حالت أمريكا عام 1967م دون أن يَصدر قرارٌ من مجلس الأمن ينص على الانسحاب الفوري من الأراضي المحتلة، مسجِّلةً بذلك سابقةً قانونيةً لم تحدث من قبل منذ تأسست الأمم المتحدة بعد الحرب العالمية الثانية.
واشترطت في القرار الصادر المشهور باسم القرار 242 اعترافًا مصريًّا عربيًّا بحق الكيان الصهيوني في الوجود مقابل الانسحاب من أراضٍ محتلة.
لم تكن أمريكا وقتها هي التي اعتدت على مصر أو احتلت أراضيَها بشكل مباشر، ولكنها هي التي أعطت الغطاء للكيان الصهيوني للاستمرار في احتلال أراضينا.
والآن تقوم مصر بدور مشابه؛ فهي تشارك في فرض الحصار على غزة وهي تعلم جيدًا أن غايته هو قبول حماس شروط التسوية والاعتراف بالكيان الصهيوني ونزع سلاح المقاومة.
لم تقبل مصر عام 1967م الشروط الأمريكية، واستمرت في النضال إلى أن حقَّقت نصر 1973م؛ الذي سرقته منا أمريكا في اتفاقيات كامب ديفيد، ولكن هذا حديث آخر.
لماذا تقبل مصر لغزة عام 2008م ما رفضته لنفسها عام 1967؟! وإذا كانت مصر- وهي على حق- قد رفضت التفريط في قطعة أرض صغيرة من أرض الوطن هي طابا؛ فلماذا تضغط مع الضاغطين على حماس وأخواتها لكي يتنازلوا عن فلسطين 1948 للكيان الغاصب؟
إنه من الأكرم لها أن تقف على الحياد.. نعم على الحياد؛ فإننا لم نعد نطالب الحكومة المصرية بالانحياز للمقاومة ودعمها، فهذا من شواهدنا أصبح بعيد المنال، وسنتولى نحن الشعب المصري وقواه الوطنية القيام بهذا الدور بمشيئة الله.. فقط قفوا على الحياد، ولا تنحازوا للمشروع الصهيوني.. هذا هو أقصى ما نطالب به الحكومة المصرية الآن.
لقد طالب توفيق الحكيم في منتصف السبعينيات حين كان السادات يوقِّع اتفاقيات كامب ديفيد مع الكيان الصهيوني بأن تقف مصر على الحياد بين العرب والكيان الصهيوني، كما وقفت سويسرا على الحياد في الحرب العالمية الثانية.. يومها ثار عليه الكتَّاب الوطنيون الشرفاء؛ أمثال أحمد بهاء الدين ورجاء النقاش وغيرهما، وقامت الدنيا ولم تقعد.. الآن نحن نتراجع ونعود لندعوكم لتبنِّي دعوة الحكيم بأن تقفوا على الحياد، لا نريد منكم دورًا في القضية الفلسطينية، فقط "اخلعوا منها"؛ لأنكم بذلك ستخلعون أنفسكم من موقع المباركة والدعم للموقف الصهيوني.
أنتم تعترفون بالكيان الصهيوني.. اكتفوا بذلك، ولكن لا تُرغموا المقاومة على الاعتراف، وقولوا لنا: ماذا أخذ الذين اعترفوا؟ ماذا أخذت جماعة أوسلو لفلسطين؟ لم تأخذ شيئًا ولن تأخذ، وحتى إن أعطوها شيئًا فسيعطونها مسخ دولة منزوعة السلاح منزوعة السيادة؛ لا تملك الدفاع عن نفسها أمام كتيبة صهيونية واحدة، وستضطر إلى الارتماء في أحضان الكيان الصهيوني وأمريكا للحفاظ على بقائها.
لا تتوهَّموا أن الكيان الصهيوني يمكن أن يعطي أكثر من ذلك، لقد طرد المقاتلين الفلسطينيين من لبنان عام 1982 ونفاهم إلى تونس لأنه اعتبرهم خطرًا على وجوده؛ فلماذا بعد ذلك قَبِل بعودتهم عام 1994م بناءً على أوسلو إلى الضفة وغزة الأقرب لها من لبنان والأشد خطرًا؟!
لا يمكن بطبيعة الحال أن يكون قد غيَّر رأيه أو انتقل من معسكر الأشرار إلى معسكر الأخيار بقدرة قادر، وإنما أعادهم وفقًا لشروط محددة؛ في القلب منها تصفية قضية فلسطين إلى الأبد، وتصفية المقاومة بشرًا وسلاحًا ومؤسساتٍ، وهو ما أسماه بالبنية التحتية للإرهاب.
إن الذين يأملون أن يأخذوا أي شيء الآن من الكيان الصهيوني، "ويبقى ربنا يعدلها فيما بعد"، يتناسون تاريخنا على امتداد قرن كامل، فتسويات الحرب العالمية الأولى ما زالت قائمةً حتى الآن، لم نستطِع المساس بها رغم الإجماع على رفضها.
ومثلاً آخر من مصر.. فهي بجلالة قدرها وقوَّتها ومكانتها عاجزة حتى الآن عن أن تعدِّل في الترتيبات الأمنية المفروضة عليها في اتفاقية كامب ديفيد منذ 1979م والتي تقيِّد إرادتها إلى أبلغ حدٍّ وتمس سيادتها على أرضها.
فلا تغامروا بأوطاننا أملاً في متغيرات مستقبلية لن تحدث.. ما ستأخذونه من الكيان الصهيوني بالتسوية الآن سيكون هو نهاية المطاف لعقود طويلة قادمة.. هذا إن أعطاكم شيئًا، ولن يفعل.
بناءً على ما ذكرت فإن العاقل الوحيد والواقعي الوحيد الآن في الساحة هو المقاومة في غزة؛ لأنها تدرك كل هذه الحقائق وتسلك الطريق الوحيد الممكن للتحرير، فإذا لم تكونوا راغبين في دعمها فعلى الأقل لا تشاركوا في إخضاعها.
لا تفعلوا بها- دام عزكم- ما فعلته أمريكا بمصر عام 1967م وبعد حرب 1973م؛ فكوا الحصار، افتحوا المعابر، اضغطوا لوقف العدوان.