ربما يكون الوصف الأقرب والأدق لما يحدث في غزة، بعد 20 يومًا من القصف المتواصل حتى كتابة هذه السطور على مدينة صغيرة مساحتها 378 كم مربعًا، وعدد سكانها لا يتجاوز المليون ونصف المليون، أمام جيشٍ به أحدث الأسلحة في العالم؛ بما فيها الأسلحة المُحرَّمة دوليًّا؛ بأنه معجزة.. معجزة في الصمود والصبر على البلاء والثقة بالله.. معجزة تنبع من أنها لا يتحدث بها المقاومون المسلحون، بل يتحدَّث بها طفل فقد عينيه من جرَّاء القصف بقنابل فسفورية مُحرَّمة دوليًّا، وهو يتحدث إلى العالم بثبات الرجال وعزيمة الأبطال، رافضًا الاستسلام لعدو جبان يخشى المواجهة، ويكتفي بقتل الأطفال والشيوخ والعجائز، ويُنهي حديثه بعزة وقوة وهو يقول: "لا اله إلا الله، محمد رسول الله".

 

المعجزة كانت على لسان سيدةٍ مُسنَّةٍ فقدت عائلتها، وهي صابرة محتسبة؛ لا تنطق ببنت شفة توحي بالندم أو الاستسلام أو العجز، بل ظلَّت تتحدَّث بكل قوة بأنها وكل أهل غزة صابرون محتسبون مستمرون في المقاومة إلى أن يزول العدوان الآثم، عدوان النازيين الصهاينة، وعدوان العرب.

 

المعجزة يتحدَّث بها كل يوم شهداء وجرحى وصلوا حتى كتابة هذه السطور إلى ما يقرب من ألف شهيد وأربعة آلاف جريح، ونحن لم نسمع من رجل أو امرأة أو شيخ أو طفل كلمةً توحي بالاستسلام، ولم نَرَ في عيونهم نظرةَ عجزٍ أو يأسٍ.

 

الجميع يعزف أنشودة الصمود بحبٍّ وإيمانٍ ويقينٍ من نصر الله في تناسق فريد هزَّ مشاعر العالم، وأراهم- ربما لأول مرة- قبح الصهاينة النازيين الذين ضحكوا على العالم الغربي سنوات طويلة، بأنهم الضحايا، وأن المقاومة هي عين الإرهاب.

 

إنها معجزة صمود جعل نظرات الشفقة في عيوننا على غزة وأهلها تتوارى، لتحل محلها نظرات الإكبار والاعتزاز، والاحترام والأمل.

 

الحق والمقاومة

دائمًا هناك فئة لن تستجيب لدعوة الحق، مهما حملت تلك الدعوة من معاني الخير والصلاح، طالما بقي الإنسان، بما يحمله من دوافع الخير والشر، وطالما بقي حب النفس الغالب الفاجر، ونوازع الأنانية التي تجعل صاحبها لا يرى إلا نفسه وشهواته، ودائمًا ستوجد الفئة التي ستجعل مصالحها حائطَ صدٍّ أمام القيم والمثل والأخلاق، وستظل تدافع بكل شراسة عن مصالحها بكل الوسائل المشروعة وغير المشروعة، وعندما تجد الحق صامدًا لا يلين، تبدأ في الهجوم عليه في محاولاتٍ مستميتةٍ لإفنائه، ليظل الصراع والتدافع الذي كتبه الله على البشر كناموسٍ كونيٍّ إلى قيام الساعة، وسببٍ من أسباب صلاحها ﴿وَلَوْلا دَفْعُ اللهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتْ الأَرْضُ وَلَكِنَّ اللهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ (البقرة: من الآية 251).

 

لن يستسلم الظالم لمطالب من ظلمه؛ لأنه ببساطة ظالم، وسيظل يساومه ويغريه بالسكوت كلما وجد منه إصرارًا وحماسًا للمطالبة بحقه، وسيسلك بعد فترة طريق التهديد والإرهاب ليَثنيَ صاحب الحق عن المطالبة بحقه، ويتحوَّل الأمر بعدها إلى صراع وحرب تحتاج إلى نَفَسٍ طويل وصبر وتضحية وثبات على المبدأ.

 

بمرور الوقت سيجد من يدعو إلى الحق أو من يطالب بحقه أنه يحتاج إلى مجموعة قيم تُعينه على الاستمرار في مشواره الطويل، هذه القيم تمثِّل منظومةَ مقاومةٍ لهجومٍ مُتوقَّعٍ.. منظومةً تجعله صامدًا لإكمال الطريق وعدم السقوط قبل أن يحقِّق هدفه.

 

إنها منظومة مقاومة وصمود نراها كل يوم أمام أعيننا في غزة درسًا عمليًّا يوميًّا نحاول أن نتعلم منه.. درسًا في نصرة الحق والدعوة إليه والمطالبة به.

 

الأنبياء والثبات على الحق

 الصورة غير متاحة

صواريخ المقاومة عادت لتثير الفزع في نفوس الصهاينة

عرَّضت الدعوةُ إلى الحق جميعَ الأنبياء ومن اتبعوهم للإيذاء، دفعتهم دفعًا إلى الصبر والمقاومة والصمود، في اختبارٍ لقوة إيمانهم بالله، وإيمانهم بفكرتهم.

 

آذَوا نبي الله لوط لأنه دعاهم إلى ترك أفعالهم القبيحة المشينة، فقالوا: ﴿أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ (النمل: من الآية 56).

 

وشنَّ فرعون حربًا شعواءَ على قوم موسى تحدَّث عنها القرآن فقال: ﴿وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ﴾ (البقرة: 49).

 

وعانى نبي الله نوح ومن معه من قومهم أشد المعاناة، حتى أمره الله بصنع سفينة للهجرة قبل أن يغرقهم بالطوفان.

 

إلا أن الإيذاء الأكبر والنموذج الأمثل للإيذاء والصمود، كان للنبي العظيم محمد صلى الله عليه وسلم، وربما كان الحصار الذي ضُرب على المسلمين في شِعْب أبي طالب لمدة ثلاث سنوات، هو الأقسى والأعنف على المسلمين في جهادهم للتمسك بدينهم، هو الأقرب لما يحدث في غزة اليوم، ثلاث سنوات من الحصار اللا إنساني: لا طعام، لا شراب، مؤامرة إجرامية للقتل البطيء لرجال ونساء وأطفال كل جريمتهم أنهم طالبوا بحقهم في الاعتقاد والحياة بحرية، وهي نفس الجريمة التي ارتكبها رجال ونساء وشيوخ وأطفال غزة اليوم للعيش بكرامة وعزة.

 

إلا أن ملحمة الصمود في الحالتين واحدة، وعزيمة الثبات والمقاومة كانت أكبر مما تخيَّل المجرمون، ومنظومة الصمود والمقاومة نجحت في النهاية في فك الحصار وهزيمة الباطل وإكمال الرسالة وتحقيق النصر.

 

إنها منظومة مقاومة وصمود تمسَّك بها الأنبياء على طول الخط في دعوتهم، ويمارسها أبطال غزة اليوم، ونحتاجها نحن لنا ولأبنائنا لنكمل الطريق ونكتب كلمة النصر على جدران الزمن وفي صفحات التاريخ.

 

التربية على المقاومة والصمود.. كيف تكون؟

 الصورة غير متاحة

أشبال.. الجهاد طريقنا لعزة الأمة

هناك حزمة من القيم تمثِّل في مجموعها منظومةً للمقاومة والصمود يحتاجها كل داعية يريد أن ينتصر للحق، وكل مظلوم يواجه ظلمًا، وكل من يبحث عن كلمة النصر في حربه مع الباطل.

 

إنها منظومة قيم نحتاج أن نتعلَّمها ونعلِّمها لغيرنا ونربِّيَ عليها أبناءنا، طالما بقينا في حياةٍ كُتب علينا فيها الصراع بين الحق والباطل، وطالما ظلت نوازع الشر جزءًا من تكوين الإنسان.. هذه القيم هي:

 

أولاً: الفهم:

لا يمكن الدفاع عن قضية أو المطالبة بحقٍّ أو الدعوة إليه، إلا إذا توافر فَهْم واسع لكل أبعاد المسألة بصورة تدفع أية شبهة، وتصمد أمام أية محاولة للتشكيك وزعزعة الأفكار؛ فالفَهْم يمثِّل الحماية الفكرية، وهو أول حائط صد أمام كل من يحاول أن يشوِّش الأفكار أو يرمي أصحابها بالمصلحة أو ضعف العقل أو الرغبة في النزوة والبطولة؛ لذا كان حديث الرسول صلى لله عليه وسلم: "فقيه واحد أشد على الشيطان من ألف عابد" (رواه الترمذي).

 

ثانيًا: الإيمان بالله والثقة في نصره:

إذا كان الفَهْم يمثِّل القوة الفكرية التي تحمي الفكرة وتصد عنها، فإن الإيمان بالله يمثِّل القوة النفسية التي يستمدها المؤمن من إيمانه بربه، وهي القوة التي تجعل القلب موصولاً بالله على الدوام، فلا يفقد معيته لحظة وهو في أحلك الظروف وأشد المواقف صعوبة، وهي القوة التي تُرهب الباطل مهما علا وتجبَّر، وهي القوة التي تثق بنصر الله مهما ضعف العتاد والسلاح وقلت الإمكانات.

 

إن قوة الإيمان طاقة ربانية هائلة؛ لن يُهزم أبدًا من استقرَّت في قلبه بيقين، مهما طال الزمن واشتدت المحن.

 

ثالثاً: الصبر:

﴿إِنَّ اللهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ (البقرة: من الآية 153)، تكفي هذه الآية تمامًا لوعد الصابرين بالنصر، وكيف لا ينتصرون والله معهم، وهو القوي الجبار المتكبر الذي لا يعجزه شيء في الأرض  ولا في السماء؟!

 

إن الصبر مفتاح النصر، ودلالة على استحقاقه، وبرهان على إيمان أصحابه.

 

رابعًا: الثبات:

في الطريق، لا بد أن تحدث الفتن، ويقع البلاء، وتظهر المصائب ﴿الم (1) أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ (2)﴾ (العنكبوت)، ولن يستحقَّ النصر إلا من ثبت رغم الألم، واستمرَّ على مبادئه لا يذل ولا يستسلم رغم ما لاقى من محنٍ وما واجه من صدمات في ماله أو ولده أو نفسه، والمقاومة تعني ببساطة أنك الطرف الأضعف ماديًّا، وهو ما يعني قدرة الطرف الآخر على إلحاق الأذى بك لا محالة، وهو أمر بديهي ومُتوقَّع ومؤكَّد حدوثه.

إن الثبات أمام الفتن لَدليلٌ من دلائل الإيمان، وقانون إلهي من قوانين الصمود والنصر.

 

خامسًا: الأمل:

في غزوة الأحزاب وبينما المسلمون محاصرون بمشركي قريش والجزيرة العربية من الأمام، ومن اليهود من الخلف في المدينة، وبينما المسلمون يحفرون الخندق، يضرب الرسول صلى الله عليه وسلم على صخرةٍ عجز سلمان الفارسي عن كسرها، فتنطلق شرارة، فيقول صلى الله عليه وسلم: "الله أكبر، أعطيت مفاتيح فارس"، ثم يضرب مرةً أخرى لتنطلق شرارة أخرى ليقول: "الله أكبر، أعطيت مفاتيح الروم".

 

وهكذا كان الرسول صلى الله عليه وسلم في أحلك المواقف وأشدها على المسلمين؛ يُبشِّر المسلمين بالنصر بصورةٍ كان تُذهلهم وتدفع المنافقين إلى التطاول والسخرية، لكن دفعات الأمل التي كان يبثها الرسول في نفوسهم كانت دائمًا تؤتي ثمارها؛ لأنها مبنية على أساس متين وإيمان صادق بالنصر، فتتحمَّس النفوس وتعود الأبصار لترى الحقيقة جليَّةً واضحةً، رغم نجاح الباطل مؤقتًا في إبعادها أو حجبها بسحب من الضباب.

 

إن المقاومة والصمود يحتاجان دائمًا إلى جرعات من الأمل والبشر والتفاؤل؛ حتى تمنحهما القدرة على الاستمرار والنصر القادم بإذن الله.

 

سادسًا: التضحية:

من لا يُرِدْ أن يُضحِّيَ فلا يسألْ عن النصر؛ لأن النصر ليس مادةً، بل هو مجموعة من قيم العزة والكرامة واحترام النفس والدفاع عن الحق، وهي قيم تعلو كثيرًا على المال والنفس والوقت.

 

والتضحية مؤلمة لا شك، لكنها ضرورية في معركة الصمود، وهو ثمن لا بد أن يُدفَع حتى ينتصر الحق، ويدونها نطلب الجنة بلا ثمن، وهو لن يحدث على الإطلاق.

 

 الصورة غير متاحة

كوكبة من شهداء غزة االذين ارتقوا في القصف الصهيوني الوحشي

سابعًا: التحدي:

عرض المشركون على الرسول صلى الله عليه وسلم المال والسلطة والحكم للتنازل عن دعوته، فلم يقبل الرسول حتى ولو جاءوا بما لم يكن في حسبانهم: الشمس والقمر، فكان البديل هو الحرب، وهكذا الباطل؛ يتخذ كل الوسائل لثَنْي صاحب الحق عن حقه؛ تارةً بالترغيب وتارةً بالترهيب، وهو لا ينتظر في الحالتين إلا مجرد رغبة في الاستسلام؛ ليبدأ مسلسل السقوط والانهيار.

 

كن مثل خبيب بن عدي، لم يدع لأبي سفيان وأصحابه حتى نشوة النصر عليه بكلمة واحدة يسبُّ بها الرسول صلى الله عليه وسلم، وهو مصلوبٌ على نخلة، منتظرًا حكمًا بالإعدام بعد دقائق، واختار الموت بكرامة على الحياة ذليلاً منكسرًا.

 

إنها منظومة قيم للمواجهة والصمود؛ أتعلَّمها كل يوم من أطفال غزة، وأسمعها أنشودةً جميلةً خلف أصوات القنابل، تتغنَّى بها النساء والشيوخ، ويطلق على أنغامها المجاهدون كل يوم رصاصات الفخر والكرامة، التي يحتاجها كل العرب في كل مكان.

 

نعم.. إنهم يموتون كل يوم، لكنهم يضغطون على صدورنا لإنعاش قلوبنا؛ ليعطونا الفرصة الأخيرة للحياة.

 

سلام عليك يا غزة.. سلام عليك.