إيهاب فؤاد
مع كل نازلة يقول الحكيم كلمته التي لا تُخطئ، وتحذيراته التي لا يستمع إليها أحد، وهنا يكون الخطأ على من لم يُصغ للنصائح الثمينة، ولم يُعِر الكلام النفيس آذانًا صاغيةً، ثم تكون الطامة، المصائب تترى، والأحداث تتوالى والسبب هو تلك الأذن التي لم تسمع، ولا القلب الذي لم يعِ، لكنني ما زلت أتساءل، هل هي جزء من مؤامرة محبوكة شاركنا فيها بحكمة، واخترنا دورنا بعناية؟ هل أتت الرياح بما لم تشتهِ السفن؟ هل كان في الحسبان أن تسقط حماس لتتغير خارطة فلسطين، وليعود العملاء الذين كانوا على أبواب رفح على دبابة محتل، وورود المخادعين والمداهنين من المرتزقة؟

إنهم لم يعرفوا بعد معنى الحرية، ولم يتذوقوا بعد معنى العزة التي أشار إليها فارس العرب في الجاهلية حين قال:
لا تسقني كأس الحياة بذلة بل فاسقني بالعز كأس العلقم
لم يتذوقوا طعم الحياة العزيزة، والتي في سبيلها تهون الحياة، ويهون كل شيء، لم يتذوقوا طعم الجهاد تحت راية توحد الله دون دخن في العقيدة، أو شوائب، ولعلها المرة الأولي منذ سنين تكون فيها المعركة سافرة، وواضحة، والحرب فيها حرب عقيدة، فحماس تحمل راية الجهاد وقد سقطت من أمة خنعت طويلاً واستمرأت الذل، حتى صارت دماؤها أرخص الدماء، وإهانتها أهون عليهم من كل شيء.
إذًا المعادلة مختلفة، لقد أتى المجاهدون بما لم يأت به الأوائل يوم قادوا الجيوش العربية المهزومة نفسيًّا ولم يصبروا بضع ساعات، حتى سقطت كل القلاع، ودُكّت الطائرات في مدارجها، وتعطبت الدبابات قبل أن تتحرك من مكانها، وألقت الراية البيضاء، مستسلمة، خانعة، مخلِّفة وراءها ذُلاً لسنوات، وأرضًا سُلِّمت على طبق من فضة للصهاينة، ليعبثوا في مقدراتنا، وليتحكموا في أرضنا، وما أن أفاقت الأمة، وعادت إلى رشدها، حتى عزَّ الأمر على الخانعين، فتارة يشوهون المقاومة، ويستهينون بالدماء الزكية التي تسقط على أرض الرباط، محملين حماس التبعات، والمسئوليات الجسام جراء فعلتها، إنه هرم مقلوب، وكأس مثقوب، وغطاء لا يستر عورة، ولا يقي من برد، ولا يظلل من حر، متى كان الضحية جلادًا؟، ومتى كان الجلاد مغلوبًا على أمره!.
إن فزاعة دولة حماس ترعب الأنظمة الخانعة، وتزلزل عروشها، يعز عليهم أن يكون بين ظهرانيهم أناسُ اشتروا الحياة الدنيا بالآخرة، وآثروا ما عند الله، وباعوا أنفسهم لله، هان أمامهم كل شيء، يحرصون على الموت كما يحرص الجبناء على الحياة، ويأبون الذل والخضوع والاستسلام، كما يحرص غيرهم على كراسيهم الهالكة، وأثوابهم المهلهلة، ظني أن المسلسل لم يكن في الحسبان، فقد تأخر فتح المعابر لمنح اليهود فرصةَ القضاء على حماس، وتغيير الواقع بالقوة، لكن شيئًا لم يحدث، فكان فتحها على استحياء، لقد تباطأت النصرة لمزيد من الوقت، لكن ذلك لم يحدث وصمد الأبطال.
التاريخ يُكتَب اليوم في غزة فصول العزة تُسطَّر اليوم في غزة.. اليهود تُمرَّغ أنوفهم في التراب اليوم في غزة، لم يتنصروا للحظة ومعنى ذلك أنهم مهزومون، الطائرات لم تستطع إيقاف المارد، ولم تصب من منصة صواريخ، وأشاوس القسام لم ينل العدو من عزيمتهم، ولا من عتادهم، ولا من عقيدتهم.
إذًا لا بد أن يطفو على الساحة حل، لحفظ ماء وجه الكيان الصهيوني، إنه صوت وقف إطلاق النار الذي بدأنا نسمع عنه على استحياء، لكن أين غابت الحكمة على ألسنة الإعلاميين الذين يُكيلون كل يوم للمجاهدين في غزة، ويحاولون عابثين تشويه جهادهم والنيل من دمائهم؟
لمصلحة من تشويه صورتهم؟ لمصلحة من مهادنة اليهود على حساب أبناء جلدتنا، وإخواننا في الدين؟
لمصلحة من تلك التصريحات المتوالية بتحميل حماس المسئولية وعدم قبول النصح؟
إنه في مصلحة المتربصين خلف الحدود ليُسكِتوا صوت الجهاد وهيهات هيهات أن ينالوا منهم، إنها معركة يديرها الله تعالى وإلا لانتهت حماس في الساعات الأولى، اللهم يومًا كيوم بدر، ونصرًا تعز به أهل دينك، وتخذل به المتقاعسين، والمستسلمين والمتآمرين.