- توثيق الانتهاكات ضرورة لمواجهة الصهاينة

- جرائم الحرب لا تسقط بالتقادم

- القانون الدولي يُطبَّق على الضعفاء فقط

- مطلوب موافقة الدول دائمة العضوية في مجلس الأمن

 

تحقيق- نور المصري:

مع استمرار العدوان الصهيوني على قطاع غزة تستمر آلة الحرب الصهيونية في استهداف المدنيين وبيوتهم وأماكن عبادتهم، وتخطَّى الإجرام الصهيوني الذي لم يعد يأبه بقانونٍ أو بشرعيةٍ دوليةٍ حدوده ووصل إلى استهداف مدرسة الفاخورة التابعة لـ"الأنروا"، والتي كان يحتمي فيها آلاف المدنيين من القصف الصهيوني بحثًا عن مكان "أقل خطرًا"؛ لأن البحث عن مكانٍ "آمن" في غزة أصبح ضربًا من ضروبِ الخيال.

 

المنظمات الحقوقية العربية والدولية نادت من جانبها بضرورة محاكمة قيادات الكيان الصهيوني كمجرمي حرب بتهمة انتهاك قواعد القانون الدولي، والمخزي هنا هو الموقف الدولي الذي رفض إصدار بيان يُدين فيه العدوان الصهيوني ويعتبره عملاً مخالفًا للقواعد الدولية.

 

ويطفو على سطح الذاكرة الآن موقف المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية أوكامبو الذي طالب بإلقاء القبض على عمر البشير الرئيس السوداني بتهم ارتكاب جرائم ضد الإنسانية في إقليم دارفور.

 

وهو ما يُثير التساؤلات: ألم يرَ أوكامبو دماء وأشلاء أطفال ونساء غزة من جرَّاء العدوان الصهيوني؟ أم أن الدم العربي والمسلم رخيص إلى هذا الحد؟!.

 

والتساؤل الذي يطرح نفسه: لماذا هذا الصمت المريب من قِبل المجتمع الدولي على ما يُرتكب من مجازر في حقِّ أهالي قطاع غزة؟ أم أن تلك المجازر لا ترقى لوصف جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية من وجهةِ نظره؟ وهل كان موقف المجتمع الدولي سيكون هو ذاك الموقف المخزي لو ارتُكبت تلك الجرائم بحقِّ أُناسٍ غير العرب؟.

 

ثم ما النصوص القانونية التي يمكن الاستناد عليها في توجيه هذه التهم؟ وما الجهات التي يخول لها القانون تحريك مثل هذه الدعاوى؟

 

(إخوان أون لاين) استطلع آراء عدد من خبراء القانون الدولي حول إمكانية إدانة الصهاينة بارتكاب جرائم ضد الإنسانية في غزة ومحاكمتهم.

 

إرادة سياسية

 الصورة غير متاحة

د. أحمد أبو بركة

في البداية يعتبر الدكتور أحمد أبو بركة خبير القانون الدولي وعضو اللجنة التشريعية بمجلس الشعب أن ما يحدث من قتلٍ وتدميرٍ وهدمٍ للمنازل وتشريدٍ للمواطنين في قطاع غزة جرائم حرب بموجب القانون الدولي الإنساني واتفاقية جنيف الرابعة وبموجب القانون الأساسي لمحكمة الجنايات الدولية.

 

وأكد أبو بركة أن ما يحدث في قطاع غزة يجب ألا يمر مرور الكرام، ولكن يجب أن يحاكم مرتكبوه؛ وذلك من خلال التوثيق الشامل لكافة الجرائم التي يرتكبها العدو الصهيوني تمهيدًا لتقديم قادة الكيان الصهيوني إلى المحاكمة الدولية، موضحًا أن إجراءات محاكمة مجرمي الحرب الصهيونية معروفة للجميع، ولكنها تحتاج إلى إرادة من المعنيين- الأنظمة العربية ومنظمات حقوق الإنسان العربية والدولية ومندوب فلسطين في الأمم المتحدة وغيرهم- لتفعيل تلك الإجراءات ورفع دعاوى قضائية لملاحقة مرتكبي تلك الجرائم.

 

وأضاف أبو بركة من المعروف أن القانون الدولي لا يُطبَّق عامة إلا على الضعفاء، إلا أنه على الشعوب العربية ومنظمات حقوق الإنسان والمعنيين بحقوق أهالي قطاع غزة ألا ييأسوا وأن يواصلوا الجهد ويرفعوا الصوت ويجمعوا الأدلة اللازمة للإدانة حتى تصدر قرارات ملاحقة بحق قادة الكيان الصهيوني.

 

توثيق الجرائم

من جانبه يستنكر الدكتور أحمد أبو الوفا رئيس قسم القانون الدولي بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة العدوان الصهيوني على المدنيين الأبرياء في قطاع غزة، معتبرًا ذلك انتهاكًا صريحًا وواضحًا للقانون الدولي الإنساني حيث تحظر "المادة 3" من اتفاقية (جنيف) الرابعة بشكلٍ قاطعٍ الاعتداء على المدنيين وتهديد حياتهم سواء بالقتل بجميع أشكاله، أو التشويه، أو المعاملة القاسية، أو التعذيب.

 

وأضاف أبو الوفا أن المادة (27) تنصُّ على أنه للأشخاص المحميين في جميع الأحوال، حق الاحترام لأشخاصهم، وشرفهم وحقوقهم العائلية، وعقائدهم الدينية، وحمايتهم، بشكلٍ خاص، ضد جميع أعمال العنف أو التهديد.

 

وأوضح أبو الوفا أن ممارسة الكيان الصهيوني لتلك الجرائم توجب على المجتمع الدولي تقديم مرتكبيها إلى محكمة الجنايات الدولية وإجبار الدولة التي ارتكبتها على تعويض المتضررين من جرائمها.

 

وشدد أبو الوفا على ضرورة توثيق هذه الجرائم والانتهاكات الصهيونية بحق أهالي قطاع غزة من قِبل المنظمات الحقوقية الدولية والعربية والمحلية حتى يتثنى محاكمة مرتكبي تلك الجرائم مستقبلاً إذا تعذَّرت محاكمتهم اليوم نتيجةَ احتماء الكيان الصهيوني بالولايات المتحدة الأمريكية.

 

الآن أم عاجلاً!!

 الصورة غير متاحة

عدد الشهداء من الأطفال في ازدياد طالما ظل القصف الصهيوني لغزة

ويشدد الدكتور أحمد عبد الونيس أستاذ القانون الدولي بجامعة القاهرة على أنه من بديهيات القانون الدولي حماية المدنيين أثناء النزاعات والحروب، معتبرًا ما يحدث في قطاع غزة من مجازر واعتداءات بحق المدنيين ومنع وصول المساعدات إليهم جرائم حرب ضد الإنسانية بموجب القانون الدولي الإنساني توجب على مرتكبيها المحاكمة.

 

وأشار عبد الونيس إلى أن- الدول ومنظمات المجتمع والمنظمات الحقوقية والأهلية والأفراد- لها الحق القانوني في توجيه الاتهامات إلى قادة الكيان الصهيوني السياسيين والعسكريين والمطالبة بإحالتهم إلى العدالة.

 

وقال عبد الونيس: إن التحدي الأكبر الآن أمام مَن يدافعون عن قضايا حقوق الإنسان وعن قضية الشعب الفلسطيني- سواء كانوا أفرادًا أو منظمات- هو توثيق ما يُرتكب من جرائم بحق أهالي قطاع غزة، مشيرًا إلى أن ذلك التوثيق يشمل صور تلك الانتهاكات بأشكالها المختلفة، والقرارات الدولية الصادرة في هذا الشأن والمُدينة لتلك الانتهاكات والجرائم، والتصريحات الصادرة عن المسئولين الصهاينة، والتي يقرون فيها بارتكابهم بعضًا من تلك الانتهاكات، وردود قادة الكيان الصهيوني على ما يُوجَّه إليهم من انتهاكاتٍ أثناء المؤتمرات الصحفية، وهو يعتبر أقوى إدانة أمام المحاكم المعنية لصدور أحكام بالإدانة في حق مجرمي الحرب الصهاينة.

 

وأكد عبد الونيس أن ما يميز جرائم الحرب والجرائم المرتكبة ضد الإنسانية أنها لا تسقط بالتقادم- أي بمرور زمن طويل عليها دون معاقبة-، مشيرًا إلى أنه إذا كانت دولة الاحتلال الصهيوني ومن يساندها يستشعرون في أنفسهم قوة اليوم تمكنهم من الالتفاف والتفلت من المحاكمة فإنه بالتأكيد سيأتي اليوم الذي تُتاح فيه الظروف ويُحاكم قادة الاحتلال الصهيوني من مرتكبي الجرائم.

 

أمل مفقود!

 الصورة غير متاحة

أطفال غزة بين شهيد وجريح جراء الهمجية الصهيونية

ويؤكد الدكتور محمد شوقي عبد العال أستاذ القانون الدولي أن ما يحدث في قطاع غزة من تنكيل وتشريد وقتل ودمار ليس قانونيًّا ويندرج تحت جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية بموجب القانون الدولي الإنساني.

 

وأوضح د. عبد العال أن جرائم الحرب التي يرتكبها الكيان الصهيوني بحق أبناء غزة ليست وليدة اليوم، ولكنها بدأت منذ أن وطأ ذلك الاحتلال أرض القطاع، مشيرًا إلى أنه يُخطئ مَن يظن أن قطاع غزة منذ الانسحاب الصهيوني أحادي الجانب أي لم يكن تحت الاحتلال.

 

ولفت إلى أن القطاعَ طبقًا للقوانين الدولية كان ولا يزال في حالة احتلال طالما أن إرادة المحتل هي مَن تتحكم في من وما يخرج ويدخل من وإلى القطاع، وهو ما يتعارض مع القانون الإنساني الدولي.

 

وعن مدى إمكانية محاكمة المجرمين الصهاينة على جرائمهم بحق أهالي غزة قال عبد العال: "يجب أولاً أن نُسقط من حساباتنا قيام الحكام العرب بتلك المسئولية على عاتقهم، وأضاف أنه إذا كان هؤلاء الحكام قد عجزوا عن وقف العدوان الصهيوني على قطاع غزة سواء باجتماعهم على موقفٍ موحدٍ أو بضغطهم على حلفائهم في مجلس الأمن لإصدار قرار في هذا الصدد فهل يمتلكون الجرأة على تقديم عرائض ضد قادته للمطالبة بمحاكمتهم؟.

 

وأضاف عبد العال أن منظمات المجتمع المدني والمنظمات الحقوقية المحلية والدولية والأفراد أمامهم العديد من الوسائل للمطالبة بمحاكمة قادة الاحتلال الصهيوني.

 

معادلة صعبة!

إلا أن د. عبد العال رأى أن محاكمة قادة الكيان الصهيوني أمام محكمة الجنايات الدولية والمختصة بالانتهاكات المرتكبة في حقِّ الإنسانية وعلى رأسها الإبادة الجماعية وبناء المغتصبات والضرب المتعمد للأماكن المحمية كمدارس الأنروا.. أمرٌ صعب؛ حيث إن الكيان الصهيوني لم يُوقِّع على ميثاق المحكمة.

 

وأكد أن ذلك الأمر يُستثنى في حالةٍ واحدةٍ وهو أن يقوم مجلس الأمن الدولي بإحالة قضية مجرمي الحرب الصهاينة إلى المحكمة كما فعل في قضية الرئيس السوداني عمر البشير، وهو ما يُمثِّل صعوبةً، خاصةً أن ذلك يتطلب موافقة الدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الأمن، وعلى رأسهم الولايات المتحدة الأمريكية.