كان مشهدًا متواترًا حاضرًا في كل لقاء بين الحق والباطل، وكان حضوره طاغيًا مرعبًا كلما تقدمنا بعيدًا عن زمان النبوة الكريم؛ بسبب مما تراكم من الخيرات، وبسبب مما تصاعد في قائمة الأطماع والمغريات والشهوات.

 

كان ظهور تعلُّق نفوس المنافقين في مراحل احتدام اللقاء بين الحق والباطل هو المشهد المتواتر الحاضر إلى يوم الناس هذا، ثم أنت تبحث عن إجابة تكشف عن هذه الدناءة التي تتلبَّس بعدد من الخلق، فتجرفهم إلى هاوية النفاق ومستنقع الخيانة؛ فلا تجد سوى الحقائق القرآنية الدامغة حول حقيقة النفوس المريضة المرتجفة؛ التي لا تستطيع إلا أن تعيش في الظلام وتتغذى على أقذار هذا الظلام.

 

لكن الغريب أن يغفل العاملون للإسلام عن علامات المنافقين الواردة في الذكر الحكيم؛ غير مقرونة بأسماء الجيل الأول من قائمة العار، ومن إعجاز الكتاب العزيز أن تكلم عن خصائص هذه القائمة لأهل النفاق من دون تسجيل أسمائهم؛ ليظل حديثه حديثًا عن منهج لا عن أفراد بأعبائهم؛ إذ لو كان لانقضى الأثر بانقضاء زمانهم وزوال جثامينهم.

 

والمعاصرون من أهل القضية الإيمانية مطالبون بأن يتأملوا مثل قوله تعالى: ﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ أَوْ ادْفَعُوا قَالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتَالاً لاتَّبَعْنَاكُمْ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلإِيمَانِ يَقُولُونَ بِأَفْواهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ وَاللهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ (167) الَّذِينَ قَالُوا لإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا قُلْ فَادْرَءُوا عَنْ أَنْفُسِكُمْ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (168)﴾ (آل عمران).. أوليس هذا الذي جاء من نور الوحي الساطع كان كافيًا أن نفهم موقف الذين يتهمون المجاهدين بأنهم جرُّوا على أنفسهم الموت والدمار؟!

 

وقد استوى في هذا أن يقوله شيخ مهيب الطلعة في هديه الظاهر وسمته الخادع للناظر، أو أن يقوله متستِّر وراء درجته العلمية أو موقعه الحصين؛ هما في التصور القرآني بحساب قياسهما على المنهج سواء.

 

كيف جاز أن تقرأ لقلم مغموس في مداد النفاق لمن يطالب بمحاكمة المجاهدين بعد توقف الحرب الدنسة؛ بدعوى أنهم جرُّوا المنطقة لهذا الخراب؟! وكيف جاز لنا أن نسمع لهذا الصوت من دون تأمله في سياق مرجعية الأمة من كتاب وسنة؟!

 

الكلمات المعاصرة من معسكر النفاق هي الكلمات القديمة من معسكر إخوانهم وأجداهم أئمة النفاق، والأيدي الطاهرة التي واجهت إفك النفاق قديمًا ما تزال قائمةً ظاهرةً في أبنائهم من المجاهدين حديثًا.

 

لقد حدَّدت الآيتان خصائص المرجفين؛ التي ما تزال تتخايل أمام العيون إلى اليوم شاهدةً على إعجاز الكتاب العزيز.

 

معسكر الإيمان اليوم في أهل الجهاد، وفي الذين يمدونهم بفيض رزق الله من عدة وعتاد ورعاية ومؤن وطعام وغطاء ومشورة ونصيحة ومطلق دعم.. معسكر الإيمان اليوم في المناصرين للقضية العادلة بالرباط والدعاء والمناصرة وشد الأزر وتكثير السواد.

 

ومعسكر الفتنة والنفاق اليوم في كل الذين يخذلون ويمنعون الناس من نصرة المجاهدين، ويشوِّهون صورة الجهاد، ويتصدَّون للجماهير التي تريد ستر ظهور المجاهدين ودعم مواقفهم.. ومعسكر النفاق اليوم في الذين لا يقاتلون ولا يدفعون، والدفع هنا هو كل دعم لقضية الإسلام المعاصرة في مواجهة الصهيونية الكافرة.

 

هذا صوت التفسير المأثور عن النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام رضوان الله عيهم وتابعيهم..

﴿ادْفَعُوا﴾ في الآية تعني كثِّروا السواد إن لم تستطيعوا قتالاً، ومعناها: رابطوا على مواقعكم، وامنعوا صوت النفاق أن يتسلل إلى النفوس؛ فينال من العزائم..

﴿ادْفَعُوا﴾ في الآية الكريمة هي الأمر الذي يتوجب على الجميع الانصياع له؛ ليكونوا جدارَ الأمن الذي يحمي ظهور المجاهدين..

﴿ادْفَعُوا﴾ في الآية الكريمة هو الأمر الممكِّن لكل الذين منعهم مانع من ذات أنفسهم أو من ذات غيرهم عن القتال..

﴿ادْفَعُوا﴾ في الآية تأمر بوجوب صنع عمق بشري يمنع احتمال تقدم معسكر الصهيونية وتدمغ بكل الخزي إخلاء الطريق أمامهم..

﴿ادْفَعُوا﴾ في التفسير المأثور فيما جاء عن ابن عباس قال ﴿ادْفَعُوا﴾: كثِّروا بأنفسكم إن لم تقاتلوا.

وفيما جاء عن أبي حازم سمعت سهل بن سعد يقول: لو بعت داري فلحقت بثغر من ثغور المسلمين فكنت بين المسلمين وبين عدوِّهم! فقلت: كيف وقد ذهب بصرك؟ قال ألم تسمع إلى قول الله تعالى ﴿تَعَالَوْا قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ أَوْ ادْفَعُوا﴾؟! أسوِّد مع الناس.. ففعل.

وفيما جاء عن الضحاك ﴿ادْفَعُوا﴾ قال: كونوا سوادًا.

وفيما جاء عن أبي عون الأنصاري ﴿ادْفَعُوا﴾: رابطوا.

 

ماذا يملك معسكر الإيمان إلا أن يدفع بكل المعاني الواردة قديمًا والواردة حديثًا مما هو داخل في دلالاتها ومجالها؟ وإلا فإن الانضمام لقائمة العار؛ قائمة المنافقين ستشملهم.

 

لم يعد سوى طريق من طريقين؛ طريق التاريخ المضيء في كنف المقاومة وكنف دعمها وكنف مناصرة قضيتها والوقوف في العمق الذي يؤيدها ويمدها بما يكفي لاستمرار صمودها.. أو طريق التاريخ الدنيء بعيدًا مع سطوره التي تعلن خطأ المقاومة، والدعوة إلى محاكمتها، وتخذيل خططها، وتشويه سمعة رجالها، وإثارة الشبهات في وجه قضيتها.

 

غزة فضحت وكشفت الطريقين، ولم يبقَ على الجميع إلا أن يختاروا إلى أيِّ الطريقين والتاريخَيْن ينتمون!.

--------

* كلية الآداب- جامعة المنوفية.