البدوي عبد العظيم البدوي
لا شكَّ أن الفلسطينيين وحكومتهم المنتخبة في غزة يعانون أشد المعاناة من جرَّاء القصف الذي لا يكاد ينتهي، والذي يدمِّر الأخضر واليابس ويُحرق الزرع ويُفني الضرع، ولا يدع حجرًا على حجر إلا قلبه بفعل الأسلحة الأحدث في العالم الواردة من أمريكا والذخائر التي لم يتم تجربتها قبل ذلك على بشر.

ولكن المعاناة الأشد من تلك هي معاناة ظلم أولي القربى، وليت هذا الظلم صريح، ولكنه ظلم مستتر؛ يحتال فيه الأشقاء ليكيدوا لإخوانهم في العروبة والإسلام؛ وبذلك تكون قد وقعت المقاومة بين شقَّي رحى، وهذا النوع معروفٌ آخره؛ حيث لا يفل الحديد إلا الحديد، وإنه لجهادٌ نصر أو استشهاد.
أما الظلم الآخر فهو ظلم احتيال الدول العربية، خاصةً "المعتدلة منها!!" لتصفية المشروع المقاوم بأكمله أيًّا كان موقعه، سواء في فلسطين أو لبنان أو سوريا.. إلخ، وليت ذلك الاحتيال كان لتحقيق مصالح حقيقية لتلك الدول أو شعوبها، إلا أن ذلك الاحتيال فقط لتحقيق مصالح خاصة وفئوية، سواء لفئة حاكمة أو شخصية بحاكم في ماله أو عياله، وكلها تتعارض مع المصالح العليا لشعوبهم ومصالح الأمن القومي لتلك الدول والأمن القومي العربي كافة.
ذلك الاحتيال جعل تلك الدول تُعرقل وتمنع عقد القمة العربية التي دعت إليها قطر وسوريا؛ وذلك الاحتيال هو الذي أخرج لنا مبادرات تكرِّس الاحتلال وتمنع المقاومة من استعادة عافيتها أو حتى الاعتراف بها؛ وهو الذي أطلق يد محمود عباس الرئيس السابق للسلطة الفلسطينية، والذي انتهت ولايته في التاسع من يناير ومجموعته على أبناء شعبه تنكيلاً واعتقالاً وقتلاً مثلما يفعل أي نظام عربي (معتدل!!) في أبناء شعبه, ذلك الاحتيال هو الذي منع النظام المصري من فتح معبر رفح ليكون الشريانَ الذي يمد غزة بالحياة، بل جعله بابًا للسجن أشد وطأةً من باقي المعابر التي تحت السيطرة الصهيونية الأخرى، وذلك الاحتيال هو الذي جعل تلك الدول (المعتدلة!!) تهرول إلى مجلس الأمن لتستخرج منه قرارًا- أي قرارٍ- يكون فيه حفظ ماء وجوههم أمام تلك الشعوب التي خرجت عن بكرةِ أبيها تطالب بفتح المعابر ومد غزة بالكهرباء والمستلزمات الطبية والغذاء، وكأنه ليس من حقِّ الشاة أن تتغذَّى أو تشرب قبل أن يتم ذبحها، مع الفارق أن مَن يُقدَّمون ليذبحوا هذه المرة هم بعض منا.. هم إخواننا وليسوا خرافًا.
لقد وقفت المظاهرات في الدول العربية لتحيي فنزويلا على موقفها الرجولي والشهم والحر من هذا الاعتداء السافل الأثيم.. تحيي موقفًا لم تجده من زعمائها العرب، بل لم تسمع من زعمائها كلامًا نصف الذي قاله شافيز، والذي قال إن ضميره وكرامته لا تسمح له أن يظلَّ السفير الصهيوني موجودًا على أرضه بعد كل تلك المذابح التي فعلوها تجاه الفلسطينيين!!.
لعل الرجل لم يفهم ما فهمه زعماء الدول العربية المعتدلين- نسأل الله أن يعدلهم بحقٍّ أو يعدلهم على القبلةِ لنستريح منهم غير مأسوفٍ على اعتدالهم- ولعل صوت الشعوب العربية قد وصل إليه هناك في فنزويلا، ولكنه لم يصل إلى زعماء تلك البلاد المعتدلة، ولعلنا نجد العذر لأعضاء الكونجرس الأمريكي الذين أصدروا قرارًا يُدينون فيه حماس ويلتمسون العذر للكيان الصهيوني فيما يفعله!!؛ فلهم العذر كل العذر، كيف لا وزعماء الدول العربية يرون تلك النظرة ويلبسون ذات النظارة التي يرون بها الأحداث؟! لعل الجميع يشاهدون الـ(CNN).
أما تلك الشعوب ومعها شافيز فيشاهدون (الجزيرة) التي تستحق كل تلك الهجمة الشرسة عليها؛ لأنها أبرزت الحقيقة على الهواء ودون تجميل، ومن الممكن أن يتم بموجب هذا الفهم طرد السفير الفنزويلي؛ لأن دولته "مش فاهمة حاجة؛ لا هي ولا حتى باقي الشعوب كلها"!!.
ورغم كل ذلك الألم يجب على المقاومة الفلسطينية أن تستمر وترفع رأسها ورءوسنا إلى أعلى غير عابئةٍ بما ترميها به تلك الأنظمة من مؤامراتٍ واحتيال، وتركز على الاستمرار ليظل هناك حول البيت المقدس وفي أكنافه تلك الفئة المقاومة الظاهرون على الحقِّ، فلا يضركم أبدًا من خذلكم ومَن خانكم؛ ففي مزبلة التاريخ العربي متسع للجميع لكل مَن يرى أن المقاومة خطرٌ عليه وعلى أن يتم توريث الحكم لأولاده أو لكل زعيمٍ يظن أن الوعود الأمريكية هي أضمن من التفافِ شعوبهم حولهم.
نعم.. في المذبلة متسعٌ للجميع، ولن يصح في النهاية إلا الصحيح، وحماس ليس لديها إلا الصبر وتقديم التضحيات، وفي طيات ذلك انتصار كبير على المستويين الداخلي والدولي بخلاف المكاسب التي حققتها بالفعل على مستوى الشارعين العربي والإسلامي.