باتت المظاهرات الاحتجاجية إحدى الوسائل المهمة بالنسبة للشعوب لأداء واجب الجهاد السياسي للتعبير عن آرائها وتوجيه رسائلها الواضحة إلى الداخل والخارج، وإحداث ضغطٍ بارزٍ على متخذي القرار السياسي بصورةٍ أو أخرى وإعلان مساندة قضية أو شخص.

 

ولعبت هذه المظاهرات في الفترة الأخيرة دورًا بارزًا في مساندة الشعب الفلسطيني ضد العدوان الصهيوني المتواصل؛ الأمر الذي أدَّى بشكلٍ أو بآخر إلى طرح التفكير الجدي في أهمية وضوح فقه ومعالم هذه المظاهرات أمام المتظاهرين، ومن الممكن أن نستعرض ذلك في الآتي:

 

أولاً: شرعية التحرك

يقول الدكتور يوسف القرضاوي رئيس اتحاد علماء المسلمين: "من حق المسلمين- كغيرهم من سائر البشر- أن يُسيِّروا المسيرات، ويُنشئوا المظاهرات؛ تعبيرًا عن مطالبهم المشروعة، وتبليغًا بحاجاتهم إلى أولي الأمر، وصنَّاع القرار، بصوت مسموع لا يمكن تجاهله؛ فإن صوت الفرد قد لا يُسمع، ولكن صوت المجموع أقوى من أن يُتجاهَل، وكلما تكاثر المتظاهرون وكان معهم شخصيات لها وزنها، كان صوتهم أكثر إسماعًا وأشد تأثيرًا؛ لأن إرادةَ الجماعة أقوى من إرادة الفرد، والمرء ضعيف بمفرده قوي بجماعته؛ ولهذا قال تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ (المائدة: من الآية 2)، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "المؤمن للمؤمن كالبنيان؛ يشدُّ بعضه بعضًا" وشبّك بين أصابعه.

 

ثانيًا: قراءة الواقع

في ظلِّ ما يجري من الأحداث الدامية على أرض غزة الصامدة، وبعد أن زالت كل الأقنعة عن الوجوه وتكشَّفت الأوراق المختبئة، وتمايز الخبيث من الطيب؛ فقد أصبح غير ذي جدوى أن تظل الشعوب عامة والحركة الإسلامية على وجه الخصوص حاصرةً أساليبَها في عرض وجهات نظرها على صانعي القرار السياسي في صورةٍ تبدو كثيرًا أقرب إلى الاستجداء والاستعطاف، وطلب ما تريده على استحياء ثم تعود بعد ذلك، وكأنها قد أدَّت ما عليها بمجرَّد أن حاولت التظاهر أو الاحتجاج في أية صورةٍ كانت.

 

وعلى الرغم من أن العقلَ يجب أن يكون المحرَّك الأساسي في أية وسيلة يتخذها صاحب الحق، إلا أنه لا بد أن يوضع في الحسبان أيضًا أن الأحداث تفرض نفسها على كل الأطراف، والرياح غير مرتبطة بأن تجريَ حسب ما تشتهي سُفنُ الطغاة دائمًا؛ فلا تزال سُنَّة التداول بين الناس قائمةً، وجولة النصر تتبعها جولة هزيمة، فيصبح لزامًا على صاحب الحقِّ هنا أن يُعدِّد من خياراته، وأن يضع فيها لاحقًا ما استبعده في السابق؛ وكل ذلك حسب متطلبات المرحلة واحتياجاتها.

 

والمظاهرات السلمية تُعدُّ إحدى أهم الوسائل التي يُعبِّر بها الغاضبون والمحتجون عن آرائهم، وقد فرضت نفسها على ثقافة الشعوب، وامتدَّت جذورها حتى أصبحت أوسع انتشارًا وأشد تأثيرًا من أن تُطرح على المثقفين ليدرسوا جدواها وما يمكن أن تُثمره شجرتها.

 

ولما بدا من الساسة وأصحاب القرار ما يدلُّ على سوءِ صنيعهم، وصاروا يُغرِّدون بعيدًا عن سرب الأمة ويسيرون عكس الاتجاه الذي تسير فيه، وافتُضح من أمرهم؛ ما يدلُّ على أنهم إلى العدوِّ أقرب وعن الأمة أبعد؛ فقد وجب على مَن يريد التغيير أن تنفكَّ عنه عُقدة سياسة السلحفاة، وأن يُعلن عن نفسه أن خزينة صبره صارت خاويةً، وأنه لن يظل في قيده أبد الدهر؛ ففي الصدور براكين قد لا يستطيع دفع لهيبها حتى تأكل كل ما تجد.

 

ثالثًا: وضوح الرؤية وتحديد الهدف

قلنا إن المظاهرات هي وسيلة، وليست هدفًا في حدِّ ذاتها، وإن كانت وسيلة مهمة للغاية في الاعتراض السلمي والحضاري لأداء واجب الجهاد السياسي وللتعبير عن الرأي وتوجيه رسائل واضحة إلى الداخل والخارج وإحداث ضغطٍ بارزٍ على متخذي القرار السياسي بصورةٍ أو أخرى وإعلان المساندة تجاه قضية أو شخص.

 

وهذا الوضوح يقوِّي من معنويات الفرد المتظاهر، ويجعله يقف على أرض ثابتة، ويقوِّي من حماسته في مواصلة غضبته، في مواجهة أية شحناتٍ سلبية ودعاية مسمومة ضد حق التظاهر.

 

رابعًا: النية

ينبغي للمتظاهر أن يُجدِّد نيته في العمل، وأن يُخلص النية لله تعالى؛ حيث إن النيةَ هي مناط الحركة ومُفجِّرة العمل، ومُشعِلة الأمل، ومُوقظة الشعور والحماسة والتفاعل.

 

خامسًا: التجهيز الجيد

ينبغي على المتظاهر أن يَعُدَّ نفسه جيدًا؛ فلا بد أن يعلمَ أنه من الممكن أن يتعرَّض لمكروهٍ في ظلِّ التعامل الأمني غير المبرَّر، وهو ما يتطلَّب التحلِّي باتزانٍ انفعالي قويّ وانضباطٍ وشجاعةٍ وإصرارٍ؛ حتى لا يجرَّنا التعنُّت الأمني إلى معركة فرعية.

 

سادسًا: التفاعل

إن المتظاهر الناجح هو المتظاهر الذي يتفاعل مع الهتافات بحماسة، ويسعى إلى التواصل بكل همَّة مع المتظاهرين حول القضية الملتف حولها؛ لتوضيح معالم القضية المطروحة بصورةٍ صحيحةٍ والاتفاق على مواصلةِ السعي بعد التفرق من أجل نفس الهدف، ودعوة محيطه في العمل والسكن إلى التفاعل معه؛ فالمظاهرة ليست سرًّا من الأسرار طالما هي تُعقَد في الهواء الطلق لا تحت الأرض.

 

سابعًا: الابتكار

فالمتظاهر صاحب قضية؛ يحاول أن يوصلها إلى جمهور الشارع بطريقةٍ سهلةٍ ويسيرة، فيحاول أن يبتكر هتافاتٍ جديدة، أو يكتشف وسائل دعاية جديدة للمظاهرات، أو يجد طرقًا جديدةً لإقامة المظاهرات تحت الحصار الأمني أو عقب الأجهاض الأمني لها، وبالتالي لا ينبغي أن يظلَّ المتظاهر في انتظار إعداد اللجنة التنظيمية لهتافات أو لوحات أو شارات؛ بل عليه أن يبتكرَ ما يراه مناسبًا لِهَبَّتِهِ المراد منها نجدة إخوانه المستضعفين.

 

ثامنًا: السلمية

وينبغي للمتظاهر أن يحافظ على سلمية المظاهرات بقدر استطاعته، ويحافظ على سيرها بالطريقة التي تُحقق الهدف المنوط بها؛ دون الدخول في معارك فرعية مع أحد، خاصةً من قوات الأمن أو مع المختلفين في الرؤية أو الرأي؛ من أجل إنجاح العمل.

 

تاسعًا: الحصاد

ينبغي أن يعلم المتظاهر أن تحركاته سيكون لها مردود جيد في ظل الثورة التكنولوجية والإعلامية لإيجاد ضغطٍ إعلامي وسياسي، ولكن الصورةَ الذهنيةَ التي لا تغادر ذهن رجل الشارع أو قلبه، وتكون مسار مناقشات مغلقة في منزله، سواء بالسلب أو بالإيجاب، وتحرِّك المتظاهر بالحديث عن قضية المظاهرة بعد فراقه إياها.. إحدى نتائج هذا العمل، وتأثيره في متخذي القرار يجعل الحصاد مثمرًّا في الدنيا قبل الآخرة لقوم يتدبَّرون.

 

عاشرًا: لا تراجع

على القادة المحرِّكين للعمل أن يُصرُّوا على إقامته بشدة، وألا يُضطرّوا إلى إلغائه إلا إذا حوصروا، وأُغلقت أمامهم كل المنافذ؛ فإن حضر الأمن في مكان أوجدوا له بديلاً (والأفضل أن يكون مُعدًّا سلفًا)؛ فإن لم يستطيعوا أقاموا العمل في المكان ذاته، ولو أدَّى الأمر إلى بعض الاحتكاكات أو اعتقال عددٍ من المتظاهرين؛ لأن إلغاءَ العمل يؤدي إلى كثيرٍ من النتائج السلبية؛ منها:

 

1- إصابة المتظاهرين بإحباط؛ نتيجة خروجهم دون تحقيق عملهم، وهذا بدوره كفيلٌ بإسقاط العمل الذي يليه؛ إذ من المتوقَّع أن يتقاعس الكثيرون عن الخروج هذه المرة نتيجةًَ لهذا الإحباط.

 

2- فقدهم الثقة بأنفسهم؛ حيث ينظرون إلى أنفسهم نظرة عجز عن تحقيق هدف طالما أن الأمن حاضرٌ في مكان العمل.

 

3- زرع الخوف في قلوب المتظاهرين، وبناء جسر عظيم بينهم وبين الأمن، حتى يتصوَّروهم طوفانًا لا يمكن دفعه، والدليل على ذلك تركهم العمل دون أدنى اعتراض أو محاولة.

 

4- زرع نشوة الانتصار في قلوب الآخر؛ حيث استطاع منع التظاهر بمجرد وجوده، وهذا يُجرِّئهم بالطبع على فعل ما هو أسوأ من ذلك.

 

وعلى قادة الصف والحركة أن يُعوِّدوا الأفراد على ما لم يتعوَّدوه من قبل، وعليهم أن يُدركوا أن مثلَ هذه الاحتكاكات تُظهر المعادن وتُصقلها، وبها يتبين صاحب الموهبة ويتميز الرائد بين أقرانه، وأن يدعموا من خلالها الصف تربويًّا بما لا يمكن تحصيله في حالةِ الرخاء؛ فإن أحسنوا استغلالها فقد وفَّروا على أنفسهم كثير عناء، وإن مرَّت عليهم دون ذلك الأثر فالخسارة وضياع القضية هما النتيجة.

 

حادي عشر: ضوابط عامة للتظاهر

1- على المتظاهر أن يتأكد أن خروجه هذا دفاع عن الحقِّ وليس اتباعًا لهوى أو إرضاءً لأحد، ولكنه صاحب قضية يدافع عنها.

 

2- عليه أن يجدِّد نيته لله تعالى، وأنه في سبيله قد خرج، ولولا أننا مأمورون بالنصرة بما نستطيع لما خرجنا، وأن يتحقق من أن عمله هذا جهاد في سبيل الله طالما أنه غاية ما يستطيع.

 

3- لا بد أن يدرك تمامًا أهمية هذا العمل وضرورته، وأن هذه الهتافات أشدّ على الظالمين من صوتِ الرصاص، ومن ثَمَّ يعزم على أن هذا العمل لا بدَّ من إتمامه مهما حدث، حتى لو أدَّى ذلك إلى وقوع الإيذاء على البعض.

 

4- على المتظاهر أن يكون عنصرًا فعَّالاً في العمل، لا أن يكتفيَ بترديد الهتافات فحسب وصور التفاعل كثيرة، ومن أهمها:

 

5- أن يُظهر انفعاله الشديد للناس عامةً ولمَن يريد إيصال الرسالة إليه خاصة؛ فهو يهتف بكل جوارحه لا بلسانه فقط.

 

6- أن يأتيَ بمقترحات تزيد من سخونة الحدث، كأن يكتب شعارات جديدة أو يهتف هتافًا مميزًا يُلهب مشاعر الناس ويُشعرهم بخطورة القضية.

 

7- ألا يخشى من التعامل الأمني على نفسه، وطريق النصر والحرية ليست مفروشة بالورد والرياحين؛ فهو لم يأتِ طاعةً لإخوانه ومشاركةً لهم في عمل يرتجي منه الثواب فحسب، ولكنه جاء ليصدع بكلمة الحق في وجه سلطان جائر، فَلْيُرِ الله من نفسه ما يدلُّ على ذلك.

 

8- عليه مع ما قد سبق أن يُركِّز على الهدف الذي خرج من أجله؛ فلا تجذبه المشاحنات الأمنية عن العمل الذي يقوم به، فإن حاولوا ابتزازه تجنَّب ذلك ما استطاع، وإن وصل ابتزازهم إلى حدِّ تخريب العمل فليقف دون ذلك إلى النهاية.. والله الموفق.