أ. د. حلمي محمد القاعود

 

في الحقيقة لا أريد البكاء على قطة الرئيس الأمريكي المنصرف جورج بوش الابن، بعد أن وافاها الأجل المحتوم؛ عقب عشرة عقدين من الزمان بصحبة إحدى ابنتيه.

 

أريد أن أبكي على وفد الجامعة العربية الذي تكوَّن من بعض وزراء الخارجية العرب بقيادة الأمين العام للجامعة السيد عمرو موسى، وتعرضهم للمهانة على يد أمريكا والغرب في مجلس الأمن الدولي ثم الآنسة كونداليزا رايس وزيرة الخارجية الأمريكية.

 

قطة بوش استحقت منه الاهتمام والخروج عن الصمت، ليذيع البيت الأبيض بيانًا يرثيها ويعدد مناقبها، ويسرد ذكرياتها، ويبين الخسارة الفادحة التي أصابت أسرته برحيلها، فقد كانت "إنديا"- اسم القطة- نعم الصديق والعشير والمؤنس؛ قبل دخول البيت الأبيض وبعد دخوله.

 

في الوقت نفسه فإن أكثر من خمسمائة فلسطيني، قتلتهم آلة الحرب النازية اليهودية حتى يوم وفاة القطة "إنديا" لم يحركوا في فخامة الرئيس الأمريكي بوش عضلة وجهه، أو يهزوا له جفنًا، فموتهم على يد الطغاة النازيين اليهود مسألة عادية ولا تستحق أي اهتمامٍ من جانبه؛ لأنهم عرب من ناحية، ومسلمون من ناحية أخرى، والقتلة، يهود من ناحية ثالثة، وهو في كل الأحوال الرجل الصليبي الذي بعثته العناية الإلهية ليقلل عدد المسلمين في فلسطين المحتلة، والعراق وأفغانستان والصومال.

 

ثم لا ننسى أن المتحدث باسم البيت الأبيض، والآنسة كونداليزا رايس وزيرة الخارجية والسيد توني بلير رئيس وزراء بريطانيا السابق، ورئيس الرباعية الدولية (!)، والسيدة أنجيلا ميركل مستشارة ألمانيا، ووزير خارجية التشيك رئيس الاتحاد الأوروبي للدورة الحالية، أعلنوا بالفم المليان أنهم يؤيدون الكيان النازي اليهودي، وقالوا إن هجومه الوحشي على غزة دفاع عن النفس!

 

وفد الأشاوس والنشامى في مجلس الأمن بقيادة الأمين العام للجامعة العربية كان مهدودًا متعبًا مكدودًا، يريد البكاء ولا يستطيع، يتابع الجلسات الإذلالية بعيون زائغة مرهقة، لا يكاد يبين!

 

لقد جاء الوفد من بلاد العربان ليعرض مشروع قرار على مجلس الأمن يوقف العدوان النازي اليهودي، ويعيد لغزة المحاصرة فرصة التنفس والعودة إلى الحياة الطبيعية، ولكن القيادات الاستعمارية الصليبية في مجلس الأمن، ومعهم مندوبة العدو النازي اليهودي.. كانوا يسخرون من الوفد العربي ومن مشروعه، ويتركون المناقشات تستمر دون فائدة، ويقولون للوفد في النهاية: إن القرار غير متوازن؛ أي يجب إدانة الضحية قبل القاتل، ثم لا بد من إسقاط المقاومة الفلسطينية إلى الأبد، بلغتهم القضاء على الإرهاب، فيعود الأشاوس والنشامى بقيادة الأمين العام لتعديل مخطط القرار بتقديم المزيد من التنازلات، وتبدأ المناقشات في يوم أو يومين أو ثلاثة، وفي النهاية لم يتفق الأعضاء على صيغة محددة والسادة الصليبيون يدحرجون المناقشات والأوقات، حتى يتمكَّن القتلة النازيون اليهود من قتل المزيد من الشعب الفلسطيني في غزة، وتدمير المساجد والبيوت والمدارس والمعاهد وجامعة الأزهر وورش الحدادة ومخازن التجار وأنفاق الحدود والمستشفيات، ويقصفون معبر رفح والسور الفاصل بين رفح المصرية وغزة.

 

تمر الساعات والأيام، ووفد الأشاوس والنشامى، يفتقد النوم والراحة من أجل أن يناقش ويقدم المزيد من التنازلات؛ والصليبيون الاستعماريون بقيادة الصليبي الأمريكي المسلم (!) خليل زاده مندوب الولايات المتحدة في مجلس الأمن؛ يتراقص بمخطط القرار المعروض لإعطاء المزيد من الوقت للقتلة النازيين اليهود كي ينجزوا مهمتهم في غزة باستئصال المقاومة، والقضاء على ما تبقى من موضوع اسمه القضية الفلسطينية!.

 

وبعد اثنتي عشرة ليلة، تُقدم الآنسة كوندي للسادة أعضاء الوفد العربي مشروع بيان رئاسي يتمنى وقف القتال على الجانبين، كأن الفلسطينيين أصحاب جيش يقاتل عدوّه ويهاجمه في بلاده، ويملك السلاح والعتاد الذي يجعل اليهود في موقف الضعيف!

 

ويبدو أن الغيرة أخذت الوفد العربي الأشمّ، فغضب أخيرًا أو أظهر شيئًا من الغضب للمماطلة والتسويف اللذين يبديهما الغرب الاستعماري الصليبي المهيمن على مجلس الأمن في وقف العدوان، فتتنازل الآنسة كوندي، وتدعو الوفد العربي إلى لقاءٍ معها، دون الأمين العام للجامعة عمرو موسى ووزير الشئون الخارجية في دولة قطر! ويقبل الوفد الموقر ويجتمع مع الآنسة كوندي دون أن يحتجَّ من أجل رئيسه وعضو زميل لم تتم دعوتهما إلى الاجتماع، وكان الأولى بالوفد ألا يذهب إلى رايس دون بقية أعضائه، بل كان الأولى أن يعود مباشرة إلى أرض العروبة ويقول لحكوماته إذا كان لديها بقية من نخوة وإحساس بالفارق بين قطة بوش وضحايا العدوان النازي اليهودي: يجب أن نتحرك من هنا، ونعمل من هنا، ونتخذ قرارنا على الأرض من هنا.

 

والقرار على الأرض يمكن أن يكون فعالاً ومؤثرًا، فالغرب الصليبي الاستعماري الذي يدافع عن القتلة النازيين اليهود، يحتاج إلى بترولنا وأموالنا ومواقعنا الإستراتيجية، وأسواقنا وسياحنا و... وحين نقول له إن كل ذلك لن يقدم له على طبق من فضة أو صفيح، بل سيقدم مقابل تحقيق مصالحنا وحلّ مشكلاتنا، فإن الأمر سيختلف، لن تزري كوندي بعمرو موسى ووزير خارجية قطر، وبقية الوفد العربي الموقر، لن يقول مندوبو الغرب الاستعماري الصليبي إن القرار غير متوازن، ولن يدحرجوا الوقت حتى تستطيع الآلة النازية اليهودية قتل المزيد من أهل فلسطين وتدمير مؤسساتها وتحويل مدنهم وقراهم وبيوتهم إلى العصر الحجري!

 

لكني أتخيل أعضاء الوفد العربي قد ذهبوا إلى عتبة مجلس الأمن وأصروا على البكاء عندها وريّها بدموعهم الغزيرة واستجدائهم لكوندي وخليل زادة، وطلب المساواة مع قطة مبعوث العناية الإلهية السيد الصليبي بوش، ولكن أحدًا لا يستجيب لهم.

 

يبقى أن المقاومة الباسلة في أرض الإسراء تواجه قدرها بالرضا والصبر والأمل، وتبذل الدم الغالي فداء للأمة التي ضيعها حكامها ومسئولوها، ويصرون على الانتظار لاختيار الوقت الملائم والمكان الملائم لمواجهة الأعداء ولصوص الأوطان، في الوقت الذي لا ينتظرون فيه أبدًا حين يريدون مقاتلة شعوبهم العربية المسلمة، وتذكروا مشاهد القتال في شوارع القاهرة والإسكندرية وبقية المحافظات ضد الشعب المصري الذي خرج يهتف- مجرد هتاف- من أجل الشعب الفلسطيني المظلوم، واقرءوا صحف النظام المصري التي ردحت وفرشت الملاية لكل من أيّد المقاومة وساعدها ولو بالكلام، فضلاً عن تشريح جثة المقاومة على شاشة الإعلام المأجور والصحف البذيئة!

 

ولن أتكلم عن الدبابات والطائرات التي سحقت بوحشية وضراوة الشعب السوري ذات يوم في حماة وحلب ودمشق؛ لأن أهلها رفضوا الظلم الطائفي البشع! ولن أتكلم عن آخرين الآن...

 

الذين يستغربون الاهتمام بقطة بوش، وإصدار بيان بشأنها من البيت الأبيض، يجب أن يعلموا أن القطة في أمريكا لها كرامة وأهمية واحترام أكثر من الإنسان العربي المسلم في بلاد العرب المسلمين، وهذا هو السرّ، في أن القطة يمكن أن تكون لها حقوق هناك، أما هنا فالمواطن العربي المسلم لا قيمةَ له عند الجالسين على كراسي العز والشرف والمجد!

 

أصحاب المعالي والسمو وفد الأمة العربية إلى مجلس الأمن الدولي يجب أن تحصلوا على جنسية فنزويلا أولاً، والله معكم!

--------

* drhelmyalqaud@yahoo.com