الصراع بين الحق والباطل صراع أبدي، وسُنَّة التدافع سُنَّة إلهية من سنن الوجود الإنساني ﴿وَلَوْلا دَفْعُ اللهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتْ الأَرْضُ﴾ (البقرة: من الآية 251)، وهو ابتلاءٌ من الابتلاءات الحتمية في هذه الحياة ﴿وَلَوْ يَشَاءُ اللهُ لانتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ﴾ (محمد: من الآية 4).

 

المهم أن يُميِّز الناس بين الحق والباطل، وأن يعرفوا خطر الباطل على الحق وأهله وعلى الحياة، وأن ينحازوا إلى الحق في وجه الباطل، وألا يفتروا أو يغفلوا عن القضية مهما طال الزمن أو عظمت التضحيات، وأن يملأهم الإيمان والحماس في هذه المواجهة، وأن يثقوا أن الحق منصور بإذن الله ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ﴾ (الأنبياء: من الآية 18).

 

وهذا النصر سيتحقَّق على المستوى الفكري المعنوي وعلى المستوى العملي على الأرض، بيد أنه يحتاج إلى جهد وجهاد وتضحية وفداء ﴿وَجَاهِدُوا فِي اللهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ (الحج: من الآية 78).

 

ولقد تعرَّض عالمنا الإسلامي على مدار التاريخ لحملات جائحة؛ أهلكت الحرث والنسل، واستولت على الأرض والمقدسات، وأقامت الدول والممالك.. هذه الحملات هي الحملات الصليبية والمغولية والاستعمار الغربي، ولقد تصدَّى لها أجدادنا فانكسروا تارةً وانتصروا تارة،ً وعانوا من ضعف وخذلان وخيانات، إلا أنهم لم تَلِنْ لهم قناة ولم يهدأ لهم بال حتى حرَّروا الأرض وطهَّروا المقدسات وطردوا الغزاة الغاصبين، ولقد استغرق ذلك سنين عددًا بلغت العقود أو القرون.

 

والآن ابتُلي جيلنا بالحملة الصهيونية الاستيطانية العنصرية التي احتلت أرض فلسطين؛ بما فيها القدس الشريف وأراضٍ أخرى من سوريا ولبنان، ولا تزال تتطلَّع إلى المزيد وإلى الهيمنة على كامل المنطقة في ظل حماية ودعم وتأييد القوى الغربية الكبرى.

 

ولقد قامت هذه الدولة على إرهاب الشعب الفلسطيني بالقتل والحرق، والتدمير والطرد، والتهجير والاستيلاء على مدنه وقراه، ومزارعه ودياره، حتى استولت على غالبية أرض فلسطين في عام 1948م، ثم احتلت باقيَها في عام 1967م، ولا تزال من يومها تقيم المجزرة تلو المجزرة، والمحرقة تلو المحرقة لهذا الشعب الصامد المجاهد الصبور.

 

ولقد كانت مجزرة غزة التي نعيشها اليوم لحظةً بلحظة وساعةً بساعة، مثالاً يجلٌّ ببشاعته عن الوصف من حيث استخدام أعتى الأسلحة العسكرية، بل والمُحرَّمة دوليًّا ضد شعبٍ شبه أعزل، وضد مدنيين آمنين في ديارهم؛ الأمر الذي أوقع أعدادًا كبيرةً من الشهداء والجرحى تجاوز ستة آلاف؛ معظمهم من الأطفال والنساء، ورغم فداحة الخطب وعظم المأساة وضخامة الخسائر المادية، إلا أن المقاومة المجاهدة الباسلة ما زالت صامدة ثابتة تصيب من العدو الجبان.

 

ولئن كانت للشدائد فوائد، فإنها قد أحيت القضية في نفوس الشعوب العربية والإسلامية، بل والشعوب الحرة المُحبِّة للحق، كما أنها ميَّزت الخبيث من الطيب في صفوف الحُكَّام والمُثقَّفين والإعلاميين والسياسيين وغيرهم، وفرزت العاجزين المستسلمين للواقع الباحثين عن حياة أيًّا كانت هذه الحياة، ولو على حساب السيادة والكرامة والعزة والإرادة والحرية.. فرزتهم عن المؤمنين الذين يحرصون على الحياة الكريمة الحرة العزيزة الأبيَّة، الذين وعَوا كلمة المرأة المسلمة أسماء بنت أبي بكر لابنها: "والله يا بني.. لَضربةٌ بسيفٍ في عزٍّ خيرٌ من ضربةٍ بسوطٍ في ذُلٍّ"، والذين استوعبوا دروس التاريخ وسنن الحياة وأيقنوا أن الباطل إلى زوال ولو تسلَّح بكل سلاح في الأرض، وأن العاقبة للحق؛ لأن ذلك إرادة الله الحق، واستعدوا لدفع الثمن ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمْ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللهِ قَرِيبٌ﴾ (البقرة: 214).

 

وإذا كنا نريد للقضية أن تظل حيةً في نفوس الجماهير، وأن يحشدوا طاقاتهم المادية والمعنوية من أجلها، وأن يُورِّثوها إلى أبنائهم؛ فعلينا أن نُغيِّيَ جملةً من الغايات ونتوسَّل بعديد من الوسائل؛ منها:

 

1- إعلام الناس بأصل القضية، وأنها حربٌ على الإسلام وأهله، وأن الصهاينة محتلون مغتصبون عنصريون؛ بمعنى أنهم جاءوا للاستيلاء على الأرض الإسلامية والمقدسات الإسلامية والمسيحية فيها إلى الأبد، وأنهم يريدونها دولةً لليهود فقط؛ ولذلك هم حريصون على طرد غير اليهود منها، ورغم أن دول العالم الآن ترفض إقامة دولة على أساس ديني، إلا أن معظمها يؤيد الصهاينة في أهدافهم!.

 

2- أنهم لا يكتفون بأرض فلسطين فقط، وإنما يتطلَّعون إلى التوسع من النيل إلى الفرات، بل يتحدثون عن المدينة المنورة.

 

3- أنهم يتطلَّعون إلى هدم المسجد الأقصى لإقامة هيكل سليمان على أنقاضه.

 

4- أنهم يمارسون الإرهاب بأبشع صوره لطرد الفلسطينيين ونشر الرعب في قلوب العرب والمسلمين.

 

5- أنهم نفَّذوا مئات المجازر في الفلسطينيين، وما نراه الآن ما هو إلا نموذجٌ من هذه المجازر الإجرامية.

 

6- أنهم منذ وطئت أقدامهم أرض فلسطين منذ أوائل القرن الماضي ولم تعرف المنطقة أمنًا ولا استقرارًا ولا سلامًا، وإنما تخرج من حرب إلى حرب، ومن معركة إلى معركة.

 

7- أنهم يستظهرون علينا بالقوى الاستعمارية الظالمة الكبرى (بريطانيا أيام كانت إمبراطورية؛ حيث حصلوا منها على وعد بلفور، ثم دعمتهم في الاستيلاء على فلسطين، ثم أمريكا بعدما صارت أقوى دولة في العالم، إضافةً إلى الاتحاد الأوربي).

 

8- أن هذه الدول وإن كانت تدعم الكيان الصهيوني لأسباب عقدية، إلا أنها أيضًا تستفيد منه في إرهاب المنطقة، فتسعى دولها إلى طلب الحماية الأمريكية والسير في ركاب السياسة الأمريكية، كما أن الكيان في موقعه الجغرافي في فلسطين في قلب العالم العربي والإسلامي إنما يشطره شطرين، ويمنع التواصل الجغرافي الطبيعي بين هذين الشطرين، إضافةً إلى حمايته المصالح الغربية في المنطقة المتمثلة في تأمين موارد النفط واستمرار فتح الأسواق، وتكريس التخلف والتبعية، وبذر الفتنة والشقاق بين حكومات المنطقة، ومحاربة النظم الوطنية والجماعات الإسلامية، وتيسير الغزو الثقافي الغربي.

 

9- إشعار الشعب بأنهم مستهدفون بكل ما يحدث للفلسطينيين في المرحلة التالية، وأن اتفاقيات السلام لن تغنيَ عنهم شيئًا؛ فالصهاينة قومٌ لا عهد لهم ولا ميثاق، والتاريخ خير شاهد على ذلك.

 

10- تبيان الحكم الشرعي في هذه القضية، والاستعانة بالفتاوى الشرعية التي صدرت من العلماء الأحرار بشأنها.

 

11- توعية الناس بمسار التاريخ في الحملات السابقة، وكيف كان مصير الغزاة الظالمين.

 

12- نشر سير الأبطال والمجاهدين والثوار الذين واجهوا الطغاة الغزاة المستكبرين.

 

13- بعث روح الجهاد، وأنه قرين العزة والكرامة "إذا تبايعتم بالعينة، واتبعتم أذناب البقر، ورضيتم بالزرع، وتركتم الجهاد، سلَّط الله عليكم ذلاًّ لا ينزعه عنكم حتى تعودوا إلى دينكم"، وشرح قيمة الشهادة ومكانة الشهداء.

 

14- بعث الثقة في نصر الله، وأن المجاهدين فائزون في الحالتين: النصر أو الشهادة.

 

15- ضرب المثل لإمكانية هزيمة الجيش الصهيوني (حرب رمضان، الجهاد في جنوب لبنان سنة 2000م، وسنة 2006، وحتى في غزة 2009م).

 

16- نشر سيرة أبطال فلسطين ومجاهديها.

 

17- دفع الشبهات التي يثيرها المغرضون عن أهل فلسطين.

 

18- شرح موقف القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة وحقوق الإنسان من قضية مقاومة المحتل.

 

19- تعريف الناس بألوان الجهاد وتدرجها: النفس، المال، الكلمة المنطوقة والمكتوبة، الدعاء، الدواء، مقومات الحياة، المقاطعة ... إلخ.

 

20- نشر ذلك كله من خلال المسجد (الخطبة والدرس والمجلة) والبيانات والنشرات والحوارات والصحف والإعلام والصور.

--------------

* عضو مكتب الإرشاد.