- فهمي هويدي: الكيان يتعامل باستهتار مع المجتمع الدولي وقراراته
- محسن راضي: الصهاينة يمنعون الحقيقة التي تفضح ممارساتهم
- مجدي حسين: الإعلام المستقل يلعب دورًا مهمًّا في دعم القضية
- طارق عبد الجابر: المراسل في فلسطين يحمل "كفنه" على يديه
تحقيق- نور المصري:
هم مقاومون ولكن من نوع مختلف.. أقسموا على أن يكونوا موضوعيين، استحقوا بامتياز لقب الباحثين عن الحقيقة، كما استحقت مهنتهم بجدارة لقب مهنة البحث عن المتاعب، إلا أن ما يحدث في غزة لم يكن مجرد متاعب، بل وصل إلى حد الموت.
هذا هو حال وسائل الإعلام المختلفة في قطاع غزة، وخاصةً مراسلي ومصوِّري الفضائيات العربية والدولية، الذين لم تشفع لهم كلمة (T.V) أو (PRESS) التي يرفعونها على ستراتهم المميزة لوسائل الإعلام أو سياراتهم؛ التي تجوب القطاع بحثًا عن نقل الخبر، ووضع العالم على حقيقة المجازر التي تُرتكَب في حق الأطفال والنساء والشيوخ والأبرياء من أهل غزة، أو حتى لافتات الصحافة الموجودة على مكاتبهم والبنايات التي توجد بها هذه المكاتب، والتي يراها البعيد قبل القريب.
لم يشفع لهم ذلك كله عند آلة الحرب الصهيونية، التي وجَّهت قذائفها إلى وسائل الإعلام في إشارةٍ واضحةٍ بأنه لا أحد في غزة لديه حصانة، سواءٌ كانوا إعلاميين أو حتى منظمات الأمم المتحدة؛ فالكل أصبح في مرمى النيران الصهيونية الغاشمة، وما حدث من قصف أمس الخميس لبرج الشروق- الذي يحوي عددًا من المكاتب الإعلامية لوسائل عربية وعالمية وخلَّف إصابة اثنين من طاقم قناة (أبو ظبي)- لَهُو خير دليل على الكارثة التي يعيشها قطاع غزة على كافة الأصعدة.
تاريخ حافل
أحد الصحفيين الذين أصيبوا خلال تغطية الأحداث في غزة
استهداف الكيان الصهيوني الصحفيين والإعلاميين ليس وليد اليوم، ولكنه لا يكاد يمر عام إلا ويكون لآلة الإرهاب الصهيونية ضحايا منهم؛ فمنذ بداية انتفاضة الأقصى استُشهد 15 صحفيًّا برصاص قوات الاحتلال الصهيوني، وأصيب عشرات آخرون؛ منهم عدد كبير من الصحفيين الأجانب.

وكان أول هؤلاء الصحفيين الذين استهدفهم الرصاص الصهيوني هو الصحفي عزيز يوسف التنح (32 عامًا) مدير مكتب وكالة الأنباء الفلسطينية "وفا" في بيت لحم بالضفة الغربية، والذي قُتل بتاريخ 28/10/2000م من جرَّاء إصابة في الرأس.
وفي 31/7/2001م استُشهد الصحفيان "محمد البيشاوي" مصوِّر صحيفة (الحياة الجديدة) ومراسل شبكة (إسلام أون لاين)، والكاتب والمصور الصحفي ومراسل شبكة (صابرون نت) عثمان القطناني بعد أن قصفت المروحيات الحربية الصهيونية من نوع أباتشي مقر المركز الفلسطيني للدراسات والإعلام في مدينة نابلس في الضفة الغربية.
وشهد عام 2002م حوادث متعددة لاستهداف الصحفيين؛ ففي شهر مارس أطلقت قوات الاحتلال الصهيوني النار على الصحفي الإيطالي "رفائيل تشيريللو" مراسل صحيفة (كورييرا ديلا سيرا) الإيطالية وسط مدينة رام الله، وأعقبه بيوم واحد استشهاد الصحفي "جميل نواورة" أثناء العدوان الصهيوني على محافظتي رام الله والبيرة، وفي نفس اليوم استُشهد الصحفي "أحمد نعمان" مدير تلفزيون بيت لحم المحلي خلال العدوان على بيت لحم.
وفي الشهر نفسه استُشهد أمجد العلامي (23عامًا) مراسل تلفزيون (النورس) المحلي بعيار متفجِّر أطلقته صوبه قوات الاحتلال؛ أثناء قيامه بواجبه المهني في مدينة الخليل في الضفة الغربية.
وفي يونيو استشهد عصام مثقال التلاوي المذيع في (صوت فلسطين) أثناء تغطيته الهبَّة الجماهيرية للدفاع عن المشروع الوطني، حين أقدمت قوات الاحتلال على حصار الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات، واستُشهد الصحفي عماد أبو زهرة في شهر يوليو في مدينة جنين في الضفة الغربية؛ بعد أن تعرَّض لإطلاق نار كثيف من قِبل قوات الاحتلال.
وما زالت دماء الصحفيين تجري في فلسطين؛ ففي عام 2003م استُشهد المصور الصحفي نزيه عادل دروزة (44 عامًا) الذي كان يعمل في تلفزيون فلسطين ووكالة (أسوشيتد برس) الأمريكية أثناء تصويره الاعتداءات الصهيونية الوحشية ضد المدنيين في البلدة القديمة من مدينة نابلس، كما قُتل المُصوِّر الصحفي البريطاني جميس ميللر عندما كان يُعِدُّ فيلمًا وثائقيًّا عن تأثير الإرهاب الصهيوني في الأطفال الفلسطينيين.
وفي 2004 استُشهد محمد أبو حليمة مراسل إذاعة (صوت النجاح) في نابلس أثناء تغطيته عدوان قوات الاحتلال الصهيوني على مخيم بلاطة للاجئين، وهدأت الأوضاع قليلاً في أعوام تالية، إلا أن يد الإجرام الصهيونية ما فتئت أن تمتد إلى الصحفيين مرة أخرى، فقصفت طائراته عام 2008م سيارة حسن شقورة المشرف الفني لوكالة (فلسطين اليوم) الإخبارية التابعة لحركة الجهاد الإسلامي، واستُشهد فضل شناعة مصور وكالة (رويترز) عندما حدث انفجار في مكان تغطيته.
وفي التاسع من يناير الجاري استُشهد الصحفي الفلسطيني علاء مرتجى (إذاعة ألوان) المحلية متأثرًا بجراحٍ أصيب بها من جرَّاء قصف منزله من قِبل دبابة صهيونية كانت متوغلةً في حي الزيتون بمدينة غزة.
(إخوان أون لاين) رصد آراء بعض خبراء الإعلام حول دور الإعلام في نقل الصورة الحقيقية للحرب الصهيونية على الأراضي الفلسطينية وأسباب استهداف الكيان الصهيوني للصحفيين والإعلاميين العاملين هناك.
استهتار صهيوني
فهمي هويدي

في البداية يرى الكاتب والمفكِّر الكبير الأستاذ فهمي هويدي أن ما يحدث في قطاع غزة من استهدافٍ للصحفيين والإعلاميين المحليين والدوليين؛ يأتي ضمن سلسلة الاستهتار الصهيوني بالمجتمع الدولي وقراراته وقوانينه في تعامله مع كل من يوجد على الأراضي الفلسطينية؛ بمن فيهم الصحفيون والإعلاميون.
وأوضح هويدي أن الهدف من استهداف الصحفيين في الأراضي الفلسطينية هو محاولةٌ من الكيان الصهيوني لإسكات كل من يحاول أن ينقل الصورة الحقيقية والوحشية للمجازر الصهيونية بحق أبناء الشعب الفلسطيني.
وقسَّم هويدي الإعلام في تعامله مع نقل ما يحدث في قطاع غزة إلى قسمين: الإعلام الرسمي الحكومي، وهو الذي يُعبِّر دائمًا عن وجهة النظر الحُكَّام العرب وموقفهم المتخاذل، وهذا الإعلام يخاصم من تخاصمه الحكومات (المقاومة)، ويصالح من تصالحه (الولايات المتحدة الأمريكية والكيان الصهيوني)؛ ولذا فتلك الوسائل تحاول بقدر استطاعتها تسميم الأجواء في مواجهة المقاومة الفلسطينية، وخاصةً حركة حماس، والقسم الثاني وهو الإعلام المستقل الذي يحاول نقل الصورة الحقيقية لما يحدث.
موقف موحَّد
محسن راضي

واعتبر الزميل النائب محسن راضي عضو لجنة السياحة والثقافة والإعلام بمجلس الشعب ما يحدث جريمةَ حرب وانتهاكًا للقانون الدولي الإنساني التي كفل الحماية للصحفيين والإعلاميين في وقت الحرب بوصفهم مدنيين؛ وفقًا لنص المادة (79) من البروتوكول الإضافي الأول الملحق باتفاقيات جنيف الصادرة في العام 1949م بشأن حماية المدنيين وقت الحرب، والتي نصت على: "يُعَدُّ الصحفيون الذين يباشرون مهامَّ مهنية خطرة في مناطق المنازعات المسلحة أشخاصًا مدنيين، ويجب حمايتهم بهذه الصفة".
وأشاد راضي بالدور الكبير الذي يلعبه الصحفيون والإعلاميون العاملون في الأراضي الفلسطينية في نقل الصورة الحقيقية لما يحدث من انتهاكات صهيونية بحق أبناء الشعب الفلسطيني، وهذه الحقائق هي التي يُبنَى عليها غالبًا القرارات الدولية، وهي التي تجلب العداء للصهاينة والتعاطف مع الشعب الفلسطيني، وهو ما لا يريده الكيان الصهيوني.
![]() |
|
محمد عبد القدوس |
وطالب راضي المنظمات الصحفية في جميع أنحاء العالم باتخاذ موقف صارم وموحَّد تجاه استمرار الكيان الصهيوني في استهداف الصحفيين والإعلاميين، مشدِّدًا على أنه إذا لم تتحرَّك تلك المنظمات وتضغط على الكيان الصهيوني لاحترام الصحفيين والإعلاميين؛ فإن العالم سيفقد قيمةً كبرى لم يكن ليحقِّقها إلا في ظل وجود الفضائيات؛ ألا وهي قيمة نقل الحقيقة.
ردع دولي
ويستنكر محمد عبد القدوس مقرر لجنة الحريات بنقابة الصحفيين استهداف الكيان الصهيوني الإعلاميين والصحفيين في الأراضي الفلسطينية عامةً وفي قطاع غزة على وجه الخصوص.
ورأى أن ذلك ليس أمرًا مُستغرَبًا من قِبَل كيانٍ اعتاد القيام بمثل هذه الجرائم دون رادعٍ من قِبل المجتمع الدولي.
وأوضح عبد القدوس أن الكيان يهدف إلى حجب حقائق مجازره في غزة؛ من خلال استهداف الإعلاميين.
عين الشعوب
مجدي حسين

من جانبه يرى مجدي أحمد حسين الأمين العام لحزب العمل ورئيس تحرير صحيفة (الشعب) الموقوفة أن استهداف قوات الاحتلال الصهيوني الصحفيين والإعلاميين ليس جديدًا على العقلية الصهيونية العنصرية، مشدِّدًا على أن الصحفيين والإعلاميين هم "عين الشعوب والجماهير" لرؤية الصورة الحقيقية لما ترتكبه آلة الحرب الصهيونية من مجازر بحق أبناء الشعب الفلسطيني، ولذا فإن الكيان الصهيوني يريد أن "يفقأ" هذه العين.
وأشار حسين إلى أن أشدَّ ما يخشاه الكيان الصهيوني هو الإعلام الذي ينقل جرائمه مصحوبةً بانتصارات المقاومة وعملياتها البطولية، والتي من شأنها رفع معنويات الشعوب العربية والإسلامية ويبث فيها الأمل في قدرة المقاومة على إلحاق الهزيمة بالكيان.
وأشاد حسين بدور الإعلام العربي والمستقل والمقاوم في دعم القضية الفلسطينية، من خلال نقل صورة العدوان على أبناء الشعب الفلسطيني بشقِّيها الإجرامي الصهيوني والبطولي الفلسطيني، بالإضافة إلى نقل المظاهرات والمسيرات التي تعكس مدى السخط الشعبي العربي على الدور المتخاذل للأنظمة العربية، على عكس الإعلام الرسمي العربي؛ الذي يهدف إلى إحباط الجماهير العربية من خلال بث جرائم العدو الصهيوني دون التطرق إلى بطولات المقاومة الفلسطينية، ويتجاهل نقل الاحتجاجات الشعبية، وإذا نقلها يشوِّهها ويُشبِّه من يشاركون فيها بالـ"غوغائيين".
فصيلة إجرامية
د. منال أبو الحسن

ومن جانبها ربطت الدكتورة منال أبو الحسن أستاذة الإعلام بجامعة 6 أكتوبر بين استهداف الكيان الصهيوني الصحفيين والإعلاميين واستهداف الاحتلال الأمريكي إياهم أثناء تغطيتهم حربَي أفغانستان والعراق، مشيرةً إلى وجود "فصيلة دم حربية إجرامية أمريكية- صهيونية واحدة" في التعامل مع الصحفيين والإعلاميين أثناء الحرب.
وأرجعت أبو الحسن استهداف الكيان الصهيوني الصحفيين والإعلاميين إلى الدور الذي باتت تلعبه وسائل الإعلام في نقل الصورة الحقيقية لجرائم قوات الاحتلال الصهيوني بحق أبناء الشعب الفلسطيني، وهو ما لا يريده الصهاينة.
وانتقدت التخاذل الدولي في التصدي لاستهداف الصحفيين والإعلاميين من قِبَل الكيان الصهيوني، متسائلةً: أين القانون الدولي مما يحدث للمدنيين والإعلاميين في الأراضي الفلسطينية؟!".
وأوضحت أبو الحسن أن الحرب الصهيونية على قطاع غزة أثبتت مدى أهمية الدور الذي تلعبه الآلة الإعلامية والفضائيات الإخبارية (غير الحكومية) في نقل الصور الحقيقية لجرائم المحتل الصهيوني وإكمال الصورة الناقصة ودحض الافتراءات التي ينقلها الإعلام الرسمي، كما أثبتت مدى حالة الضعف والسوء التي يعيشها الإعلام الحكومي من حَجْبٍ للحقائق وتشويه الأخبار والتضليل المُتعمَّد للشعوب.
شهادة متوقعة
ويؤكد طارق عبد الجابر مراسل الفضائية المصرية السابق في الأراضي الفلسطينية أن الصحفيين والإعلاميين مُستهدَفون من قِبَل جيش الاحتلال الصهيوني ومُعرَّضون للإهانة والضرب والتضييق عليهم؛ مثلهم في ذلك مثل المدنيين الفلسطينيين.
وأوضح عبد الجابر أن المراسل الذي ينقل الأحداث في الأراضي المحتلة يذهب إلى مكان الأحداث حاملاً كفنه على يديه، ويتوقَّع الشهادة في أي وقت، مشيرًا إلى أن جيش الاحتلال الصهيوني لا يعبأ مطلقًا باستهداف المراسلين والمصوِّرين أثناء تغطيتهم الأحداث؛ رغبةً منه في عدم رؤيةِ العالمِ جرائمَه البشعة التي يرتكبها بحق أبناء الشعب الفلسطيني.
وأكد عبد الجابر أن ما يشجِّع الكيان الصهيوني على الاستمرار في استهدافه للصحفيين هو تخاذل المنظمات الدولية في التحقيق في تلك الانتهاكات ومعاقبة مرتكبيها، لافتًا إلى ترك المجتمع الدولي مسئولية إجراء مثل التحقيقات للكيان الصهيوني، والذي بدوره لا يُحقِّق فيها ويسعى إلى تنويمها، وهكذا يستمر المسلسل.
وأضاف أن "أشدَّ ما كان يؤلمني حينما كنت مراسلاً- وما زال يؤلمني حتى الآن- هو حالة الفلسطينيين المدنيِّين ضحايا عمليات قوات الاحتلال الصهيوني؛ حيث مناظر الدماء ودموع الأطفال ودمار المنازل والمساجد وغير ذلك من آثار الهمجية الصهيونية"، مؤكدًا أن معاناة المراسلين في الأراضي الفلسطينية لا تُقاس بالنسبة لمعاناة الشعب الفلسطيني وإحساس المراسل بالعجز عن عمل شيء أمام طفل يحتاج اللبن ولا يجده، وسيدة عجوز تطلب كوب مياه، وأخرى تمشي أكثر من 20 كيلو مترًا لتصل إلى مستشفى بحثًا عن العلاج عبر دروب ومسارات طويلة لتبعد عن عنف الجنود الصهاينة.
روايات زائفة
د. عبد الحليم قنديل

من جانبه أكد د. عبد الحليم قنديل رئيس تحرير جريدة (صوت الأمة) أن الجرائم التي يرتكبها الكيان الصهيوني بحق أبناء الشعب الفلسطيني وفشله في تحقيق أهدافه في القضاء على المقاومة الفلسطينية- وخاصةً حركة حماس- هي السبب الرئيسي في استهداف الصهاينة للصحفيين والمراسلين؛ رغبةً منه في إخفاء جرائمه وإخفاء صمود المقاومة الفلسطينية على شعبه وعلى العالم أجمع.
وأشار قنديل إلى أن قوات الاحتلال الصهيوني لا تريد أن يسمع العالم إلا روايتَها الزائفةَ فقط، وهو ما يؤكده تضييق الكيان الصهيوني على الصحف الصهيونية وإجبارها على أن تنقل جميعها الأحداث من مسرح العمليات من مراسل عسكري واحد؛ مما جعل التقارير المنشورة في الصحف اليومية الصهيونية مكررةً ونسخةً واحدةً.
وانتقد قنديل الموقف الدولي المتواطئ مع الكيان الصهيوني؛ ليس فقط على حساب حقوق المدنيين الفلسطينيين، ولكن أيضًا على حساب حقوق الصحفيين، مشيرًا إلى أن المجتمع الدولي قد فقد مصداقيته وأصبح يكيل بمكيالين.
