![]() |
|
م. أحمد شوشة |
إن راية المقاومة التي ارتفعت في إباءٍ وشموخٍ في سماء غزة العزيزة يثبِّتها الإسلام والإيمان واليقين بالله العزيز المجيد؛ ستظل- بفضل الله العلي القدير- مرفوعةً؛ تعبِّر عن عزِّكم ومجدِكم وصمودِكم وانتصارِكم.
إن هذه الراية الخفَّاقة إنما تنتمي إلى ربٍّ قويٍّ جبارٍ قاهرٍ، وأنتم جنودُه يا أحباب؛ فصبرًا صبرًا؛ فإن بين النصر والهزيمة صبرَ ساعة؛ فلنصبرها يا أعزَّ الناس.. ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لا مَوْلَى لَهُمْ (11)﴾ (محمد).. ﴿..وَللهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ (8)﴾ (المنافقون).
شهداؤنا في فرح واستبشار
إن دمَ الشهداء سرى في شرايين الأمة الإسلامية؛ ليَهَبَ لها الحياة الكريمة العزيزة الأبيَّة، ويرسمَ لها بلون الدم القاني طريقَ النصر والتمكين، فرحين بما آتاهم الله من فضله، وأجرُهم في زيادةٍ إلى يوم القيامة، كلما خطَت الأمة خطوةً في سبيل استعادة سؤددها ومجدها وحضارتها، وكلما ارتفع في السماء والأرض تكبيرُ الله وتوحيدُه، وسبحان من له الكبرياء في السموات والأرض.. ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (169) فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمْ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلاَّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (170) يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنْ اللهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ (171)﴾ (آل عمران).
وجروحنا مسك القيامة
إن جروحنا يا أبطال غزة هي أوسمةٌ على أجسادنا في الدنيا، وإنها يوم يقوم الأشهاد عزٌّ وفخرٌ يغبطنا عليها الناس؛ فإذا انقضى العمل فقد بقي الأجر والمثوبة من رب كريم.. عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "والذي نفسي بيده لا يُكلَمُ أحد في سبيل الله- والله أعلم من يُكْلَمُ في سبيله- إلا جاء يوم القيامة اللون لون الدم والريح ريح المسك"، والكلم: الجرح ويُكلَم: يُجرَح.
أنتم الأئمة والوارثون
إنكم يا إخواننا وأخواتنا وأولادنا في غزة الحبيبة.. بإيمانِكم وثقتِكم بالله عز وجلَّ، وبصمودِكم العجيب، وإرادتِكم الفتية؛ ستبنون ما تهدَّم من منارات للتوحيد والعلم والعمل؛ يرتفع من فوقها نداءُ التوحيد (لا إله إلا الله محمد رسول الله)، وترفرف عليها راياتُ العزِّ والفخارِ والسلامِ.. ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمْ الْوَارِثِينَ (5) وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الأَرْضِ وَنُرِي فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ (6)﴾ (القصص).
أنتم القدوة والرمز
أيها الأحباب.. إن مدرسة غزة الصامدة علَّمت الأمة كيف تكون الشهادة في سبيل الله، وكيف يكون الصمود والإباء والشموخ والبطولة والفداء والتضحية والحياة العزيزة الأبيَّة؛ فبِكُم انتقلت الأمةُ الإسلاميةُ إلى طور جديد؛ فهنيئًا لكم أجرُ العاملين الصابرين المحتسبين.. ﴿وَجَاهِدُوا فِي اللهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمْ الْمُسْلِمينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللهِ هُوَ مَوْلاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ (78) (الحج).
أنتم بشائر النصر والتمكين
إن معركة غزة الصامدة اليوم هي بمثابة بدر وعين جالوت وحطين هذا الزمان.. فصمودكم وانتصاركم- بعون الله وفضله- علامةٌ فارقةٌ في تاريخ الأمة؛ بها تنتقل إلى النصر والتمكين، لترتفع رايةُ التوحيد فوق البشرية المعذبة لتنقذَها من جلاَّديها الظالمين.. ﴿وَإِذْ يَعِدُكُمْ اللهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ (7) لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ (8)﴾ (الأنفال).
بكم انكشف زيف الباطل
أيها الأحباب في غزة.. لقد تحزَّبت عليكم الأحزاب من كل حدبٍ وصوب؛ بكل حاقد وموتور، وفاسد وجبان، وبصمودِكم انكشف الزيف، وانتهت انتفاشتُه الفارغة، وظهرت أفئدةُ الهواء، وسيفرُّون وسينهزمون بفضل الله عزَّ وجل، وإن أوهن البيوت لبيت العنكبوت.. مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (41) إِنَّ اللهَ يَعْلَمُ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (42) وَتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلاَّ الْعَالِمُونَ (43) (العنكبوت).
إنكم المنصورون بفضل الله العزيز الحميد
أيها الأحباب الأبطال.. صبرًا صبرًا، والثباتَ الثباتَ، فالأمة من حولكم رغم القيود والأغلال، والله من فوقنا يُظلنا برحمته، ناظرٌ إلينا بجوده وكرمه، وإن نصرَه عزَّ وجلَّ في الأفق لقريب، وإن الظالمين إلى حتفهم ماضون لا محالة، وعندها سيفرح المؤمنون بنصر الله.. إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ (51) يَوْمَ لا يَنفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمْ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ (52) (غافر) وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (4) بِنَصْرِ اللهِ يَنصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (5) (الروم).
وأخيرًا.. يوصينا الشاعر الشهيد
كل الذي أدريه أن تجرُّعي كأس المذلّة ليس في إمكاني
فإذا سقطت سقطت أحمل عزَّتي يغلي دم الأحرار في شرياني
ويهدني ألمي فأنشد راحتي في بضع آيات من القرآن
والله أكبر ولله الحمد
---------
* كاتب المقال من الإخوان المحكوم عليهم في القضية العسكرية رقم 2 لسنة 2007م.
