إن المتأمل في أحداث غزة الجارية والمستمرة بالوقود الدموي الفلسطيني، والسكن القبري في أحضان تراب غزة العزيزة الكريمة، ومقاومة رجالات الأمة البواسل، ورفعهم رايات الحق والعدل والإباء، ودكّهم حصون الأعداء والمغتصبين، مع الصبر والثبات لأهلنا الأحرار في قيودهم، المعزَّزين رغم حصارهم؛ يجد أن المصطلحات الإسلامية والشرعية مُتمثِّلة في دلالاتها ومُتجسِّدة في ذاتها، وكأنها من الماديات الملموسة التي تبيِّن وتوضِّح وتكشف الطيب من الغث، والصالح من الطالح، والمقاوم والمجاهد والمؤيد والمعضد من المنافق والممالئ والمتواطئ والعدو الظاهر البيِّن الذي لا يُخْتَلَفْ فيه إلا بين الأمين والخائن.
ولعظم الخطب وأهمية الحدث يمكن أن نتحدث حول مصطلحين اثنين من هذه المصطلحات من باب "ما لا يدرك كله لا يُترك جله".
الأخوة
يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "المسلم أخو المسلم".
يقول فضيلة الشيخ يوسف القرضاوي حفظه الله: "من لوازم الإخاء في الإسلام: التعاون والتراحم والتناصر؛ إذ ما قيمة الأخوة إذا لم تُعاوِن أخاك عند الحاجة، وتنصره عند الشدة، وترحمه عند الضعف؟".
وهذا مصداقًا لقول رسولنا الكريم- مبينًا بشكل بليغٍ وبديعٍ ومُعبِّرٍ عن مدى التعاون والترابط بين أبناء المجتمع المسلم- في الحديث المتفق عليه عن أبي موسى حين قال: "المؤمن للمؤمن كالبنيان؛ يشد بعضه بعضًا" وشبَّك بين أصابعه.
فكل جزءٌ مُتمِّمٌ للآخر ومُكمِّل، وبتعاون الأجزاء وتلاحمها وتعاضدها يحيا الكل، فيتواصل العطاء والنماء، وهذا هو معنى قوله صلى الله عليه وسلم: "مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد؛ إذا اشتكى منه عضوٌ تداعى له سائر الأعضاء بالحمى والسهر" (رواه مسلم عن النعمان بن بشير)، وكذلك قوله: "المسلمون تتكافأ دماؤهم؛ يسعى بذمتهم أدناهم، ويجير عليهم أقصاهم، وهم يد على مَن سواهم، يرد مشدهم على مضعفهم، ومسرعهم على قاعدهم" (رواه أبو داود وابن ماجة عن عبد الله بن عمرو بإسناد حسن).
فكيف بهذه المُسَلَّمَات ونحن نجلس في مقعد المتفرج المبصر على دماءٍ وأشلاءٍ وجراحٍ مافتئت أن تتكاثر وتتسارع وتيرة زيادتها؟! حتى أصبحنا كعديمي الإحساس وبليدي الشعور والمشاعر تجاه من يُفترض أن الإسلام آخى بيننا وبينهم إخاءً عقائديًّا لا تنصل منه ولا مناص، وجعل وشيجة الإسلام هي أعلى الوشائج وأعظمها حتى صار الفرار منها كالفرار إلى الرمضاء ،أو قل للنار، أو بمعنى أصح إلى جهنم وبئس المصير.
ويمثِّل نصرة المسلمِ المسلمَ- من منطلق الأخوة والإخاء- عنصرًا مهمًّا وفعالاً؛ لا يمكن التغاضي عنه أو إهماله بأية حججٍ واهيةٍ أو لأي أسبابٍ وهميةٍ، بعيدًا عن السراب السياسي والمبادرات المشئومة التي لا يتحدَّث عنها إلا المتخاذلون والمنافقون والمتواطئون؛ لذا قال رسولنا الكريم في رواية البخاري عن أنس: "انصر أخاك ظالمًا أو مظلومًا"، وهذا كله منطلق مطلق لنصرة المسلمين والقيام بهبَّة الإسلام والمسلمين في محاولةٍ لكسر الغاصب وردع المعتدي الذي لم يترك في غزتنا الطاهرة حجرًا ولا شجرًا ولا وبرًا ولا مدرًا ولا حتى مدرسةً أو مستشفى أو مؤسسةً دوليةً أو خيريةً أو غيرهما إلا وعمل على إفنائها بعد إبادتها.
وهذا ما دعانا إليه القرآن الكريم وأوجبه؛ لذا جعل الولاية بين المؤمنين بمقتضى عقد الإيمان والعقيدة هي من البديهيات التي لا لبس فيها؛ حتى تتجلَّى لنا أهمية النُصْرَةْ والتناصر للمستضعفين والمضطهدين من الإخوان المسلمين- في فلسطين وكل الأمة- فقال تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ (التوبة: من الآية 71)، كما وصف المجتمع المؤمن بقوله: ﴿أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ (الفتح: من الآية 29)
فالتراحم سمة أولى من سمات المجتمع المسلم، كما أن الشدة الجماعية في وجه الكفر المتكتل خلف الراية الصهيوصليبيبة هي من واجبات الأمة وشعوبها التي ستُسأل عنها يوم القيامة يوم لا ينفع مالٌ ولا بنون إلا من أدَّى الأمانة، وأوفى بالعهود والعقود، وعمل وجاهد وناصر إخوة الدين والأرض والعرق، ومقتضى ذلك أن يشدَّ القوي أزر الضعيف، وأن يأخذ الغني بيد الفقير، وأن يُنير العالم الطريق للجاهل، وأن يرحم الكبير الصغير، كما يوقر الصغير الكبير، وأهم ذلك كله أن يقف الجميع صفًّا واحدًا في الشدائد والمعارك العسكرية قبل السلمية، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنيَانٌ مَرْصُوصٌ﴾ (الصف: 4) فكيف بحالنا عندما تُطْلَبْ النصرة فنكن من عصاة النصرة؟! فكيف بنا وتذبيح الأطفال والنساء والمسنين والمدنيين بقنابل الفسفور المحرمة دوليًّا وقذائف الدبابات والمدفعية والجوية المحرمة أخلاقيًّا وشرعيًّا ونحن سكون وسكوت؛ لا نرفع الصوت أو نبذل الجهد كل الجهد، مكتفين بالشجب والاستنكار مما جعل شجبنا يحتاج إلى شجب ضده، واستنكارنا يتطلَّب استنكارًا عليه؟!
الجهاد
وهي الفريضة التي تعني بذل الجَهْد كل الجُهد حتى تُفرغ الطاقات وتُتَحَمَّل المشقات بكل ما في الوسع والمجهود حتى نتولَّى قتال البغاة والكفار، كما أن مجاهدة المنافقين بأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر ودحض شبهاتهم وإرجافاتهم وبيان زيف ادعاءاتهم، لا تقل عن مجاهدة الكفار؛ إذ إنهم يمثِّلون الطابور الخامس الذي يعمل على تثبيط الهمم والعزائم والإرادات.
ولقد روى الشيخان عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل: "أي العمل أفضل؟، قال: "إيمان بالله ورسوله"، قيل: ثم ماذا؟، قال: "الجهاد في سبيل الله".
ويمثِّل الجهاد الفريضة الغائبة في عصر التخاذل والتواطؤ والطغاة، إلا أن حياته قد انبعثت في أرض غزة رمز العزة، وفاحت رائحته من غزتنا الحرة الأبية حتى فضحت المنافق وكشفت عورة المتواطئ وأظهرت الوجه القبيح للعدو الفأر المستأسد.
وإن اختلف الحكم الشرعي بين الكفاية والتعيين للجهاد على حسب الظرف والحدث والحالة، إلا أن أمره سبحانه وتعالى واضحٌ وجليٌّ حين قال: ﴿وَإِنْ اسْتَنصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمْ النَّصْرُ﴾ (الأنفال: من الآية 71)؛ فإن لم نلتزم ولم نمتثل للآية تمثَّل فينا قوله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمْ انفِرُوا فِي سَبِيلِ اللهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنْ الآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلاَّ قَلِيلٌ (38) إِلاَّ تَنفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلا تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (39)﴾ (التوبة).
فإذا نزل الكفار ببلدٍ معينٍ تعيَّن على أهله قتالهم ودفعهم؛ فالدفاع عن النفس واجبٌ كما قال تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ (البقرة: 190)، فإن لم يستطع أهل أرض الاعتداءِ الردَّ والردعَ تعيَّن القتال والجهاد على المسلمين؛ كلٌّ حسب قربه وبعده، حتى يصل الأمر إلى كمال الأمة وتمامها؛ لذا وجب التعاطي مع الأمر دون أن نتلكَّأ أو نتباطأ تباطؤ الجبان أو الخائن؛ حتى لا نهلك في ذلِّ الدنيا وخزي الآخرة؛ فالعاقل من يتخذ غزة وأهلها وفلسطين وشعبها وسيلة العزة والسعادة في الدنيا والآخرة، وإن لم يكن هذا هو حالنا في هذه الآونة فليتوضأ المتوضئون، وليكبِّر المُكبِّرون أربع تكبيراتٍ على موات الأمة وفقدانها.
ومن حكمته سبحانه وتعالى أن جعل الصراع بين الحق والباطل باقيًا إلى يوم القيامة حتى يتمايز الناس وتنكشف سرائرهم وتظهر كوامنهم، وما دام هذا الصراع موجودًا فالجهاد موجود؛ لا يُحدُّ بوقتٍ محددٍ ولا يُعيَّن بمكانٍ معينٍ؛ فمتى وُجد الباطل والضلال والكفر فالجهاد ماضٍ، وفضيلته باقية، فعن جابر رضي الله عنه مرفوعًا: "لا تزال طائفة من أمتي يقاتلون على الحق ظاهرين إلى يوم القيامة"، وقال صلى الله عليه وسلم: "الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة".
فلا نامت أعين الجبناء المتآمرين الذين يظنون بأن الباطل منتصرٌ وأن الحق إلى زوال وأن موعود الظلم هو البقاء، ولكن من البشريات المُفرِحات أن غزة هاشم هي المفنية لادِّعائهم، وهي المُدحِضة لأفكارهم ومبادراتهم، ولعل حرب فرقان القرن المعاصر بغزتنا الباسلة هي النور المضيء والأمل المعقود لقيام مارد الإسلام من سباته ورقاده؛ حتى يتسلَّم أمر العالم التائه والمكلوم، وعندها سيعلم الذين ظلموا أي منقلبٍ سينقلبون، وعندها يفرح المؤمنون بنصر الله.