- عاطف: تركت العمل بشرطة السلطة وانضممت إلى صفوف المقاومة

- والد نضال: ابني سيعلِّم الأجيال القادمة معاني التضحية والاستشهاد

- عماد.. فَقَد القدرة على الإنجاب بسبب الإصابة بعد 3 أشهر من الزواج

- باسل المصري.. أخ لشهيدين ووالدته تتمنَّى أن يكون الثالث

- إياد: ستسمعون قريبًا أخبار وبيانات النصر

 

تحقيق- هبة مصطفى:

وجوه ضاحكة مستبشرة؛ تلمع أعينها ببريقٍ فيه قوة وصمود، دون أن تستمع إلى مآسيهم، تتعلَّم من نظراتهم وتحمُّلهم القوةَ والبسالةَ؛ لا تشعر في حديثهم ببكاء على الأطلال، أو ندبٍ لحالهم، تُشعِرك قوتهم في تحمل الحصار والقصف أنهم أُناسٌ ليسوا بالبشر الطبيعيين، هم بالفعل مختلفون عن بقية البشر؛ فألسنتهم تتمتم دائمًا بحمد الله على قضائه وقدره، وكأن لسان حالهم يردد: "إلهي.. إن لم يكن بك غضبٌ عليَّ فلا أبالي".

 

حديثُنا ليس عن ملائكةٍ من السماء أو صحابةٍ من عهد الرسول صلى الله عليه وسلم، وإنما عن أهل العزة.. أهل غزة.. عن جرحى ومصابين كانوا أفضل حالاً من ذويهم الذين لم تتسنَّ لهم فرصة عبور معبر رفح لتلقِّي العلاج داخل الأراضي المصرية، وتكدَّسوا داخل أروقة مستشفيات قطاع غزة ومستشفى الشفاء ما بين شهيدٍ وجريحٍ ينتظر دوره؛ إما في الدفن أو العلاج بإمكانيات لا يمكن وصفها بالطبية.

 

فداخل أروقة معهد ناصر بالقاهرة يرقد ما يقرب من 34 جريحًا فلسطينيًّا؛ جمعهم جرح واحد؛ لا تستطيع أن تُميِّز بين الفتحاوية منهم والحمساوية، عبروا معبر رفح لتلقِّي العلاج إثر إصابات ما بين خطيرة ومتوسطة؛ بعضهم سمحت لنا حالته الصحية بالاقتراب منه والحديث معه ومعايشة قصة صموده وصمود شعبه، والبعض الآخر لم يستطع الحديث معنا بسبب ظروفه الصحية، واكتفى إما بالابتسامة التي تحمل معاني "نحن على قدر الله صابرون وصامدون"، أو برفع يديه بعلامة النصر.

كاميرا (إخوان أون لاين) كانت معهم ورصدت مشاعرهم:

 

زعتر ودُقة

كانت البداية داخل عنبر السيدات؛ حيث رقدت "هداية" السيدة الوحيدة التي سمحت السلطات المصرية بعبورها معبر رفح للعلاج.

 

أُصيبت هداية بحروق وشظايا في قدميها نتيجة قصف منزلها بصاروخ صهيوني غادر؛ أصابت شظاياه المُحرِقة قدميها أثناء إعدادها الطعام لأولادها؛ الطعام الذي غالبًا ما يكون إما "زعتر" أو "دُقة" نتيجة الحصار القاسي الذي أعاق جميع أفراد الأسرة عن أداء مهامهم.

 

فأولاد هداية أقعدهم الحصار داخل المنزل بلا عمل؛ فالمصانع التي يقوم عملها على الوقود والغاز تعطَّلت بسبب منع دخولها قطاع غزة.

 

وخلال حديثها أكدت هداية تمسك أهل غزة بأرضهم وبالإقامة فيها مهما دمَّر الصهاينة البنية التحتية لها، ومهما تم قصفها وتدميرها، كما أشارت إلى أنه لا داعي من تخوفات السلطة المصرية من نزوح فلسطينيِّي غزة إلى رفح المصرية أو سيناء؛ لأنهم لن يغادروا أرضهم ولن يتركوها للصهاينة حتى لو دُفنوا فيها؛ لذا لا يوجد تخوُّفٌ من فتح المعبر بشكل جزئي لعبور الأدوية والمؤن التي لم يُسمَح حتى الآن إلا بدخول شاحنة واحدة منها.

 

استئصال

انتقلنا بعدها للقاء الأطفال والصبية والفتيان الفلسطينيين الغزاويين الذين علاهم سمت الصمود والقوة؛ كان أصغرهم سنًّا "بلال" الذي لم يتجاوز السابعة من عمره.

 الصورة غير متاحة

 بلال ذو السبع سنوات يسأل نفسه هل أجد بيتي عندما أعود أم دمره الاحتلال

 

بلال لم تكن إصابته من جرَّاء القصف الأخير، وإنما هي نتيجة حصار غاشم على القطاع منذ ما يقرب من عامين؛ فبلال يعاني منذ عامين من تضخم بإحدى كليتيه؛ وهو الأمر الذي دفع الأطباء الفلسطينيين إلى نصيحة والده بمعالجته بالخارج؛ لعدم توفر إمكانيات علاجه بالأراضي الفلسطينية، وهو ما كان صعبَ المنال على والد بلال بسبب تعنت قوات الاحتلال في السماح بسفر بلال.

 

ومع القصف الأخير وتمكُّن الجرحى الفلسطينيين من دخول الأراضي المصرية لتلقِّي العلاج؛ دخل بلال بصحبة والده، وفي معهد ناصر أخبر الأطباء والده بأن الوقت قد تأخَّر لعلاج الكلية المُصابة، وقرر الأطباء استئصالها.

 

كانت عينا بلال تدمعان ما بين الحين والآخر؛ فتارةً يتذكَّر والدته وإخوته ويتمنَّى العودة إليهم أو الاطمئنان عليهم، وتارةً يتمنَّى اللعب مع أصدقائه والعودة إلى زملاء مدرسته، كما أنه يخشى من عدم تمكُّنه هو ووالده من العودة إلى أهلهم في غزة بسبب تباعد فترات فتح المعبر أو بسبب القصف المستمر.

 

عسكر وحرامي

وأثناء تجولنا في أحد أروقة معهد ناصر سمعنا بكاء طفلة صغيرة.. تعرَّفنا على "زينة" الطفلة الفلسطينية البالغة من العمر 9 سنوات، والتي تقطن بمدينة رفح.

 

اشتاقت زينة للعب مع ذويها، وروت لنا عن أكثر لعبة تفضلها "الدريس"، والتي كانت تلعبها مع زميلاتها وجيرانها، وهي نفس اللعبة التي كانت تلعبها مع باقي أطفال مدينة رفح وقت حدوث العدوان والقصف الغاشم؛ أصيب فيه عددٌ من الأطفال بإصابات مختلفة، سرعان ما توقفت زينة عن البكاء وهي تحكي عن زملائها ومدرستها في ظل الحصار وعن لعبة "عسكر وحرامي" التي يفضِّلها الكبير والصغير بالأراضي الفلسطينية، والتي دائمًا ما يمثِّل فيها اليهود دور "الحرامي" والمقاومة دور"العسكر".

 

ثم أجهشت زينة مرة أخرى في البكاء وأعربت عن تخوفها الشديد من عدم التمكن من العودة إلى بلادها.

 الصورة غير متاحة

نظرة أمل من علاء طالب بالصف الأول الإعدادي

 

طلاب المدارس أيضًا لم يسلموا من القصف الغاشم؛ حيث أُصيب علاء ( طالب بالصف الأول الإعدادي) بجروح غائرة في قدميه نتيجة إطلاق صاروخ على إحدى الطرق التي اعتاد علاء ارتيادها أثناء توجُّهه إلى مدرسته كل صباح.

 

علاء أعرب لنا أثناء زيارتنا له عن رغبته في الالتحاق بكلية الصيدلة عندما يكبر؛ ليتعلَّم كيفية تصنيع الدواء؛ حتى يكون عونًا للكثير من مرضى غزة الذين إما لا يملكون ثمن الدواء أو يعانون من عدم توفر الأدوية بسبب الحصار أو بسبب إغلاق المعابر، ولكن إصابة قدمي علاء لم تَثْنِه عن أحلامه وعن رغبته في أن يكون أحد أفراد المقاومة.

 

طبيب بقدم واحدة

تلفَّح الحاج زكي بالشال الفلسطيني أثناء تجوله في طرقات مستشفى معهد ناصر، كان من الواضح أنه كان يطمئن على أهله في غزة من خلال هاتفه الجوال، علا صوته أثناء الحديث، وتتبعناه إلى حجرته وسألناه إذا ما إذا كان يؤرقه شيء ما، فأجاب بأنه منذ ساعتين فقط كان يتحدَّث إلى جيرانه من غزة وفَقَد الاتصال بهم، فحاول الاتصال بغيرهم للاطمئنان عليهم، ولكن أبلغه أحد أصدقائه الغزاويين بانهيار المنزل فوق رءوس جيرانه منذ دقائق من جرَّاء قصف صاروخي لمنزلهم.

 

محمد زكي طالب بالثانوية العامة بترت قدمه في القصف الوحشي

 

سألنا الحاج زكي عن سبب وجوده بمستشفى معهد ناصر؛ حيث إن حالته الصحية تبدو مستقرة، وأخبرنا أنه بخير حال، ولكنه مرافقٌ لولده محمد الذي يتلقَّى العلاج بالمعهد إثر إصابة قدميه بشظايا متطايرة من صاروخ تم قصفه على أحد المنازل المجاورة لمنزلهم؛ مما أدى إلى بتر إحدى ساقيه، وينتظر إجراء عمليات جراحية لقدمه الأخرى حتى يستطيع تحريكها.

 

محمد طالب في الثانوية العامة، طالما حلم بأن يصبح طبيبًا، ورغم الحصار والدمار استطاع محمد أن يجتهد في دراسته؛ مما جعل والده يصفه بولده البار المتفوِّق.

 

للحظات انتابه شعورٌ بالخوف من عدم تمكنه من الحركة، وعلَّق: "هل يوجد طبيب مبتورة قدماه؟!"، ولكنه سرعان ما رضي بقضاء الله وقدره، وأكد أنه سيظل صامدًا وسيبقى مجتهدًا في دراسته حتى يحقِّق ما يبتغيه.

 

نضال مُعلِّم

اسمه "نضال" وحاله نضال؛ فهو طالب بالسنة النهائية بكلية التربية جامعة الأقصى، اختار كلية التربية دون غيرها حتى يُعلِّم الأجيال القادمة معانيَ وقيم المقاومة والحرية، وأن التميز العلمي هو سبيل مهم للغاية لكي تتفوَّق على عدوك.

 

وأثناء توجُّهه إلى جامعته لتلقِّي المحاضرات الختامية للفصل الدراسي الأول تم إطلاق صاروخ على الدراجة البخارية التي كانت تقله إلى جامعته فأطاحت بقدمه بأكملها.

 

عند هذه الكلمات توقف الحاج عبد العزيز والد نضال عن حديثه وقال: "مهما عملوا اليهود راح يبقى نضال مُعلم لأطفال غزة"، أما نضال فحاولنا التحدث إليه، ولكنه كان مصابًا بارتفاع شديد في درجة حرارته ولم يستطع التحدث تمامًا.

 

عَشْر أذرع

حالة من الحماس والحمية تنتابك عند دخولك حجرة إياد البالغ من العمر 32 عامًا؛ فعند دخولك حجرته تجد حوله الأعلام الفلسطينية والمصحف الشريف، عنقه محاطٌ بالشال الفلسطيني، وعلى الرغم من إصابة ذراعه وتهشم عظامه بالكامل وإصابته بشظايا شجَّت رأسه وحرقت ذراعه الأخرى، إلا أنه رفع علامة النصر والشهادة بإصبعيه.

 

علت البسمة وجهه عندما تحدث إلينا عن مدى رعب اليهود من صواريخ المقاومة البسيطة الصنع والمدوية في تأثيرها، ورغم الحصار والدمار والقصف والقتل والتشريد أكد لنا إياد أننا سنسمع قريبًا أخبار انتصار المقاومة رغم أنف اليهود، وسنسمع أخبار انسحاب الصهاينة من قطاع غزة يجرون أذيال الهزيمة وراءهم، حينها سيشعر أن الله تعالى أبدله عشر أذرع بدلاً من التي أصيب بها ليقاوم ويقاتل بها في سبيل الله.

 

من السلطة إلى المقاومة

 الصورة غير متاحة

عاطف يبتسم رغم آلامه

عندما تنزل إلى أرض المعركة وتجاهد بحق للدفاع عن أرضك وتترك مكمنك الذي تحتمي به خوفًا من المواجهة؛ ترى الحق حقًّا والباطل باطلاً.. درس عظيم علَّمنا إياه عاطف عبد الرحمن الذي كان يعمل كأحد أفراد الشرطة بأجهزة السلطة الفلسطينية، والذي كان يتلقَّى أوامر عشوائية باعتقال فلان أو ضرب فلان أو المساهمة في قهر وظلم فلان، ولكنه لنقاء قلبه وصدق هدفه علم أن إتقانه عمله أن يوجِّه سلاحه إلى من شرَّدوا أهله ودمَّروا وحرقوا أرضه لا إلى أشقائه.

 

ترك عاطف صفوف الشرطة لينضم إلى صفوف المجاهدين والمقاومة، ومع أول أيام القصف والعدوان على غزة في 27 من ديسمبر الماضي اقتاد القدر عاطف ليمر بجوار قاعدة إطلاق صواريخ لكتائب عز الدين القسام الجناح العسكري لحركة المقاومة الإسلامية حماس في الوقت الذي كانت تتعرَّض فيه القاعدة للقصف من قِبل طائرة استطلاع "زنانة" كما يُطلق عليها الغزاويون لكشف الحدود، وهي طائرة بدون طيار يتم التحكم فيها عن بُعد.

 

كانت الطائرة تحمل صاروخين قصفت بهما المجمعات المدنية المحيطة بقاعدة صواريخ القسام على مقربة من 10 إلى 15 مترًا من المدنيين، فأصيب عاطف- وهو أب لخمسة من الأولاد- بشظايا على عمق 9 سم في عظمة الفخذ اليمنى و3 سم بعظمة الساق.

 

أُجريت له عملية جراحية بمستشفى معهد ناصر لمدة 6 ساعات متواصلة، وينتظر استكمال سلسلة من العمليات الجراحية لإنقاذ قدمه التي فجَّرتها الصواريخ الصهيونية المتوحشة.

 

أولاد في سبيل الله

الحجرة التالية كانت مختلفةً؛ تشعر عندما تدخلها بأن الملائكة تحفُّها؛ فعلى أحد أسرَّتها رقد باسل سميح المصري شقيق الشهيدين إبراهيم سميح المصري وأحمد سميح المصري، اللذين استُشهدا في رمضان 2002م في عملية استشهادية لقي على إثرها عددٌ من اليهود مصرعهم.

 

وصل باسل إلى معهد ناصر فور فتح معبر رفح، رافقته والدته التي تتمنَّى- حين تراها- أن تكون هي والدتك؛ فهي أمٌّ لشهيدين قامت بتربيتهما منذ الصغر على المقاومة وحب الجهاد والشهادة في سبيل الله.

 

روت لنا علاقتها بشهيديها ومدى تعلُّق بعضهما ببعض، وكيف أنها تمنَّت أن يكون لها من الأولاد ألف وأكثر تَنذُرُهم لوجه الله تعالى لنصرة دينه والدفاع عن أرضه، وكيف كانت فرحتها بنبأ استشهادهما، وكيف كان شعورها عندما رأت ولدها باسل يختنق أمامها.

 

رافقته في رحلته لتلقِّي العلاج في مصر، وأثناء رحلتها رأت أم الشهداء شاحنات ممتلئة بالأدوية والأغذية تنتظر الإذن لها بالدخول.

 

سقط أثناء رحلتهم من بيت حانون إلى رفح 7 شهداء، ظلَّت أم الشهداء تردد هي وولدها باسل "الشهادة" طوال الطريق.

 

أما عن إصابة باسل فشخَّص الأطباء حالته على أنه اختناق وتمزُّق جزئي في الرئة والمريء نتيجة استنشاقه غازات سامة نشبت عن الأسلحة المُحرَّمة دوليًّا التي يستخدمها الصهاينة في قصفهم لأهل غزة، وينتظر باسل إجراء عملية جراحية لمداواة إصابته بعد أسبوعين.

 

حلم الأبوة

أثناء مرورنا تردَّد على مسامعنا أكثر من مرة كلمة "سلامتك يا عريس"، "دير حالك على بالك يا عريس"، سألنا فوجدنا العديد من المصابين حديثي الزواج؛ فمنهم من تزوَّج منذ شهر قُبيل القصف، ومنهم من تزوَّج منذ 3 أشهر.

 

أسامة تزوَّج منذ شهر، ويعمل بمعمل للحلويات بقطاع غزة، وأثناء عودته من عمله أُصيب بقدمه من جرَّاء القصف الوحشي؛ مما أدى إلى بتر قدمه وإصابته بعموده الفقري.

 

أما عماد فقد تزوَّج منذ 3 أشهر، ويتمنَّى عند عودته إلى غزة أن يجد زوجته تحمل بين أحشائها مولودًا؛ لأن إصابته بالعمود الفقري لن تمكِّنه من الإنجاب بعد ذلك- حسب تشخيص الأطباء- فصواريخ الاحتلال لا تفرِّق بين شيخ أو شاب، أو بين طفل وامرأة.