أمتنا لن تموت؛ رغم ما يثخن جسمها من جراحات، وما يعتري طريقها من عقبات جسام؛ لأنها تحمل في داخلها عوامل البقاء، ولنكتفِ في التدليل على ذلك بشهادة التاريخ:
تمثل غزوة الأحزاب أول محاولة لاستئصال المسلمين والقضاء نهائيًّا على دولتهم الوليدة المتمثلة في المدينة المنورة؛ فقد تكوَّن حلفٌ يضمُّ كل القبائل العربية المناوئة للإسلام، تتزعَّمه قريش؛ أعلن نيَّته في التخلُّص من هذه "الأمة"، وحشد جيشًا كبيرًا حاصر المدينة مدةً طويلةً، وتجاوب معه اليهود المقيمون في أطرافها رغم وجود معاهدة بينهم وبين المسلمين؛ تعتبرهم مواطنين بكل معاني الكلمة.
كما تحرَّك المنافقون من داخل الدولة يشنُّون عليها حربًا نفسيةً مؤلمةً؛ لكن هذه "الأمة" تحمَّلت الحصار والخيانة، وتصدَّت للعدوان بكل ما تملك؛ فاندحر العدوان بتأييد من الله تعالى وخرجت المدينة (الأمة) سالمةً إلا من آلام إصابتها، وكانت بعدها أكثر قوةً وخبرةً وعزيمةً، وخاب المتحالفون ضدَّها رغم عددهم وسلاحهم.
وبعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم واجهت الأمة محطةً خطيرةً ثانيةً، تستهدف كيانها؛ وهي ارتداد بعض القبائل العربية (وهو ما يشبه الولايات أو المحافظات في عصرنا) بشكل يهدِّد بقاءَ الأمة ككيان؛ لكن الصحابة بقيادة أبي بكر رضي الله عنه تصدَّوا لهذه الظاهرة بكل حزم، رغم خطورة مسعاهم الذي كان يُنذر بنشوب حرب أهلية، لكنهم قبلوا تحدي المواجهة العسكرية كخيار وحيد للحفاظ على وجود الأمة، وانتصروا.
وبعد قرون من ذلك وجدت الأمة نفسها أمام امتحان عسير لا يتمثل في مجرد عدوان عسكري، ولكن في محاولة القضاء عليها نهائيًّا، وكان ثنائي الأداء إذ هجم الصليبيون أولاً من الغرب، وبعد ذلك اجتاح التتار بلاد الإسلام من الشرق، وقد أسقطت الجيوش الغربية عدة ممالك إسلامية واحتلت فلسطين، واستولت على القدس، وارتكبت ما يسمى الآن بجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية غاية في الفظاعة، وبقي بيت المقدس في أيديهم 91 سنة، ثم هبَّت الأمة وتحرَّكت، وأعدَّت العدة، وخاضت المعارك الكثيرة، وطردت الغزاة، واسترجعت المسجد الأقصى وباقي البلاد في الشام وغيرها.
أما التتار فقد بلغوا من الهمجية ما لم يكن يتصوَّره إنسان؛ إذ تفنَّنوا في القتل والتخريب، واستهداف رموز العلم والمعرفة وإفناء كل ما به من حياة، وكان لهم من القوة أمام الأمة الضعيفة المنهكة ما جعل الناس يرفعون شعار: "من قال لك إن التتار انهزموا فلا تصدقه"؛ مما يدل على انهيار نفسي كلي؛ إلى جانب سقوط بغداد عاصمة الدولة الإسلامية وقتل الخليفة وتدمير البلاد تدميرًا شبه كامل!!.
لكن الأمة لم تمت مع ذلك، وكانت أول شوكة تُكسَر للتتار على يد الجيش المصري بقيادة سيف الدين قطز في موقعة عين جالوت، ثم توالت هزائم الغزاة البرابرة واسترجعت الأمة عافيتها، وحدث أمرٌ عجيبٌ لم يَرَ التاريخُ مثله؛ هو أن التتار الغالبين دخلوا دين المسلمين المغلوبين وكتبوا بعد ذلك صفحات مجيدة في سجلِّ الأمة.
وابتُليت الأمة في العصر الحديث بالاحتلال الأجنبي لأراضيها وذهاب سيادتها وطمس هويتها وشخصيتها؛ حتى إن بلادًا كالجزائر مثلاً غدت جزءًا من "الوطن الأم"؛ أي فرنسا التي تحتلها ولم تعد العربية لغتها وحاول الاحتلال طرد الإسلام منها، وقد ظنَّ الكثير أن الاحتلال الغربي قضى على الأمة نهائيًّا.. لكن الحياة دبَّت فيها بعدما اعتقد أعداؤها أنَّها ماتت وقامت الثورات وحروب التحرير وعمَّ الجهاد أرجاءها وسقط الشهداء بالملايين وأخرجت المحتلَّ واستعادت استقلالها السياسي.
بكل هذا أثبتت الأمة أنها تحمل عوامل البقاء وإنما تصيبها الآلام وتنزل بها النكبات فتدفع العرق والدم، بل قد تتراجع وتسقط وتخلد إلى القعود وتغيب عن ميادين العطاء الإنساني والشهود الحضاري، وقد تأتي عليها فترات يكثر فيها عدوُّها ويقلُّ نصيرها؛ حتى يتراءى للنظر السطحي أنها آيلةٌ إلى البوار والفناء، لكنَّها تحيا دائمًا بعد موات كما يشهد التاريخ، وهذه المعاني يجب علينا استحضارها ونحن نعيش هذا الظرف العصيب الذي استأسد فيه اليهود؛ يسندهم الاستكبار العالمي ويشجِّعهم المنافقون الذين يعيشون بيننا؛ بل ويتولَّون أمورنا ويتكلَّمون باسم أمَّتنا، فلا يجوز أن يحُول حجاب المعاصرة بيننا وبين إبصار أمارات النصر المتمثلة في صمود الأمة؛ رغم ضعفها واستهدافها عسكريًّا وسياسيًّا وثقافيًّا وإعلاميًّا واقتصاديًّا وحضاريًّا، وبقاء روح الجهاد ونشاط المقاومة والرفض الجماهيري الواضح للاستسلام والتطبيع مع اليهود والإذعان للمشروع الغربي.
إن العدوان على غزَّة يشبه هجوم الأحزاب على المدينة المنورة، والصمود هنا كالصمود هناك، والتآمر هنا كالتآمر هناك، والظروف مشابهة على كل الأصعدة، وهذه المقدِّمات تُنبئ بنفس النتيجة وهي الانتصار وبقاء الأمة حيةً ذات طموح وذات رسالة.