د. إيهاب فؤاد

 

صرخات تشقُّ صوت الفضاء، وأنفس تبيت رهينةَ قيدِ السجان، وعسس يهدر بصوت العناء، ورءوس تثقلها كثرة الأنواء، صيحات مع كل صباح ومساء تنطق فينا، وتعربد في أجوائنا المتخمة بالكثير من الأهازيج، كلما علا صوت المؤذن استنكر فينا خنوعنا وضعفنا وهزالنا وصمتنا المريب.. خيولُنا لا تصهل، وسيوفُنا لا تضرب، ومدافُعنا لا تدوي، وطائراتنا مقصوصة الأجنحة، ودفاعاتنا مخترقة، ليوث على بعضنا البعض، أسود محليون من الطراز الأول، ونعامات دولية أيضًا من الطراز الأول..!

 

متناقضات في متناقضات، لكنها توحي بإفلاس في القيم، وغياب للضمير، وتفضح مؤامرةً خسيسةً، حتى أنه ما عاد يجدي انتسابنا للعرب، وما عاد يثمر انتماؤنا للوطن، وهتفت مع من هتف، بعد أن وقعنا فريسةً للعجز، وتسمَّرنا في الأرض، بينما أرض الرباط تنتهك، يضاجع قدسنا أخسّ الخلق، لم يعُد يشفي غلتنا غضب.. ما عاد يمحو العار.. ما عاد يجدي أن نتغنَّى بشهامة العربي وكرم العربي، بعد أن فقدنا شهامتنا، وهجرنا مروءتنا، متناسين أن الله سائل كل راعٍ عن عتاده الذي يحبسه ودماء المسلمين تنزف، وعن جيوشه الخاملة وجيوش الكفر تعربد في أرض الإسلام، بينما تاريخنا ينهار، ومآذننا تستباح، وأمتنا تسقط، يذبح أبناء الأمة على مرأي من أعين لم تعد ترى، وآذان فقدت سمعها، ونتذرَّع بالصمت العاجز، ونتشدَّق بديمقراطية عرجاء.

 

اليوم دعاة الحرية والديمقراطية حظروا بث قناة (الأقصى)، يستكثرون على المجاهدين أن يعبِّروا عن أنفسهم، وأن تكون لهم قناة تتحدث باسمهم، والله إنها من بشريات النصر، واستكمال لمسلسل الهزيمة، والإفلاس الذي بدأ بضرب المدنيين العُزَّل، واعتقال الأبرياء الآمنين، وقتل الأطفال، وترويع الشيوخ.. إنه الإفلاس الذي لطَّخ وجه صهيون بالعار والذل والشنار.. يريدون أن يغطوا هزائمهم، وأن يكتموا أسرارهم المشينة، وأن لا يُظهروا بطولات المجاهدين التي أقضت مضاجعهم، ودكت حصونهم، وزلزلت قلاعهم وجعلتهم يتخذون من الملاجئ الأرضية سكنًا يدارون فيه فزعهم.. إنها بشريات النصر التي وعدها الله عباده الصابرين، ووعدها المتقين، وملامح الهزيمة للقوة المزعومة، وإليكم بعضًا من هذه البشريات:

 

* لم ينجح الجيش الصهيوني في إصابة خلية إطلاق صواريخ واحدة.. رغم التحليق المكثف لطائراته، ورغم مساحة القطاع الضيقة التي لا تجاوز جوًّا مساحة الـ13 كيلو مترًا، وهو ما يجعل من إطلاق الصواريخ أمرًا بالغ الصعوبة، ورغم ذلك لم تتوقف الصواريخ، بل ظلت تضرب بكفاءة عالية، لا يفقد صاروخ هدفه، ولا يضلُّ طريقه، والاستمرار في حدِّ ذاته دليل على انتصار المقاومة لأنه كان هدفًا رئيسًا من الحرب اليهودية على غزة.

 

* مفاجآت القسَّام تتوالي، ولأول مرة بدأت أولى مفاجآت القسام تتضح بصواريخ يصل مداها إلى 45 كيلو مترًا، لتضع قرابة ثلاثة أرباع مليون صهيوني تحت تهديد القصف الصهيوني!.

 

* صواريخ القسام جعلت سكان المدن والمغتصبات في محيط الـ45 كيلو مترًا يعيشون في الملاجئ وبعضهم توجه إلى تل أبيب هربًا من نيران القصف الصهيوني، أصبحت مدينة بئر السبع "وهي من المدن المهمة" في مرمى النيران القسامية وتم إصدار الأوامر بإخلائها حتى إشعار آخر.. ولعلنا شاهدنا صورة وزير الصناعة وهو ينزل تحت عجلات إحدى السيارات أثناء حدوث صوت صاروخ في مؤتمر صحفي.

 

* جميع قيادات الصف الأول والثاني والثالث القسامية والسياسية بفضل الله تعالى لم يُصَب أحد منهم بأذى، ولم يسجِّل الصهاينة نصرًا بإصابة أحدهم.

 

* استهداف المدنيين والجامعات والمدارس والمساجد والبيوت.. دليل إفلاس وانكسار وهزيمة.

 

* المبادرات الهزيلة للبحث عن مخرج يحفظ ماء الوجه.

 

* على المستوى الشعبي.. صمود يستحق الدراسة، وثبات يستحق الإشادة من جانب الفلسطينيين في غزة دون استثناء.

 

* تفاعلات في أنحاء العالم، وخروج للملايين حرَّكها صمود الأبطال في الميدان. ويظل حداؤنا الدائم:

هذي الديار ديارنا مهما خبت .... فينا المروءة والشجاعة يا عرب

هذه الدماء دماؤنا مهما جثت .... بعد السلام أنوف قوم للركب

هذا الشهيد شهيدنا مهما عبث .... صوت الخديعة في أناشيد الغضب

الأرض تقسم أنها لن تنحني .... وكذا صبايا القوم في عز تهب

ويبقى الأمل في نصر الله لعباده، نصرًا يعز به الإسلام وأهله، ويخذل الباطل وأهله.