعُ سَوْط أحدكم من الجنة خيرٌ من الدنيا وما عليها، والرَّوْحة يروحها العبد في سبيل الله والغدوة خيرٌ من الدنيا وما عليها" (البخاري رقم 2892، فتح الباري (6/85)).
أيها الثائرون على الظلم، والمتمردون على الجور، الله معكم، تقبل الله جهادكم، وحرر أرضكم، وحقن دماءكم وأنعم عليكم بنعمة الأمن في الدنيا والآخرة.