لا بد أن نتفق أن مَن لم يفهم التاريخ- ولا أقول يقرأه- لا يستطيع أن يعيش حاضره ولا يمكن له إطلاقًا أن يبنيَ مستقبله، فماذا يقول التاريخ؟
التاريخ يقول إن مصر لم تكتسب مكانتها لطيب هوائها ودفء شمسها، ولم تتقدَّم الدولَ بعذوبة مائها، ولكن مصر العزيزة الغالية تبوَّأت مكانها وريادتها وزعامتها بجهادها ونضال أبنائها ونجاحها في مواجهة أزماتٍ هزَّت العالم بأكمله كما حدث في الشدة المستنصرية التي جاع فيها العالم، كما قيَّض الله لمصر فلسطينيًّا هو سيدنا يوسف عليه السلام ليُرشد قادتها إلى كيفية مواجهة الأزمة لتكون مصر هي مخزن طعام العالم.
ولا تنسَ- كما أخبرتك- من أي بلاد الله كان سيدنا يوسف.. مصر عندما انهزم المسلمون أمام التتار في كل بلاد الإسلام، وأصبح العالم كله يخاف غزوهم، قيَّض الله لمصر أحد الأفغان، واسمه قطز.. "قلت أحد إيه؟! الأفغاااان" ومعه عالم شامي- أي من الشام- اسمه العز بن عبد السلام ليوحِّدا مصر ويحركا الجيوش إلى فلسطين.. "سمعت: قلتُ فلسطين"؛ حيث الأمن القومي لمصر وحيث كانت عين جالوت، ليهزموا التتار وجاء من بعده بيبرس الذي حرص على أمن مصر، وأبى إلا أن يؤمِّن حدودها الشرقية، فذهب بنفسه لتحرير الساحل الشرقي كله من الوجود الصليبي.
"نقول كمان".. أتى صلاح الدين الكردي مع عمه أسد الدين شيركوه الكردي أيضًا ليعيدوا مصر إلى رحاب الخلافة العباسية بدلاً من الدولة العبيدية الرافضة، التي فرَّطت في القدس، واستعان حُكَّامها بالصليبيين لحرب بعضهم البعض، ويوحِّد صلاح الدين مصر مع الشام، ويخرج الجيش المصري إلى حدود أمنه القومي.. "فين؟" في فلسطين أيضًا؛ حيث حطين، ويتَّحد مع الجيش الشامي ليهزم الصليبيين ويحرِّر الأقصى المبارك.
"بدأت تلاحظ الكلام المشترك (فلسطين .حرب.. شام.. أمن قومي.. مصر) طبعًا عارفك بدأت تجمع الكلام لتصيغ جملة مفيدة.. إنت شاطر وصاحب عقل".
في العصر الحديث حكم مصر أيضًا شخص ألباني اسمه محمد علي بك الكبير.. "كان طاغيةً.. ماشي، وبتاع ودخان برضه.. ماشي، بس الراجل ده قال كلمة سجَّلها له التاريخ، قال فيها: لن أنام، ولن يهدأ لي جفن حتى يكون لي قدم في جبال طوروس (سوريا) وبحيرات أوغندا"؛ حيث منبع النيل.
"قصة جميلة مش كده؟! بس الأجمل جاي؛ لأنه بعد ما تولَّى قيادة مصر واحد مصري قال عنه إعلامه إنه الحاكم المصري بعد أحمس (لأن طبعًا الناس اللي غيَّرت مجرى التاريخ ورفعوا من اسم مصر بانتصاراتهم لم يكونوا مصريين، وهذا عار علينا نحن الفراعنة أحفاد الفراعنة) بدأ الناصر في إعلان الحرب على عدوه الرابض على الحدود في فلسطين، ونسي يقلِّد جده رمسيس اللي راح حارب الهكسوس في دارهم هناك في فلسطين، ليه بقى؟! قل لي إنت ليه؟! لأنه لم يدرس تاريخ؛ فصاحبنا ترك العدو يحدِّد هو ميدان المعركة اللي كانت سيناء، وطبعًا كانت الهزيمة النكراء المسماة بالنكسة.. مش قلت لكم فلسطين أمن قومي لمصر؟!".
وجاء بعده مصري آخر جريء وبطل؛ حارب الصهاينة، وللأسف اكتفى- دون أن يقرأ التاريخ- بمواجهة الصهاينة على أرضنا، وقال: "كفاية حرب، وندِّيها سلام" بدلاً من استمرار المواجهة هناك حتى نصل فلسطين؛ حيث الأمن القومي، فماذا كانت النتيجة؟! "طبعًا سيادتك شايف النتيجة".
عجز، ومهانة، وتسيبي لفني يسندها أبو الغيط، وعزام عزام، ومخدرات، وفلوس مزورة، وجنس في الإعلام، ومبيدات مسرطنة، وأمراض فتكت بالشعب من المبيدات، وقطن لم يعد طويل التيلة، "وكمان ورد لم يعد بلدي، والأكتر عجز حتى إنه يدافع عن شعبه الذي يموت بقذائف الرحمة الصهيونية، والتي تدخل الحدود بطريق الخطأ.. هاااااااااااااااااااه.. أكمل؟! ما علينا آدي يا سيدي التاريخ".
قبل ما أنسى.. "عرفت ليه يا سيدي مصر أصبحت بلا ريادة ولا زعامة ولا حتى نقطة دم حتى تجرَّأ عليها الكل من عرب وعجم؟! السبب إن ربنا ابتلانا بحكام هم إفراز لشعبٍ لا يريد أن يقرأ، وإن قرأ لا يريد أن يفهم، وإن فهم وكانت واضحة أمامه زي الشمس كبَّر دماغه ومحاولش يفهم علشان في ماتش بين الأهلي والزمالك"!!.
أقول وأنا المصري ابن المصري والذي يعشق تراب هذا البلد: لنتعلم من تاريخنا نحن الحكام والمحكومين، ولنترك النعرة القاتلة أننا الشعب الوحيد ذو حضارة السبعة آلاف سنة، ولننظر لنرى أن نصرنا وعزتنا إنما جاء على يد غيرنا ممن فَهِم من أين يأتي النصر وأين مكمن الخطر والأمن على شعب مصر وأمن مصر.
"أنا قلت كده ليه؟! وإيه هدفي من مقالي؟! طبعًا مضطر أوضح.. معلش قلت (إن احنا مش فاضيين نحلل.. الدوري عندنا مولع!!)"، الهدف أن نفهم أن أمننا يتحقق بنصرة إخواننا في فلسطين؛ لأن الخطر من العدو الصهيوني لا من إخواننا مجاهدي حماس كما يردد البعض ممن فقد بوصلة التوجيه لديه؛ لأننا بنصرتهم إنما نحمي مصر أولاً من أطماع الصهاينة، وبدلاً من أن نذهب إليهم فقد أوكل الله عنا من يحارب لنا؛ لعلمه بضعف حالنا؛ ولذا فقد وجب علينا نصرتهم بكل ما أوتينا من قوة بدلاً من غلق معابرنا في وجوههم وتدمير أنفاقهم عليهم.
ومرة أخيرة.. أقول: إن مكانة مصر ورفعتها لم يسطِّرها إلا المُضحُّون بأنفسهم، والذين أبَوا ذل الانكسار والاستسلام، أما من رضوا أن تكون "مارينا" قبلتهم، و"جولف السليمانية" و"دريم لاند" جنتهم؛ فقد جنوا على مصر وجعلوها أذل وأفقر البلاد.
ملحوظة: "معلش.. لم أذكر آيات ولا أحاديث؛ عشان إخواننا اللي عندهم ارتيكاريا من القرآن والحديث يعرفوا يقروا المقال.. فقط تركت التاريخ يتكلم".