في الأسبوع الماضي أقيم بالكويت مهرجان خطابي لدعم صمود غزة، وحين وقف النائب وليد الطبطبائي ليُلقيَ كلمته أمام الجماهير التي احتشدت بساحة "الإرادة"، ولشدة حماسه لمناصرة أهل غزة، وفي تنديده بموقف سلطة رام الله، فإنه انفعل إلى درجة أنه لوَّح بفردة حذائه وقال بصوت عالٍ تردَّد صداه في الفضاء الكويتي: "إنني أرفع عقالي تحيةً لإسماعيل هنية، وهذا حذائي أرفعه لمحمود عباس".
وإذ ضجَّت الساحة بالهتاف والتصفيق، فإن اللقطة "سرقت الكاميرا" من المهرجان، وأصبح حذاء الطبطبائي في الكويت في شهرة حذاء منتظر الزيدي في العراق والعالم الخارجي، فاحتلت صورة صاحبنا وهو رافعٌ حذاءه الصفحات الأولى من الصحف الكويتية، ونشرت صحيفة (الوطن) صورة للحذاء على عمودين وإلى جوارها برواز خاص تضمن مواصفاته، التي علمنا منها أنه من ماركة "هاش فاپيز" ورقمه في سجل الإنتاج كذا، ومقاسه 42 ولونه أسود، وأن "الفردة" التي ظهرت في الصور هي اليمنى (اليسرى مُدَّخرة لمناسبةٍ أخرى فيما يبدو)، كما علمنا أن أحد الكويتيين عرض شراء الحذاء بسبعة آلاف دينار، أي ما يعادل 23 ألف دولار.
وذكرت (الوطن) أن الدكتور الطبطبائي وافق على بيعه، وإن اشترط أن يتم ذلك في مزاد علني، وقال: "إن حصيلة البيع ستخصص لدعم فلسطينيِّي غزة".
حين سُئل الدكتور الطبطبائي لماذا فعلها، كان رده أنه أراد أن يُظهر امتعاضه واستياءه إزاء موقف السلطة ورئيسها، ولم يجد وسيلة لإيصال رسالته إلى الرأي العام ولفت الأنظار إليها إلا بالتلويح بحذائه، وأثبتت الممارسة أن رسالته وصلت؛ الأمر الذي يعني أن رفع الحذاء أصبح صيغةً مقبولةً في التعبير عن مشاعر السخط والرفض.
لا مبالغة في هذا الكلام؛ لأن المظاهرات التي خرجت في عواصم عالمية عدة منددة بالعدوان الصهيوني على غزة، استخدمت نفس الأسلوب، إلى جانب الهتافات واللافتات المرفوعة.. على الأقل فذلك ما ذكرته صحيفة (الأهرام) في عدد الإثنين 5/1 الحالي؛ إذ نشرت تقريرًا إخباريًّا تحت عنوان يقول: "التلويح بالأحذية قاسمٌ مشتركٌ في مظاهرات العالم"، وذكرت أن من بين العواصم التي ظهرت فيها الأحذية كرمزٍ للاحتجاج والغضب سيدني "في استراليا" وإستانبول وباريس وجاكرتا، وقد استُخدم الحذاء في ألعاب انتشرت على ما لا حصر له من المواقع الإلكترونية لاختبار الكفاءة في التصويب نحو الرئيس بوش.
سوف يسجِّل التاريخ للعرب وللصحفي الشاب منتظر الزيدي- تحديدًا- فضل استخدام الحذاء كأحد أسلحة التعبير عن السخط والبغض، وكان الزعيم السوفيتي فيكيتا خروشوف قد استخدم حذاءه لإثارة الانتباه والاحتجاج في المشهد الشهير الذي لا تزال تذكره له أروقة الأمم المتحدة.
وإلى ما قبل "قصف" الرئيس بوش بحذاء الزيدي فإن الأمريكيين كانوا يتعاملون مع الحذاء بمفهومٍ يستبعد فيه مفهوم الإهانة، حتى إن الواحد منهم أراد أن يقول للآخر ضع نفسك مكاني، فإنه يستخدم مصطلحًا شائعًا هو: "ضع نفسك في حذائي"، ولا يجد في ذلك حرجًا أو غضاضة.
أحد الأسئلة التي راودتني أثناء متابعة الدور الذي أصبح يرمز إليه الحذاء في ثقافة المرحلة الراهنة هو: لماذا كان النداء الشهير في المرحلة الناصرية: "ارفع رأسك يا أخي"، في حين أصبحنا الآن بالكاد نقول للمواطن العربي "ارفع حذاءك يا أخي"؟! وهل كان الشعار الأول تعبيرًا عن الشعور بالعزة والطموح، في حين أن النداء الثاني جاء تعبيرًا عن "القرف" وخيبة الأمل؟ وهل بوسعنا أن نقول إننا في الوقت الراهن أصبحنا نعاني الشعور بالانكسار واليأس والهزيمة، وأن طموحات الستينيات تراجعت، بحيث لم يعد بمقدورنا أن نرد العدوان بما يمكننا من أن نرفع رءوسنا، وفرضت علينا قلة الحيلة أن نكتفيَ بإهانة المعتدين واستمطار اللعنات عليهم؟ هل لديك إجابة عن تلك الأسئلة؟
----------
* الدستور 10/1/2009م.