بكل احتشامٍ وأدبٍ مهنيٍّ جمٍّ؛ نشرت (الأهرام) على صفحتها الأولى أن ضابطين من قوات الأمن المركزي المصرية المرابطة على الحدود مع قطاع غزة أصابتهما شظايا القصف الصاروخي المكثَّف؛ الذي استهدف الشريط الحدودي، كما أن القصف أصاب طفلين مصريين أحدهما عمره سنتان والآخر خمس سنوات، وأدى إلى تصدُّع وتهديم بعض المنازل في رفح المصرية، وذكر الخبر المنشور أن الضربات استهدفت أنفاقًا على بعد 400 متر على الحدود المصرية.
المعلومات التي أوردها خبر (الأهرام) تجاهلت تفاصيل أخرى، منها مثلاً أن الشظايا الصهيونية أصابت الضابطين المصريين إصاباتٍ خطيرةً في الرأس والظهر، وأن الطائرات الصهيونية في غاراتها اخترقت المجال الجوي المصري مرات عديدة.
كما ذكرت وكالة (رويترز) ومحطة (سي. إن. إن) أن المتحدث باسم وزارة الحربية الصهيونية رفض التعليق على هذه المعلومات.
لا أعرف إن كان تجاهل تلك المعلومات تمَّ بسبب السهو أو العمد، لكن الشاهد أن صياغة (الأهرام) وكذلك بقية الصحف القومية بدَت شديدة الهدوء، وكان واضحًا فيها أنها حرصت على الإيحاء بأن إصابة الضابطين والطفلين كانت على سبيل الخطأ وليس العمد، وذهبت إلى أبعد؛ حيث حاولت تغطية ما جرى وتبريره؛ حيث ذكرت أن عملية القصف الصهيوني استهدفت أنفاقًا على بُعد 400 متر من الحدود المصرية.
وهو ما يعطي انطباعًا بأن الطائرات الصهيونية لم تخترق المجال الجوي ولم تعتدِ على السيادة المصرية، رغم أن وكالة (رويترز) نقلت عن شهود في رفح المصرية أنهم شاهدوا بأعينهم الطائرات الصهيونية التي كانت تطير فوق بيوتهم على ارتفاع منخفض، وذكرت أن هؤلاء الأشخاص طلبوا عدم ذكر أسمائهم حتى لا يتعرَّضوا لبطش أجهزة الأمن المصرية.
إذا قارنت الكيفية التي عولج بها الحدث في الإعلام المصري بالطريقة التي قدِّم بها خبر مقتل ضابط الشرطة الشهيد الرائد ياسر فريج أثناء محاولة بعض الفلسطينيين عبور الحدود المصرية؛ فسوف ترى عجبًا؛ إذ ستلاحظ على الفور أن التوجيه الإعلامي حرص على تهدئة المشاعر للغاية في حالة القصف الصهيوني؛ الذي أدى إلى إصابة الضابطين والطفلين المصريين، في حين عمد إلى الإثارة والتحريض في حادث مقتل الضابط المصري؛ إذ ربما تذكر أن قتل الضابط تم على سبيل الخطأ، أثناء عبور بعض الفلسطينيين للحدود وتبادل بعضهم إطلاق النار مع عناصر الشرطة المصرية؛ ما أدى إلى قتل واحد منهم وإصابة عشرة.
وهي التفاصيل التي أثبت ورودها في أول نشر للخبر، كما أثبت الكيفية التي تدخَّل بها التوجيه الأمني بسرعة، بحيث عمّم على وسائل الإعلام المصرية صياغة مختلفة تمامًا سمَّمت الخبر، وكان واضحًا فيها الحرص على إثارة الرأي العام وتأجيج مشاعر المصريين ضد حركة حماس تحديدًا.
فالفلسطينيون الذين تبادلوا إطلاق النار مع الشرطة المصرية لم يعودوا فلسطينيين عاديين، ولكنهم تحوَّلوا في الصياغة المستجدة إلى كوادر من حماس، جاءوا ملثَّمين، بتعليمات من قيادة حماس، وترصَّدوا للضابط وقتلوه عمدًا بدم بارد، وأرادوا بذلك إثارة الفوضى على الحدود، ولم تُشِرْ الصياغة الأمنية إلى قتل الشاب الفلسطيني ولا إلى إصابة زملائه العشرة، أثناء الاشتباك الذي حدث، لكي لا يُفهم أن قتل الضابط تم أثناء تبادل لإطلاق النيران بين الجانبين.
لا يحتاج المرء إلى جهد لكي يدرك أن الرفق الشديد مقصود في عرض خبر القصف الصهيوني، على نحوٍ أدَّى إلى حدِّ غضِّ الطرف عن الاعتداء على السيادة المصرية، والتأكيد على الخطأ في الموضوع مع تبريره واغتفاره، بالقدر ذاته فإن تعمُّد الدسّ والكيد والإثارة ضد حماس كان واضحًا في تلويث خبر اشتباك مجموعة الفلسطينيين مع شرطة الحدود المصرية.
ولا تفسير لذلك سوى أن القائمين على اللعب في الأخبار اعتبروا أن ما صدر عن الكيان الصهيوني كان قصفًا لنيران صديقة، أما الفلسطينيون وحماس بالذات فلهم شأن آخر، أترك لك أن تختار الوصف المناسب له؛ بحريتك وعلى مسئوليتك!.
--------
* جريدة (الرؤية) الكويتية.